شخصية “الوطن”: رانيا العباسي.. ضحية استبداد النظام البائد وجرح غائر في وجدان الذاكرة الإنسانية
لم تكن رانيا العباسي مجرد طبيبة أسنان، بل عقلاً نابضاً وروحاً شغوفة.. كانت بطلة لسوريا لسنوات طويلة، وكانت تفكر كلاعب شطرنج محترف، تحسب الخطوات بدقة، وتوازن بين طموحات المستقبل ومسؤولية الأمومة، وبين مهنة إنسانية تداوي الجراح وهواية تفكك أعقد الألغاز. تزوجت من عبد الرحمن ياسين، وفتحت بيتاً دافئاً ملأه ضحكات ستة أطفال، إضافة إلى الدفء الذي غمر كل من عرفهم، فكان بيتاً سورياً نموذجياً، يعج بالحياة والأحلام البسيطة. لم تكن رانيا تبحث عن السياسة بقدر ما كانت تبحث عن إنسانيتها، إذ فتحت عيادتها وقلبها لمساعدة النازحين والمهجرين، غير دارية أن العطاء البسيط قد يتحول في زمن الاستبداد إلى جريمة لا تُغتفر. وفي يوم عصيب، اختفت العائلة برمتها، كأن عاصفة هوجاء مرت بالمنزل فمحت كل آثار للحياة، تاركةً خلفها كراسٍ فارغة، وألعاباً لم تُرتّب، ودفاتر مدرسية أُغلقت على صفحات بيضاء، لتتحول قصتها إلى شواهد دامية على واحدة من أبشع مآسي الإخفاء القسري والإبادة الجماعية التي طالت عائلة سورية كاملة، ولتبقى قضيتها جرحاً غائراً في وجدان الذاكرة الإنسانية التي تأبى النسيان. إن قصة رانيا العباسي تشّكل مرآة لمعاناة إنسانية كبرى، وتذكير بأن خلف كل اسم مفقود قلباً كان ينبض بالأمل، وعائلة كان لها الحق في أن تكبر معاً تحت شمس دمشق، لكنها ستبقى طيفاً يرفرف فوق أسوار المدينة، يذكّر العالم بأن العدالة الإنسانية لا تسقط بالتقادم، وأن الحكايات الصادقة لا يمكن طمسها مهما طال ليل الغياب. الحكاية كاملة قبل قرابة 13 سنة، اقتحم عناصر من قوات النظام البائد منزل الطبيبة رانيا العباسي في حي “مشروع دمّر” بدمشق، واعتقلوها برفقة أطفالها الستة وسكرتيرتها مجدولين القاضي، واقتادوهم إلى مكان مجهول، وذلك بعد يومين من توقيف زوجها عبد الرحمن ياسين، وبعد عام، تأكدت العائلة من استشهاد الزوج بعد أن ظهرت صورته في ملف “قيصر”، بينما أعلنت “الهيئة الوطنية للمفقودين” أن تحقيقاتها بيَّنت أن الأطفال استشهدوا جميعاً عقب اعتقالهم مباشرة، في جريمة بشعة لنظام الأسد نفذها المجرم أمجد يوسف حسب اعتراف نشرته وزارة العدل السورية في أثناء التحقيق معه، أما مصير رانيا وزوجها فلا يزال مجهولاً، ويرجح بعض الناشطين أن يكون مقتلها مع زوجها وأولادهما في الوقت نفسه. كان اعتقال الأطفال العنصر الأكثر مأساوية في قصة رانيا، وكانت أعمارهم عند اعتقالهم عام 2013: ديمة (14 عاماً)، وانتصار (12 عاماً)، ونجاح (10 أعوام)، وآلاء (8 أعوام)، وأحمد (6 أعوام)، وليان (سنتان ونصف السنة). وُلدت رانيا بنت محمد عيد العباسي في حي ركن الدين بدمشق، في 20 كانون الثاني عام 1970، لأسرة علمية دينية، فوالدها كان أحد أهم علماء الشريعة والحديث النبوي الشريف، كما قضى 14 عاماً في سجون حافظ الأسد. تلقت تعليمها في دمشق وكانت متفوقة، وحصلت على شهادة في طب الأسنان من كلية الطب بجامعة دمشق، وبرزت من صغرها في رياضة الشطرنج وشاركت في بطولات محلية وعربية ودولية، وفازت بالعديد من البطولات داخل سوريا وخارجها. في عام 1995 هاجرت مع أسرتها إلى المملكة العربية السعودية، وعملت في عيادة بالرياض، وفي عام 2006 عادت إلى دمشق لتفتتحَ عيادتها الخاصَّة في ركن الدين بدمشق، ثم في مشروع دمر. وكانت الطبيبة قد اشتهرت أيضاً بمبادراتها الإنسانية، إذ استقبلت نازحين من حمص في عيادتها، قبل أن تنقطع أخبارها وأخبار أفراد عائلتها منذ لحظة اعتقالهم. نجمة رياضية قبل أن تُعرف طبيبة أسنان ناجحة في دمشق، كانت رانيا العباسي اسماً لامعاً على رقعة الشطرنج، ففي عام 1984، وهي في الـ14 من عمرها، أحرزت بطولة الجمهورية في أول مشاركة لها بمدينة حمص، لتبدأ بعدها مسيرة حافلة بالإنجازات. وعلى مدى نحو عقد كامل، حافظت على حضورها في صدارة اللعبة، إذ لم تخسر أي بطولة جمهورية شاركت فيها، ومثلت سوريا في محافل دولية عدة، من بينها أولمبياد الشطرنج في دبي عام 1986، وأولمبياد “سالونيك” في اليونان، وأولمبياد العالم في “نوفي ساد” بصربيا، واستمرت رحلتها مع الشطرنج حتى غادرت إلى السعودية للعمل في أحد المستوصفات، وأنهت مسيرتها الرياضية وتفرغت لمهنتها طبيبة أسنان. ويصف مدربها محمد هشام الأرغا البدايات التي لفتت الأنظار إلى موهبتها، قائلاً إنه أشرف على تدريبها منذ عام 1984، وإنها أبهرت الجميع بحضورها ومهاراتها على رقعة الشطرنج، فمنذ مشاركتها الأولى انتزعت المركز الأول، ثم واصلت حصد الإنجازات، فحققت ذهبية الفرق في بطولة العرب عام 1993، وأحرزت ذهبية الفردي في البطولة نفسها. ويؤكد الأرغا أن رانيا هي اللاعبة السورية الوحيدة التي بلغت ذلك التصنيف الدولي في اللعبة. وفي موازاة نجاحها الرياضي، حملت رانيا هما شخصياً ظل حاضراً في حياتها؛ فقد كان والدها الداعية محمد عيد العباسي من المغيبين قسراً منذ الثمانينيات وحتى 14 سنة في سجون حافظ الأسد. وتستعيد شقيقتها نائلة ذكرى بقيت عالقة في ذاكرتها منذ طفولة رانيا، فبعد فوزها ببطولة الجمهورية في الشطرنج، لم يكن يشغل الفتاة الاحتفاء باللقب بقدر ما كان يشغلها مصير والدها المعتقل، وتقول نائلة إن رانيا كانت تأمل أن يتيح لها هذا الإنجاز مقابلة حافظ الأسد للمطالبة بالإفراج عن والدها، لكن ذلك لم يحدث، وبعد سنوات، خرج والدها من المعتقل وهو يعاني مرضاً عضالاً أنهك صحته.
المصدر: الوطن