هل بات بيت هيغسيث كبش فداء زلزال التجديد النصفي؟
شهد الساحة السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة الأمريكية مرحلة بالغة التعقيد والتوتر في أعقاب الهزيمة القاسية التي مني بها الحزب الجمهوري في انتخابات منتصف الولاية لعام 2026، والتي أسفرت عن انتزاع الحزب الديمقراطي السيطرة على غرفتي الكونغرس (مجلسي النواب والشيوخ). وقد وضعت هذه النتيجة الاستثنائية إدارة الرئيس دونالد ترامب أمام اختبار سياسي وهيكلي عسير، مع توجه الأنظار نحو وزير الحرب بيت هيغسيث الذي بات يواجه ضغوطاً غير مسبوقة تهدد ببقائه في منصبه. وتتزايد التكهنات حول ما إذا كان الرئيس ترامب سيضطر في النهاية إلى التضحية بوزير دفاعه في خطوة استراتيجية تهدف إلى امتصاص الغضب الشعبي والسياسي، وإعادة ترميم البيت الجمهوري المتصدع، خاصة بعد أن حمّل قادة الحزب، وفي مقدمتهم نائب الرئيس جاي دي فانس، الحرب في إيران وتبعاتها الاقتصادية مسؤولية هذه الخسارة المدوية التي أفقدت الحزب هيمنته التشريعية.لقد تحول وزير الحرب بيت هيغسيث، المذيع السابق في قناة فوكس نيوز، إلى بؤرة لاحتدام الصراع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. فمنذ توليه مهام منصبه مطلع عام 2025، واجه سلسلة متلاحقة من الأزمات والفضائح التي تراوحت بين تسريبات أمنية عبر منصات التواصل وتخبط في إدارة الضربات الخارجية، وصولاً إلى سياسات إقالة واسعة النطاق طالت كبار القيادات العسكرية دون توضيحات كافية. غير أن الأزمة بلغت ذروتها عقب الانتخابات النصفية، حيث وجد هيغسيث نفسه محاصراً بجبهة ديمقراطية موحدة تعهدت بفتح تحقيقات موسعة وصارمة حول شرعية وإدارة الحرب على إيران وتداعياتها الاقتصادية التي أدت إلى ارتفاع معدلات التضخم وأسعار الطاقة عالمياً. وفي المقابل، لم يقتصر الهجوم على المعسكر الديمقراطي فحسب، بل امتد ليشمل أصواتاً جمهورية داخل الكونغرس باتت ترى في بقاء هيغسيث عبئاً سياسياً يعيق جهود الحزب في استعادة توازنه، حيث أعلن النائب الجمهوري توماس ماسي عن عزمه طرح بنود اتهام رسمية لعزل وزير الحرب، بينما ذهب نواب جمهوريون آخرون إلى حد مطالبته بالتحلي بالشرف والنزاهة وتقديم استقالته الفورية تجنباً لمساءلة قاسية قد تنتهي بعزله رسمياً تحت قبة البرلمان.وعلى الرغم من إصرار الرئيس دونالد ترامب في تصريحاته العلنية على الإشادة بأداء هيغسيث ووصفه بأنه يقوم بعمل رائع، معتبراً أن محاولات عزله تهدف إلى تدميره الشخصي وتكرار سيناريوهات المحاكمات السابقة، إلا أن الدوائر السياسية المقربة من البيت الأبيض تشير إلى أن الحسابات الواقعية قد تفرض واقعاً مغايراً. فالرئيس ترامب ونائبه جي دي فانس أقرا علناً بأن تداعيات حرب إيران وأثرها المؤقت على أسعار الوقود كانت سبباً رئيسياً في خسارة الغالبية التشريعية. هذا الاعتراف الضمني يضع الإدارة أمام مأزق حقيقي، إذ إن التمسك بوزير حرب مثير للجدل ومرفوض من الأغلبية الجديدة في الكونغرس قد يفتح الباب أمام شلل تشريعي وتحقيقات مستمرة قد تعرقل العامين المتبقيين من ولاية ترامب الرئاسية. ومن هنا، يبرز التساؤل الملح حول قدرة الرئيس على حماية وزيره حتى النهاية مقابل التضحية بالاستقرار السياسي، أو ما إذا كان التخلي عن هيغسيث سيكون الورقة الأسرع لإرضاء الشارع الأمريكي وترميم الصف الجمهوري المنقسم على ذاته.وفي هذا السياق، كشفت شبكة فوكس نيوز في تقاريرها أن وزير الحرب بات "في مهب الريح"، مبينة نقلاً عن مسؤولين حاليين وسابقين في البيت الأبيض أن الضغوط المتصاعدة من الكونغرس قد تدفع الإدارة نحو إعادة حساباتها والمحاسبة النهائية لترميم العلاقة مع المؤسسة التشريعية. ومن جانبها، أفادت وكالة أسوشيتد برس بتصاعد التمرد داخل الحزب الجمهوري نفسه، مؤكدة أن عدداً من النواب باتوا يعتقدون بأن مساءلة هيغسيث قد تنتهي بعزله الفعلي إذا أُتيح التصويت علناً تحت قبة البرلمان. وفي السياق ذاته، سلطت صحيفة واشنطن بوست الضوء على البعد الاستراتيجي للأزمة، مبينة أن معركة إبقاء هيغسيث في منصبه تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة ترامب على إدارة مواجهة مفتوحة مع كونغرس يسيطر عليه الديمقراطيون، ومؤكدة أن التضحية بالوزير قد تكون الثمن السياسي الأقل تكلفة لتجنب تحقيقات برلمانية مدمرة. وأما شبكة بلومبرغ، فقد نقلت في تغطيتها المالية والسياسية تأكيدات المتحدثين الرسميين بأن الوزير لن يتراجع، في حين رصد كتاب الشبكة انعكاسات أزمة الطاقة وحرب إيران على استقرار الأسواق، عاكسين الارتباط الوثيق بين الضغط الاقتصادي ومستقبل القيادات العسكرية والسياسية في البنتاغون.بهذا الشكل، يجد بيت هيغسيث نفسه في مفترق طرق حاسم، حيث يتشابك مصيره الفردي مع مستقبل الإدارة الأمريكية بأسرها، وتظل الأيام القليلة المقبلة كفيلة بتحديد ما إذا كان ترامب سيمضي في سياسة التحدي والمواجهة المطلقة أم سيختار التضحية بأحد أبرز وزرائه حفاظاً على ما تبقى من رصيد سياسي لحزبه.بيت هيغسيثكبش فداء زلزال التجديد النصفيالسيطرة على غرفتي الكونغرسحرب إيرانإدارة الرئيس دونالد ترامب
المصدر: البيان