الاقتصاد الوطني.. ارتفاع النمو رغم الضغوط المالية والاضطرابات
يواصل الاقتصاد الوطني إظهار قدر من المرونة في مواجهة التحديات الإقليمية والضغوط الاقتصادية، مدعوماً بأداء عدد من القطاعات الإنتاجية، إلا أن هذه المرونة لا تلغي استمرار تحديات هيكلية تتعلق بعجز المالية العامة والمديونية والحساب الجاري، إلى جانب حساسية الاقتصاد للتطورات الجيوسياسية وانعكاساتها على السياحة والطاقة والتجارة. وتعكس توقعات البنك الدولي، الواردة في تقريره حول الوضع الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان لشهر تشرين الأول الحالي، مساراً تدريجياً للنمو في الأردن، إذ يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 2.7% خلال العام الحالي، قبل أن يرتفع إلى 2.9% في عام 2027، وصولاً إلى 3% في عام 2028. وتشير هذه التوقعات إلى استمرار النشاط الاقتصادي في التوسع، وإن بوتيرة معتدلة، بما يطرح تساؤلات حول قدرة النمو على إحداث تحسن ملموس في مستويات المعيشة، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الإيرادات المحلية، خصوصاً في ظل استمرار الضغوط على المالية العامة وارتفاع احتياجات الاقتصاد التمويلية. وتكتسب هذه المؤشرات أهمية في تقييم قدرة الاقتصاد على التعامل مع الصدمات الخارجية، إذ يسهم احتفاظ المملكة بمستويات مناسبة من الاحتياطيات في دعم الاستقرار النقدي وتوفير غطاء للاحتياجات الخارجية. ومع ذلك، فإن قراءة هذه المؤشرات ينبغي ألا تقتصر على مستوياتها الحالية، بل تمتد إلى تقييم اتجاهاتها وقدرة الاقتصاد على الحفاظ عليها في ظل تقلبات أسعار الطاقة والسلع الأساسية، وما يمكن أن تفرضه التطورات الإقليمية من ضغوط على فاتورة الاستيراد والطلب على العملات الأجنبية. وعلى الرغم من المؤشرات الإيجابية المرتبطة بالنشاط الاقتصادي، لا تزال المالية العامة تمثل أحد أبرز التحديات أمام الاقتصاد. فوفق توقعات التقرير، يُنتظر أن يبلغ عجز المالية العامة 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026، فيما يصل الدين الحكومي الموحد إلى 82.7% من الناتج المحلي الإجمالي. وتشير هذه الأرقام إلى أهمية مواصلة جهود ضبط الإنفاق العام، ورفع كفاءة تحصيل الإيرادات، وتوسيع القاعدة الضريبية بصورة تدعم النشاط الاقتصادي ولا تثقل كاهل القطاعات الإنتاجية.كما تبرز الحاجة إلى تحسين نوعية الإنفاق العام، بحيث تتجه الموارد بصورة أكبر نحو المشاريع القادرة على رفع الإنتاجية وتحفيز الاستثمار وخلق فرص العمل، بدلاً من الاكتفاء بمعالجة الاحتياجات المالية قصيرة الأجل. وتزداد أهمية هذا التوجه في ظل محدودية الحيز المالي المتاح أمام الحكومة، إذ إن ارتفاع أعباء الدين وخدمته قد يحد من القدرة على توجيه موارد إضافية إلى الإنفاق التنموي، ما يجعل تحقيق التوازن بين الاستدامة المالية ومتطلبات النمو ضرورة اقتصادية. وفي القطاع الخارجي، يتوقع التقرير أن يبلغ عجز الحساب الجاري 7.3% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الحالي، وهو ما يعكس استمرار أهمية التحديات المرتبطة بالتوازن بين التدفقات الخارجية والاحتياجات التمويلية للاقتصاد. وتتأثر هذه المعادلة بعوامل متعددة، من بينها فاتورة الطاقة والواردات، وأداء الصادرات، والإيرادات السياحية، والتحويلات المالية والاستثمارات الأجنبية. ولذلك، فإن تقليص العجز بصورة مستدامة يتطلب تعزيز القدرة التصديرية، وزيادة القيمة المضافة المحلية، وتوسيع قاعدة الأسواق الخارجية، إلى جانب جذب استثمارات قادرة على توليد تدفقات مستمرة من العملات الأجنبية. في المقابل، قد تتيح التحولات في مسارات التجارة الإقليمية فرصاً للأردن لتعزيز موقعه في خدمات النقل والخدمات اللوجستية، خصوصاً من خلال ميناء العقبة، الذي يمكن أن يشكل منفذاً مهماً للتجارة وتدفق السلع إلى الأسواق الإقليمية.
المصدر: الدستور