الشهيد جواد السلايطة... حين تصنع البداوة رجال المواقف والشجاعة
لم يكن الشهيد العريف جواد السلايطة مجرد رجل أمن يؤدي واجبه الوظيفي، بل كان صورة أصيلة للرجل الأردني الذي تربّى على قيم البداوة، واستمد من بيئته معنى الشجاعة والأنفة والكرامة والوفاء، فكانت تلك القيم حاضرة في شخصيته وسلوكه ومواقفه، حتى لحظة استشهاده وهو يؤدي واجبه في حماية الوطن والمواطنين. فالبدوي لا تصنعه الصحراء وحدها، بل تصقله منظومة من القيم والتقاليد التي تتوارثها الأجيال؛ من الشهامة والنخوة وإغاثة الملهوف، إلى حماية الجار وصون الكرامة والوقوف إلى جانب الآخرين في أوقات الشدة. وهي قيم لا تبقى حبيسة المجالس والروايات، بل تتحول إلى سلوك ومواقف تظهر عند الامتحان الحقيقي. ومن هذه البيئة التي تعتز بالرجولة وتحترم العهد وتنبذ الغدر، تتشكل شخصية الإنسان الذي يعرف أن الشجاعة ليست في استعراض القوة، وإنما في تحمل المسؤولية، وأن الرجولة ليست في الكلام، بل في المواقف التي تتطلب التضحية والثبات. لقد حمل الشهيد جواد السلايطة هذه المعاني إلى موقعه الشرطي، فكان العريف الذي يقف في مواجهة الخطر، ويؤدي واجبه بإحساس عميق بالمسؤولية الوطنية. وعندما واجه الإرهاب والمجرمين، لم تكن حساباته محصورة بسلامته الشخصية، بل كان همه حماية زملائه والمواطنين وإنقاذ الأرواح، في موقف يجسد أسمى معاني التضحية والإيثار. إن مواجهة الإرهاب ليست مجرد مواجهة أمنية، بل هي مواجهة بين قيم الحياة وقوى الظلام، وبين من يؤمن بأمن المجتمع واستقراره ومن يحاول العبث بهما. وفي مثل هذه اللحظات تظهر معادن الرجال، ويصبح الواجب الوطني امتحاناً حقيقياً للشجاعة والانتماء. لقد جسّد الشهيد السلايطة معنى الشرطي الأردني الذي لا يتراجع أمام الخطر، ولا يتخلى عن مسؤولياته عندما تكون حياة الآخرين في ميزان الواجب. وكانت تضحيته وهو يسعى إلى حماية زملائه والمواطنين شاهداً على أن القيم الأصيلة التي تربى عليها أبناء الأردن تتحول إلى أفعال عظيمة عندما ينادي الوطن أبناءه. إن استشهاد العريف جواد السلايطة يفتح أمامنا مساحة من التأمل في الدور الذي تؤديه الأسرة والعشيرة والبيئة الاجتماعية في بناء شخصية الإنسان، فالتربية على الشجاعة والأنفة والوفاء واحترام الآخرين ليست مجرد موروث اجتماعي، بل هي ركيزة في بناء الإنسان المسؤول، الذي يعرف قيمة الوطن ويدرك أن أمنه واستقراره أمانة لا تقبل التهاون. وسيظل الشهيد جواد السلايطة حاضراً في الذاكرة الوطنية، ليس بوصفه شهيداً ارتقى أثناء أداء واجبه فحسب، بل بوصفه نموذجاً للإنسان الذي ترجم ما تربى عليه من قيم إلى موقف بطولي، وقدم حياته دفاعاً عن أمن الأردن وسلامة أبنائه. رحم الله الشهيد العريف جواد السلايطة، وأسكنه فسيح جناته، وحفظ نشامى القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وأدام على الأردن نعمة الأمن والاستقرار، وحفظ قيادته وشعبه من كل سوء. فالرجال تُعرف بمواقفها، والأوطان تحفظها تضحيات أبنائها.
المصدر: الدستور