ترامب يمنح "صقر الهجرة" مفاتيح البيت الأبيض بعد الهزيمة الانتخابية
لم تدفع الهزيمة التي مني بها الحزب الجمهوري في انتخابات منتصف الولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البحث عن شخصية توافقية لإدارة المرحلة المقبلة من رئاسته، فقد اختار مستشاره ستيفن ميلر، أحد أبرز مهندسي سياسة الهجرة المتشددة، رئيسا لديوان البيت الأبيض، خلفا لسوزي وايلز، في قرار يعكس تمسكه بنواة مشروعه السياسي رغم انتقال السيطرة على مجلسي الكونغرس إلى الديمقراطيين.
جاء التعيين بعد ثلاثة أيام من الانتخابات التي شكلت انتكاسة كبيرة للجمهوريين، وأعادت ترتيب موازين القوى في واشنطن، إذ أصبح ترامب أمام أغلبية برلمانية معارضة قادرة على تكثيف الرقابة على إدارته وعرقلة جانب من برنامجه التشريعي، غير أن اختياره ميلر يشير إلى رغبته في مواصلة الاعتماد على الشخصيات الأكثر انسجاما مع توجهاته، خصوصا في الملفات التي أثارت انقساما واسعا داخل المجتمع الأمريكي.
وأعلن ترامب، الجمعة، أن ميلر، البالغ من العمر 41 عاما، سيتولى رئاسة الديوان ابتداء من الاثنين المقبل، مشيدا بولائه وقدراته السياسية، وقال للصحافيين في البيت الأبيض: “ستيفن معي منذ البداية، إنه يفهم الأمور جيدا ويتمتع بذكاء سياسي”.
وسيخلف ميلر سوزي وايلز، البالغة 69 عاما، التي أدارت حملة ترامب الرئاسية الأخيرة وأصبحت أول امرأة تشغل منصب رئيس ديوان البيت الأبيض، بعدما قدمت استقالتها مساء الخميس.
وأكد الرئيس أن وايلز ستنتقل إلى مهام أخرى مرتبطة به خارج الحكومة، موجها إليها الشكر على ما وصفه بالعمل الممتاز الذي أدته، فيما أعلنت المسؤولة السابقة أن تغيير موقعها لن يؤثر في التزامها تجاه ترامب ومشروعه السياسي.
ويحمل الانتقال من وايلز إلى ميلر دلالة تتعلق بطبيعة إدارة البيت الأبيض، إذ ارتبط اسم الأولى بتنظيم العمل الرئاسي والتنسيق بين مختلف الأطراف المحيطة بالرئيس، بينما اكتسب خليفتها نفوذه من إعداد السياسات الأكثر تشددا والدفاع عنها، وفي مقدمتها الإجراءات المتعلقة بالهجرة وترحيل المقيمين بصورة غير نظامية.
صقر الهجرة في مركز القرار
لا يتعلق منصب رئيس ديوان البيت الأبيض بوظيفة إدارية عادية، فشاغله يتولى تنظيم عمل الفريق الرئاسي، وتنسيق العلاقة بين الرئيس وكبار مساعديه، ومتابعة تنفيذ الأولويات السياسية، فضلا عن المساهمة في تحديد الملفات التي تحظى باهتمام الإدارة وتوقيت طرحها.
وتمنح هذه الصلاحيات ميلر موقعا أوسع من ذلك الذي شغله سابقا نائبا لرئيس الديوان مكلفا بالاستراتيجية السياسية ومستشارا للأمن الداخلي، بعدما كان تأثيره يتركز بصورة خاصة في ملفات الهجرة والأمن والحدود.
ومنذ انضمامه إلى حملة ترامب الرئاسية الأولى سنة 2016، تحول ميلر إلى أحد أكثر مستشاريه قربا وثباتا في المواقف، واستمر في الدفاع عن أفكاره خلال الولاية الأولى بين 2017 و2021، ثم بعد مغادرة ترامب السلطة، قبل أن يعود معه إلى البيت الأبيض مطلع سنة 2025.
ويرتبط اسم المسؤول الجديد بالقيود التي فرضتها إدارة ترامب الأولى على دخول مواطني دول ذات أغلبية مسلمة إلى الولايات المتحدة، وهي الإجراءات التي واجهت طعونا قضائية، كما أصبح خلال الولاية الثانية أحد أبرز الداعمين لتوسيع عمليات توقيف المهاجرين وترحيلهم.
ونقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن ميلر طالب، في ماي 2025، أجهزة إنفاذ قوانين الهجرة بمضاعفة جهودها، بعدما أظهرت المعطيات أن أعداد المرحلين يوميا كانت أقل من المستويات المسجلة خلال السنة الأخيرة من حكم الرئيس السابق جو بايدن.
وأعقبت تلك التوجيهات عمليات أمنية في لوس أنجلوس، من بينها تدخل لعناصر شرطة الهجرة داخل متجر لمواد البناء، ما أثار احتجاجات ومواجهات مع قوات الأمن، قبل أن يأمر ترامب بنشر قوات عسكرية في المدينة رغم اعتراض حاكم كاليفورنيا الديمقراطي غافين نيوسوم.
ودافع ميلر آنذاك عن قرارات الإدارة، واصفا المواجهة بشأن الهجرة بأنها “معركة لإنقاذ الحضارة”، في تعبير يعكس تصوره لهذه القضية باعتبارها مرتبطة بالهوية الوطنية ومستقبل المجتمع الأمريكي، أكثر من ارتباطها بالإجراءات الإدارية الخاصة بالإقامة والحدود.
ولهذا يبدو وصفه بـ”صقر الهجرة” مرتبطا بمساره السياسي وبالدور الذي أداه في صياغة سياسات ترامب، وهو دور جعل منه أحد أكثر الشخصيات إثارة للخلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين.
ونشأ ميلر في مدينة سانتا مونيكا بولاية كاليفورنيا داخل أسرة يهودية، وبدأ الدفاع عن الأفكار المحافظة المتشددة خلال دراسته الثانوية، ثم في جامعة ديوك، قبل أن ينخرط في الدوائر اليمينية ويتعرف على شخصيات من بينها ستيف بانون وتاكر كارلسون.
وساهم المفكر المحافظ ديفيد هورويتز في فتح أبواب هذه الأوساط أمامه، إلى أن التحق بحملة ترامب وهو في الثلاثين من عمره، ليصبح لاحقا شخصية مؤثرة في إعداد القرارات الرئاسية، حتى إن الرئيس السابق لمجلس النواب كيفن مكارثي وصفه، قبيل عودة ترامب إلى السلطة سنة 2025، بأنه “العقل المدبر لترامب”.
الكونغرس الديمقراطي يغير موازين المواجهة
يأتي صعود ميلر في وقت تغيرت فيه الظروف السياسية التي تعمل ضمنها الإدارة الأمريكية، بعد فوز الديمقراطيين بمجلسي النواب والشيوخ، ما يمنحهم أدوات أوسع لمراقبة أداء الحكومة واستدعاء المسؤولين وفتح تحقيقات بشأن السياسات والقرارات التي اتخذت خلال العامين الماضيين.
وكان ترامب قد أشار، في أول رد فعل على نتائج الانتخابات، إلى احتفاظه بحق الاعتراض على التشريعات التي يقرها الكونغرس، مع إبداء الاستعداد للتعاون مع الديمقراطيين، لكن تعيين أحد أكثر مستشاريه تشددا يجعل احتمالات التوافق في الملفات الخلافية أكثر تعقيدا.
فالأغلبية الديمقراطية تستطيع التأثير في مسار التشريعات والاعتمادات المالية، بينما يحتفظ الرئيس بصلاحيات تنفيذية واسعة تسمح له بمواصلة أجزاء من برنامجه دون الحاجة إلى موافقة مباشرة من الكونغرس، وهو ما يفتح المجال أمام خلافات متكررة حول حدود السلطة الرئاسية.
وتبرز الهجرة بوصفها أحد الملفات المرشحة لاحتلال موقع مركزي في هذه المواجهة، بالنظر إلى استمرار اعتماد الإدارة عمليات الترحيل الجماعي، وإصرار الديمقراطيين على مساءلة المسؤولين عن أساليب تنفيذها وتداعياتها على المواطنين والمقيمين.
وقد ظهرت حدة الخلاف منذ إعلان التعيين، إذ تعهد زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، بمواجهة ميلر، معتبرا أنه مهندس “أكثر السياسات وحشية ولا إنسانية” التي تبنتها إدارة ترامب.
وقال شومر إن “دونالد ترامب لم يتعلم شيئا من هزيمته التاريخية”، بينما وجه زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب، حكيم جيفريز، اتهامات حادة إلى المسؤول الجديد، واصفا إياه بالتطرف وكراهية الأجانب، ومحمله مسؤولية سياسية عن ممارسات أجهزة إنفاذ قوانين الهجرة.
وتستحضر هذه الانتقادات واقعة مقتل المواطن الأمريكي أليكس بريتي على يد عناصر فيدرالية بمدينة مينيابوليس، خلال احتجاجات على عمليات شرطة الهجرة في يناير الماضي، عندما سارع ميلر إلى وصفه بأنه “إرهابي”، قبل أن يتراجع عن تصريحاته بعد إثارتها جدلا واسعا.
في المقابل، حظي تعيينه بترحيب واضح داخل الجناح المتشدد من الإدارة، حيث وصفه نائب الرئيس جي دي فانس بأنه “وطني عظيم سيحقق إنجازات كبيرة”، فيما أشاد وزير الدفاع بيت هيغسيث بصلابته السياسية، مؤكدا أنه “لا يتراجع أبدا”.
ويعكس هذا التباين أن تعيين ميلر سيكون أحد الملفات التي ستبدأ بها العلاقة الجديدة بين البيت الأبيض والكونغرس، خصوصا إذا قررت الأغلبية الديمقراطية فتح تحقيقات بشأن عمليات الترحيل أو الاستعانة بالقوات الفيدرالية في مواجهة الاحتجاجات.
غير أن تشدد ميلر لا يضمن للإدارة تحقيق أهدافها بصورة تلقائية، إذ تبقى القرارات التنفيذية خاضعة للرقابة القضائية، وقد تحتاج بعض السياسات إلى اعتمادات مالية أو ترتيبات تشريعية يصعب توفيرها دون تفاهم مع الكونغرس.
الولاء الرئاسي أمام اختبار الناخبين
يبرز اختيار ميلر أيضا إحدى السمات المستمرة في طريقة ترامب لإدارة فريقه، وهي إعطاء أهمية خاصة للولاء الشخصي والاستعداد للدفاع عن توجهاته دون تردد، حتى عندما تكون تلك التوجهات موضع خلاف سياسي أو مجتمعي واسع.
فخلال عشر سنوات من العمل المشترك، حافظ ميلر على موقعه داخل الدائرة المقربة من ترامب، رغم انتقال الإدارة بين فترات الحكم والمعارضة، كما ظل أحد أبرز المدافعين عن تصور الرئيس للهجرة والأمن الداخلي وصلاحيات السلطة التنفيذية.
لكن هذه العلاقة الطويلة تطرح سؤالا بشأن قدرة الولاء الشخصي على تعويض الحاجة إلى إدارة التوازنات السياسية بعد فقدان السيطرة على الكونغرس، خاصة أن رئيس الديوان سيكون مطالبا بالتعامل مع وزراء ومسؤولين وبرلمانيين تختلف مواقفهم وحساباتهم.
وتزداد أهمية هذا السؤال بالنظر إلى أن خسارة الجمهوريين في انتخابات منتصف الولاية جاءت وسط استياء من ملفات متعددة، من بينها غلاء المعيشة وتداعيات الحرب مع إيران وسياسات الهجرة، ما يجعل اختزال أسباب الهزيمة في قضية واحدة قراءة غير كافية للنتائج.
وكان ترامب قد أقر بأن الحرب في إيران أسهمت في إضعاف موقف الجمهوريين انتخابيا، بينما ذهب نائبه جي دي فانس إلى تحميلها مسؤولية مباشرة عن الخسارة، في وقت تواجه فيه الإدارة انتقادات بشأن ارتفاع تكاليف المعيشة وانعكاسات التوترات الدولية على أسعار الطاقة.
ولا تعني هذه المعطيات أن جميع الناخبين الذين صوتوا للديمقراطيين يعارضون سياسات الهجرة التي يتبناها ترامب، لكنها تشير إلى اتساع نطاق الملفات التي يتعين على الإدارة معالجتها إذا أرادت استعادة جزء من الثقة التي فقدها الحزب الجمهوري.
وقد يكون تعيين ميلر محاولة لتشديد الانضباط داخل الفريق الرئاسي، وضمان استمرار تنفيذ القرارات التي يعتبرها ترامب جوهر برنامجه، خصوصا بعد تراجع قدرته على الاعتماد على الأغلبية البرلمانية لتمرير التشريعات.
وفي المقابل، يحمل هذا الاختيار مخاطر سياسية إذا أدى إلى مزيد من المواجهات مع الكونغرس والمحاكم، أو جعل الجدل بشأن الهجرة يطغى على معالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي حضرت بقوة في الانتخابات.
ويكشف توقيت القرار أن ترامب لا يريد أن تظهر هزيمة الجمهوريين باعتبارها تراجعا عن مشروعه السياسي، ولذلك أسند أحد أهم المناصب في البيت الأبيض إلى شخصية ارتبط اسمها بأكثر جوانب ذلك المشروع صرامة.
أما بالنسبة إلى ميلر، فإن انتقاله من موقع المستشار المؤثر إلى رئيس الديوان يضعه أمام مسؤولية مختلفة، إذ لن يكون مطالبا بالدفاع عن سياسة الهجرة وحدها، وإنما بتنسيق عمل إدارة تواجه أغلبية برلمانية معارضة وتحديات اقتصادية وأمنية متشابكة.
وتبقى قدرة الرجل على إدارة هذه الملفات موضع اختبار، خصوصا أن نجاحه السابق في التأثير على قرارات ترامب لا يعني بالضرورة امتلاكه القدرة نفسها على بناء التفاهمات داخل المؤسسات الأمريكية.
وهكذا يدخل البيت الأبيض المرحلة الثانية من ولاية ترامب بتركيبة قيادية تعطي الأولوية للاستمرار في النهج السياسي الذي اختاره الرئيس، بينما أصبح الكونغرس تحت سيطرة خصومه، وهو وضع يجعل الأسابيع المقبلة اختبارا لمدى قدرة الإدارة على الجمع بين التشدد في الخيارات والمرونة التي تفرضها موازين القوى الجديدة.
وتكشف ترقية ستيفن ميلر، في النهاية، عن مفارقة سياسية واضحة، فالهزيمة الانتخابية التي كان يمكن أن تدفع ترامب إلى توسيع دائرة مستشاريه المعتدلين قادته إلى تعزيز نفوذ أحد أكثر المقربين منه تشددا، لتصبح العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس مرشحة لمواجهة تحدد حدود السلطة التنفيذية خلال ما تبقى من الولاية الرئاسية.
The post ترامب يمنح "صقر الهجرة" مفاتيح البيت الأبيض بعد الهزيمة الانتخابية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المصدر: هسبريس