شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

عندما يموت الإرهابي وتبقى الشبكة .. هل يسبق الذكاء الاصطناعي الجريمة التالية؟

عندما يموت الإرهابي وتبقى الشبكة .. هل يسبق الذكاء الاصطناعي الجريمة التالية؟

كيف تستطيع أجهزة الأمن توظيف الذكاء الاصطناعي لاكتشاف التهديدات الإرهابية، وكشف شبكات التجنيد والتمويل والتحريض، ومنع المتطرفين من إنتاج منفذين جدد؟أخطر ما يمكن أن يحدث بعد مقتل إرهابي نفّذ هجوماً، أو القبض عليه، ليس أن تفقد الأجهزة الأمنية خيطاً من خيوط التحقيق، وإنما أن يترسخ الاعتقاد بأن الخطر انتهى بانتهاء صاحبه. فالمنفذ قد يموت، لكن الفكرة التي دفعته إلى الجريمة لا تموت بالضرورة، وقد يظل من غذّاها أو موّلها أو منحها شرعية زائفة قادراً على دفع آخرين نحو المصير نفسه.ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل أجهزة مكافحة الإرهاب لا ينتهي عند معرفة هوية المهاجم ودوافعه المباشرة، وإنما يبدأ، في جانب بالغ الأهمية، بعد تحديدها: هل كان يتحرك منفرداً بالفعل؟ أم أن وراءه بيئة استقطاب أو أشخاصاً أو شبكة علاقات أسهمت في انتقاله من التطرف الفكري إلى العنف؟ وهل هناك آخرون ما زالوا معرضين للتجنيد، أو مؤشرات موثوقة على تهديد جديد لم تتبلور صورته بعد؟هنا يدخل الذكاء الاصطناعي إلى ميدان مكافحة الإرهاب، ليس بوصفه بديلاً عن ضابط المخابرات المحترف، ولا آلة سحرية تستطيع قراءة النوايا، وإنما قدرة تحليلية قد تمنح الأجهزة الأمنية ما افتقدته طويلاً: فحص كميات هائلة من المعلومات المتفرقة، واكتشاف روابط ذات دلالة بينها، وتوجيه اهتمام المحلل إلى تفاصيل ربما ضاعت وسط آلاف الملفات والبلاغات والوثائق. لكن المعضلة ليست تقنية وحدها. فامتلاك الدولة أقوى الخوارزميات لا يعني بالضرورة امتلاكها أفضل استخبارات، فالذي يصنع الفارق هو نوع المعلومات التي تُغذّى بها الأنظمة، ودقة التحقق منها، وكفاءة المحلل الذي يفسر نتائجها، والقدرة على تحويل القرائن الصحيحة إلى إجراءات قانونية تحول دون وقوع الجريمة.من الاستخبارات التي تعرف ما حدث إلى الاستخبارات التي تكتشف ما يتشكلفي المفهوم التقليدي، يبدأ كثير من التحقيقات الأمنية من حدث محدد: اعتداء إرهابي، أو مشتبه به، أو معلومة من مصدر بشري، أو واقعة تستدعي البحث، ومن تلك النقطة تتسع دائرة الاستقصاء لمعرفة الخلفيات والعلاقات والمسؤوليات. أما التحول الذي تسمح به تقنيات الذكاء الاصطناعي، فهو مساعدة المحلل على التعامل مع المعلومات باعتبارها أجزاءً من صورة أكبر، قد لا يكون معناها واضحًا عند النظر إلى كل جزء منفردًا.فالأنظمة الحديثة قادرة على تصنيف وثائق بلغات متعددة، ومقارنة مواد مرئية، وفهرسة مجموعات كبيرة من البيانات المشروعة، وإظهار ارتباطات تستحق المراجعة البشرية. وقد تساعد، عندما تتوافر أدلة قانونية محددة، على ملاحظة روابط بين قضايا كانت تبدو غير متصلة. وإذا كان المحلل البشري يمتلك الخبرة والمعرفة بالسياق الاجتماعي والسياسي والديني، فإن الآلة تستطيع توسيع قدرته على الفرز والمقارنة، دون أن تمتلك حكمه المهني أو مسؤوليته القانونية.غير أن ثمة خطًا فاصلًا بالغ الخطورة بين اكتشاف مؤشرات على نشاط إجرامي وبين الادعاء بالقدرة على التنبؤ بأن إنسانًا ما سيصبح إرهابيًا؛ فالتطرف الفكري، مهما كان مرفوضًا أو مستهجنًا، لا يساوي تلقائيًا قرارًا بممارسة العنف. كما أن متابعة مواد متشددة قد تكون لأغراض البحث أو الصحافة أو الدراسة أو محاولة فهم ظاهرة معينة. ومن الخطأ الأمني، قبل أن يكون خطأً حقوقيًا، تحويل هذه السلوكيات وحدها إلى حكم على نوايا الأفراد.فالإنذار المبكر المهني لا يبدأ باختيار أشخاص بناءً على آرائهم أو تدينهم، وإنما بتقييم وقائع قابلة للتحقق تشير إلى تهديد محدد، ثم إخضاعها للتقدير البشري والرقابة القانونية. فالمهم ليس أن تنتج الخوارزمية قائمة طويلة من الأشخاص الذين تعتبرهم خطرين، وإنما أن تساعد على اكتشاف تهديد حقيقي دون إغراق الأجهزة في آلاف الإنذارات الخاطئة.126 مشتبهاً بهم... ماذا فعل الإنتربول بالذكاء الاصطناعي؟لم تعد هذه الاستخدامات مجرد تصورات مستقبلية تُناقش في مؤتمرات التكنولوجيا؛ ففي الثامن عشر من أيلول 2026، أعلن الإنتربول نتائج عملية أمنية دولية حملت اسم "شمس 2"، نُفذت في تونس خلال الفترة من الأول إلى الخامس من حزيران، وشارك فيها ثمانية وعشرون ضابطاً وخبيراً من إحدى عشرة دولة.خلال العملية، استُخرجت 108,076 صورة لوجوه ظهرت في مواد مرئية نشرتها جماعات جهادية. واستُخدمت أدوات ذكاء اصطناعي لأتمتة أجزاء من جمع المعلومات، وفرز الصور المكررة، وتحسين جودة البيانات، قبل تقليص المجموعة إلى 6,362 صورة فريدة مناسبة للمقارنة باستخدام نظام الإنتربول للتعرّف على الوجوه. وأعلن الإنتربول أن العملية أسفرت، حتى تاريخ نشر النتائج، عن تحديد هوية 126 مقاتلًا إرهابيًا أجنبيًا مشتبهًا بهم، وأن بعض الخيوط الناتجة عنها دخلت بالفعل في إجراءات قضائية لدى دول مشاركة.هذه الأرقام لا تعني اعتقال 126 شخصًا، ولا تثبت أن الآلة استطاعت وحدها تحديد هوياتهم؛ فقد خضعت النتائج للمراجعة البشرية. لكن أهميتها تكمن في إظهار ما تستطيع التكنولوجيا تقديمه عندما تُستخدم داخل منظومة تحقيق دولية منضبطة، بل تنقل العمل من النظر إلى المواد الدعائية الإرهابية بوصفها رسائل تحريض فحسب، إلى إدراك أنها قد تحتوي أيضًا على معلومات تساعد، ضمن القانون، على التعرف إلى أشخاص مطلوبين وربط قضايا متفرقة. والأهم أن هذه العملية لم تقتصر على الصور. فقد أشار الإنتربول إلى استخدام أدوات متخصصة في تتبع التمويل المرتبط بالأصول الرقمية، انتهى إلى توجيه ثلاثة طلبات عاجلة للحصول على بيانات من مقدّم خدمات أصول افتراضية.وهنا تتضح حقيقة أمنية أساسية: التنظيم الإرهابي لا يتشكل من حامل السلاح وحده، بل من منظومة أوسع قد تضم وسائل للدعاية والتجنيد والتمويل والدعم والتواصل، ومن يكتفي بتحييد المنفذ دون فحص المنظومة التي أحاطت به، قد ينجح في إنهاء هجوم، لكنه لا يضمن تقليص احتمالات هجوم آخر.ماذا يحدث عندما تختفي شهادة المنفذ؟من أصعب التحديات التي تواجه المحققين أن يفارق منفذ الاعتداء الحياة قبل أن يتمكنوا من استجوابه؛ عندئذ تضيع فرصة الحصول على شهادته المباشرة بشأن دوافعه وعلاقاته، وقد يبقى كثير من الأسئلة دون إجابات، لكن غياب الشهادة لا يعني غياب جميع الأدلة، فالمعلومات المحفوظة بصورة مشروعة لدى الجهات المختصة، والسجلات والوثائق التي تُستحصل وفق الإجراءات القضائية، والمواد المنشورة علنًا، وشهادات الأشخاص ذوي الصلة، قد تتيح إعادة بناء أجزاء من السياق السابق للجريمة.ويستطيع الذكاء الاصطناعي أن يساعد المحللين في تنظيم هذه المواد ومقارنتها، واكتشاف التناقضات أو أوجه التشابه التي تستحق مزيدًا من التحقيق. وإذا ظهرت صلات موثوقة بقضايا أخرى، أمكن للأجهزة المختصة دراستها في إطار التعاون القضائي والاستخباري المشروع، لكن هذا لا يجعل كل علاقة اجتماعية صلة إرهابية، ولا كل اتصال دليلًا على المشاركة في الجريمة. فالشبكات التي ترسمها الأنظمة الحاسوبية قد تظهر أشخاصًا عرفوا المنفذ أو تعاملوا معه لأسباب مشروعة تمامًا. ومن هنا تنشأ ضرورة التمييز بين مجرد الارتباط وبين الدليل على فعل مجرّم.وأرى أن النجاح الحقيقي في التحقيق الذي يعقب هجوماً إرهابياً يجب ألا يُقاس حصراً بسرعة التعرّف إلى المنفذ، وإنما بقدرة الأجهزة على الإجابة عن سؤالين إضافيين: هل ظهرت أدلة على وجود مساهمين آخرين في الجريمة؟ وهل كشفت القضية ثغرة في منظومة الوقاية يمكن معالجتها قبل أن يستغلها شخص آخر؟فالمهمة ليست اختراع شبكة حيث لا توجد شبكة، بل عدم إغفالها حين تشير إليها أدلة مستقلة.الحرب على التجنيد تبدأ قبل أن يصبح الضحية قاتلاًيرتكب البعض خطأً جسيمًا عندما يتعامل مع الشاب الذي يقع تحت تأثير خطاب متطرف باعتباره إرهابيًا اكتمل تكوينه. فهناك فرق بين شخص يتعرض لمحاولات استقطاب، وآخر يتبنى أفكارًا متشددة، وثالث توجد أدلة على تخطيطه أو مشاركته في نشاط عنيف، وتزداد أهمية هذا التمييز مع انتقال بعض أنشطة الاستقطاب إلى الفضاءات الرقمية.ففي الثالث من تشرين الثاني 2026، أعلن اليوروبول عن عملية مشتركة شاركت فيها سلطات ست عشرة دولة، وأحالت خلالها أكثر من تسعة آلاف رابط لمواد متطرفة وإرهابية موزعة على سبع وأربعين منصة اجتماعية ومنصة ألعاب إلكترونية. وحذّر البيان من توظيف بعض بيئات الألعاب وأنشطة تقمّص الأدوار في ترويج السرديات المتطرفة واستقطاب صغار السن.ولا يعني ذلك أن الألعاب الإلكترونية بيئة إرهابية بطبيعتها، أو أن المشاركين فيها موضع اشتباه. كما أن البيان لم ينسب اكتشاف جميع الروابط إلى الذكاء الاصطناعي، وإنما يوضح كيف تتغير مساحات انتشار الدعاية والاستقطاب، ولماذا يصعب التعامل معها بأدوات المراقبة التقليدية وحدها. وفي هذا المجال، يمكن لتقنيات تحليل اللغة وتصنيف المحتوى أن تساعد المؤسسات المختصة على دراسة اتجاهات الدعاية العنيفة وفهم الأساليب الخطابية المستخدمة فيها، بينما تساعد تقنيات البصمة الرقمية منصات الإنترنت على التعرّف إلى نسخ من مواد إرهابية سبق التحقق منها.ومن الأمثلة القائمة قاعدة تبادل البصمات الرقمية التابعة للمنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب عبر الإنترنت، التي تتيح للمنصات الأعضاء مقارنة محتوى معروف دون تبادل البيانات الشخصية للمستخدمين. وهذه تقنية للمطابقة الرقمية لا ينبغي الخلط بينها وبين الذكاء الاصطناعي نفسه، وإن أمكن أن تعمل إلى جانب أنظمة كشف وتصنيف آلية، لكن الوقاية من التجنيد لا تُختزل في إزالة المحتوى. فحذف مادة تحريضية لا يعالج تلقائياً الظروف التي جعلت شخصاً يتقبل خطابها. ولهذا ينبغي أن تقترن الأدوات التقنية ببرامج تعليمية واجتماعية ونفسية تحمي المعرضين للاستغلال، وتوفر لهم بدائل ومساعدة موثوقة، قبل أن يتحول التأثر الفكري إلى استعداد للعنف.التمويل... عندما تصبح الأموال جزءاً من الصورة الاستخباريةليست كل الأنشطة الإرهابية بحاجة إلى تمويل كبير، وليس كل تمويل مشبوه إرهابياً. لكن قدرة بعض الشبكات على الاستمرار ترتبط بتوافر موارد وعلاقات مالية يصعب فهمها عند النظر إلى كل معاملة منفردة، وهنا يمكن للتحليلات المتقدمة والذكاء الاصطناعي أن يسهما في مساعدة الجهات المالية والرقابية المختصة على تقييم المعلومات المتاحة قانوناً، وتمييز العلاقات التي تتطلب فحصاً إضافياً، وتدعيم التحقيقات بأدلة مالية يمكن مراجعتها.وقد أكدت مجموعة العمل المالي الدولية، في وثائقها بشأن التحول الرقمي لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، أن التعلم الآلي وتحليل البيانات الضخمة وأدوات الذكاء الاصطناعي تتيح فرصًا لتطوير التحقيقات وتبادل المعلومات وتقييم المخاطر، لكن الأدوات المالية لا يجوز أن تعمل باعتبارها سلطة اتهام مستقلة. فقد تنشأ معاملة غير مألوفة عن نشاط مشروع تمامًا، وقد يكون تفسيرها الاقتصادي أو الاجتماعي مختلفًا عن القراءة الآلية الأولية.والقيمة الحقيقية هنا هي مساعدة المحقق المالي على تحديد ما يستحق البحث، لا تحويل كل اختلاف عن الأنماط المعتادة إلى قرينة إدانة. كما أن تتبع مصادر تمويل الإرهاب يتطلب في النهاية تعاونًا قانونيًا بين أجهزة إنفاذ القانون والمؤسسات المالية والسلطات القضائية، ومع الدول الأخرى حين تكون المعلومات موزعة عبر الحدود. والآلة قد تسرّع فهم البيانات، لكنها لا تستطيع أن تستبدل الإثبات القضائي أو التعاون الدولي.عندما تصبح الخوارزمية مصدراً للخطأ الأمنيقد يبدو الحديث عن الضوابط القانونية تفصيلاً ثانوياً لمن ينظر إلى مكافحة الإرهاب باعتبارها سباقاً لا يحتمل التأخير. لكن التجربة التقنية تكشف عكس ذلك؛ فالخوارزمية التي تنتج إنذارات خاطئة باستمرار لا تعزز الأمن، بل قد تستنزف قدرات المحللين في ملاحقة تهديدات غير موجودة. والنظام الذي يتعامل مع اللغة العربية دون فهم دقيق للهجاتها وسياقاتها قد يعجز عن التمييز بين اقتباس صحفي، ونقد فكري، وتهديد فعلي. أما الاعتماد المفرط على نتائج الأنظمة الآلية فقد يجعل المحلل يتجاهل دليلاً بشرياً يناقض استنتاج الآلة.لهذا كان لافتًا أن الاتحاد الأوروبي حظر، ضمن قانون الذكاء الاصطناعي، أنظمةً معينةً تتنبأ باحتمال ارتكاب فردٍ جريمةً بالاعتماد حصريًا على التنميط أو السمات الشخصية، مع التمييز بينها وبين أدواتٍ مساعدةٍ لتقييم أدلةٍ موضوعيةٍ مرتبطةٍ بنشاطٍ إجراميٍّ محدد. وفي شباط 2026، أصدر مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب دليلًا متخصصًا بشأن الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في الوقاية من التطرف العنيف، ركّز على مخاطر التحيز والتمييز وانتهاك الخصوصية والإفراط في الثقة بالنتائج الآلية.وهذا ليس ترفًا قانونيًا مستوردًا؛ فالمواطن الذي يخشى أن يتحول رأيه أو انتماؤه أو علاقاته العادية إلى ملف اشتباه آلي لن يكون أكثر استعدادًا للتعاون مع الأجهزة الأمنية. وأي تكنولوجيا تقوض الثقة بين الدولة ومجتمعها قد تصبح عبئًا على الأمن الذي يُفترض أنها جاءت لحمايته؛ ولذلك فإن المعيار الذي أقترحه ليس عدد الأشخاص الذين تصنفهم الأنظمة باعتبارهم محتملَي الخطورة، بل جودة الخيوط التي تثبت صحتها، ومعدل الأخطاء المكتشفة، وقدرة المؤسسات على تفسير قراراتها ومراجعتها وتصحيحها.الأردن أمام فرصة لتطوير مفهوم الوقاية الأمنيةبالنسبة إلى الأردن، لا أرى أن السؤال الصحيح هو متى تشتري الأجهزة الأمنية أحدث برنامج للذكاء الاصطناعي. فالبرامج يمكن شراؤها، لكن الكفاءة المؤسسية لا تُشترى بفاتورة تقنية، والسؤال الأهم هو ما إذا كانت الأجهزة والمؤسسات المختصة تمتلك رؤية مشتركة تحدد المجالات التي تستطيع فيها هذه الأدوات تقديم قيمة حقيقية، وما المعلومات التي يجوز معالجتها، ومن يراجع نتائجها، وكيف تُقاس فعاليتها.ومن المناسب أن يبدأ أي تطوير بتقييم مستقل للبنية القائمة، وتحديد الاحتياجات التدريبية للمحللين والمحققين، وبناء شراكات متخصصة مع المؤسسات التقنية والجامعات، مع إخضاع الأنظمة المقترحة لاختبارات الدقة والانحياز والأمن المعلوماتي قبل استخدامها في قضايا حساسة. ولا يقل أهمية عن ذلك تطوير قدرات المحققين على التعامل مع الأدلة الرقمية وحمايتها من التلاعب، وتمييز المواد الأصلية عن المحتوى المصطنع بالذكاء الاصطناعي، خصوصًا مع تنامي تقنيات تزوير الصوت والصورة.وهناك مجال أوسع لا يقل أهمية: تطوير أدوات تحليل تساعد مؤسسات الوقاية المدنية على فهم اتجاهات التطرف العنيف في المجتمع، من خلال بيانات مجمعة ومجهولة الهوية حيثما أمكن، لتوجيه البرامج التعليمية والتوعوية، دون تحويل المواطنين إلى أهداف لمراقبة جماعية. فالأردن، الذي راكم خبرات طويلة في مكافحة الإرهاب، يستطيع أن يستفيد من الذكاء الاصطناعي بصورة أعمق إذا تعامل معه باعتباره استثمارًا في جودة القرار الأمني، لا مجرد إضافة تقنية إلى المعدات الموجودة.الضابط الذي يعرف ما لا تعرفه الآلةمهما بلغت قدرات الذكاء الاصطناعي، فإنه لا يعرف المجتمع الأردني كما يعرفه الضابط المتمرس، ولا يدرك بالضرورة المعاني الدقيقة للعلاقات العائلية والاجتماعية، أو الفروق بين التدين والتطرف، أو بين الغضب السياسي والتحريض على العنف.قد يساعد على قراءة آلاف الوثائق في وقت قصير، لكنه لا يمتلك وحده البصيرة التي تجعل المحقق يشك في نتيجة تبدو مقنعة، أو ينتبه إلى دليل ينفي فرضيته الأولى. والضابط الذي يفهم حدود الآلة سيكون أقدر على الاستفادة منها من ضابط يصدق كل ما تنتجه، مثلما أن المؤسسة التي تراجع أخطاءها ستكون أكثر كفاءة من مؤسسة تتباهى بامتلاك منظومة لا تستطيع تفسير نتائجها.ولعل أخطر ما في الجريمة الإرهابية ليس أن فردًا استطاع تنفيذها، وإنما أن تظل الأسباب والعلاقات والفراغات التي مهدت لها بعيدة عن الفهم والمراجعة. وإذا تمكنت أجهزة الأمن من تحويل المعلومات الموثوقة إلى معرفة، والمعرفة إلى وقاية قانونية مبكرة، فإنها تكون قد انتقلت خطوة مهمة من رد الفعل إلى منع الخطر، فالإرهابي الذي انتهى دوره لا ينبغي أن يكون آخر ما يشغل المحققين؛ ما ينبغي أن يشغلهم هو ألا ينجح الفكر الذي دفعه إلى الجريمة في صناعة إرهابي آخر.وهنا تتحدد القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي: ليس في أن يمنح الأجهزة الأمنية سلطة الادعاء بمعرفة المستقبل، وإنما أن يساعدها على فهم الحاضر بدقة أكبر، وكشف ما فات من روابط وأدلة، وحماية الأبرياء قبل أن تتحول مؤشرات الخطر الحقيقي إلى مأساة جديدة.

المصدر: عمون