السبتي لـ"الرؤية": الوقاية والكشف المبكر عن الأمراض أساس راسخ للمنظومة الصحية.. وخصوصية المريض "خط أحمر"
◄ عُمان تملك منظومة صحية عالية المستوى وخدمات تغطي جميع المحافظات ◄ أطمح أن يلمس المواطن منظومة صحية أكثر سهولة وأسرع استجابة وأعلى جودة ◄ نُركِّز على جودة المخرجات الصحية وتجربة المريض وكفاءة استخدام الموارد ◄ أحرزنا تقدمًا في بناء منظومة متكاملة من الوقاية والكشف المبكر عن الأمراض ◄ 44298 موظفًا في وزارة الصحة بنهاية 2025.. ونسبة التعمين 71.4% ◄ نستهدف التعمين النوعي واستدامة الكفاءات في التخصصات الدقيقة والحرجة ◄ الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص خيار استراتيجي للارتقاء بالمنظومة الصحية ◄ التعمين لا يستهدف الإحلال فقط.. وإنما بناء منظومة متكاملة لتأهيل الكفاءات الوطنية ◄ 50.4% نسبة التعمين بين الأطباء.. و76% بالمهن الطبية المساعدة ◄ الكفاءات غير العُمانية ستظل شريكا مهما في بعض التخصصات ◄ مشاريع نوعية لتوطين صناعات الأدوية والمستلزمات الطبية ذات الأولوية الاستراتيجية ◄ الأمن الدوائي جزء من الأمن القومي.. وجهود متواصلة لرفع معدلات الاكتفاء الذاتي ◄ جارٍ العمل على تنفيذ 18 مشروعًا جديدًا في الصناعات الدوائية ◄ نستهدف رفع نسبة الاكتفاء الذاتي من الدواء إلى 30% بحلول 2036 ◄ العدالة الصحية تقتضي حصول المواطن على الخدمة بالمستوى وفي المكان المناسبين ◄ ضعف تطبيق نماذج اللامركزية يحتاج إلى إعادة توزيع الأدوار بوضوح تام ◄ ربط التعيينات الجديدة بالاحتياج الفعلي وإعادة توزيع بعض الموارد لضمان العدالة الصحية ◄ هدفنا الأسمى بناء منظومة رعاية صحية آمنة وعالية الجودة لكل مواطن الرؤية- مدرين المكتومية أكد معالي الدكتور هلال بن علي السبتي وزير الصحة، أن سلطنة عُمان تملك منظومة صحية عالية المستوى وخدمات تغطي جميع المحافظات، مشيرًا إلى أن الوزارة تُركِّز على جودة المخرجات الصحية وتجربة المريض وكفاءة استخدام الموارد. وقال معاليه- في حوار خاص مع جريدة "الرؤية"- إن الوقاية والكشف المُبكر عن الأمراض أساس راسخ للمنظومة الصحية في عُمان، لافتًا إلى أن الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص خيار استراتيجي للارتقاء بالمنظومة الصحية. وأضاف معالي الدكتور وزير الصحة أن عدد العاملين في وزارة الصحة بلغ 44298 موظفًا بنهاية 2025، فيما وصلت نسبة التعمين إلى 71.4%، مشيرًا إلى أنَّ الوزارة تستهدف التعمين النوعي واستدامة الكفاءات في التخصصات الدقيقة والحرجة، مع التأكيد على أنَّ الكفاءات غير العُمانية ستظل شريكًا مُهمًا في بعض التخصصات. وشدَّد معاليه على مساعي الوزارة لتوسيع نطاق الخدمات التخصصية والتأهيلية والافتراضية وتطوير نماذج رعاية جديدة. وتطرق الوزير إلى الصناعات الدوائية؛ حيث أوضح أنه يجري العمل على تنفيذ مشاريع نوعية لتوطين صناعات الأدوية والمستلزمات الطبية ذات الأولوية الاستراتيجية، مؤكدًا أن الأمن الدوائي جزء من الأمن القومي. وأضاف أنه في ظل الجهود المتواصلة لرفع معدلات الاكتفاء الذاتي، فإنَّ الوزارة تستهدف رفع نسبة الاكتفاء الذاتي من الدواء إلى 30% خلال السنوات العشرة المقبلة، بالتوازي مع تنفيذ 18 مشروعًا جديدًا في الصناعات الدوائية. وإلى نص الحوار... معاليكم.. بعد سنوات من العمل على تطوير المنظومة الصحية ما تقييمكم اليوم لمستوى جودة الخدمات الصحية في سلطنة عُمان؟ وأين ترون الفجوة التي ما زالت تحتاج إلى مُعالجة عاجلة؟ المنظومة الصحية في سلطنة عُمان قطعت شوطًا مهمًا خلال العقود الماضية، وأصبحت لدينا بنية أساسية صحية واسعة، وكوادر وطنية مؤهلة، وخبرات متراكمة، وخدمات صحية تغطي مختلف محافظات السلطنة، إلى جانب تطور ملموس في التخصصات والخدمات التشخيصية والعلاجية، ولكننا في وزارة الصحة لا نقيس النجاح فقط بعدد المؤسسات الصحية أو الخدمات المتاحة، وإنما بما يلمسه المواطن من جودة وسرعة وسهولة وعدالة في الحصول على الخدمة. وأعتقد أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من التركيز على التوسع في تقديم الخدمات إلى التركيز بصورة أكبر على جودة المخرجات الصحية وتجربة المريض وكفاءة استخدام الموارد. أما الفجوات التي تحتاج إلى معالجة؛ فهي تشمل تقليل قوائم الانتظار، وتحسين الوصول إلى بعض التخصصات الدقيقة، وتعزيز الرعاية الصحية الأولية، وتقليل الفوارق الجغرافية في توفر الخدمات، ورفع كفاءة الإنفاق، وتسريع التحول الرقمي، وتعزيز الكوادر الوطنية في بعض التخصصات الدقيقة. ففي مجال الأمراض غير المعدية، حققت سلطنة عُمان تقدمًا مهمًا في بناء منظومة متكاملة تبدأ من الوقاية والكشف المبكر وتمتد إلى التشخيص والعلاج والمتابعة، مع وجود برامج وطنية راسخة ضمن الرعاية الصحية الأولية. وهذا يتضح من انخفاض الوفيات المبكرة الناجمة عن الأمراض غير المعدية في المراحل السابقة. لكن التحدي في المرحلة القادمة لا يرتبط فقط بتوفر الخدمة، وإنما بمدى قدرتنا على منع المرض قبل حدوثه، واكتشافه في وقت أبكر، وضمان استمرارية وجودة الرعاية بعد التشخيص. وشهدت وزارة الصحة توسعًا واضحًا في قدرتها البشرية خلال السنوات الأخيرة؛ إذ ارتفع إجمالي القوى العاملة من 37732 موظفًا في عام 2021 إلى 44298 موظفًا في عام 2025، بزيادة صافية قدرها 6566 موظفًا ونمو يقارب 17.4% خلال أربع سنوات، كما بلغت نسبة التعمين الإجمالية نحو 71.4% في عام 2025. والمرحلة المقبلة تركز بصورة أكبر على التخطيط الاستباقي للقوى العاملة، والتعمين النوعي، وتحسين التوزيع والمزيج المهاري، واستدامة الكفاءات في التخصصات الدقيقة والحرجة؛ لأن جودة الخدمة في النهاية ترتبط بقدرة النظام على توفير الكفاءة المناسبة للمريض في الوقت والمكان المناسبين. مع تنفيذ الخطة الخمسية الحادية عشرة (2026- 2030)، ما الأولويات التي ستشهد أكبر تحول ملموس خلال السنوات المقبلة، وما المؤشرات التي ستعتمدون عليها لقياس نجاح هذه الخطة؟ بدأنا بالفعل تنفيذ الخطة الخمسية الحادية عشرة (2026- 2030)؛ بوصفها المحطة التنفيذية الثانية لتحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، فقد بُنيت الخطة على أساس تحليل شامل للوضع الراهن ودروس مستفادة من الخطة الخمسية العاشرة، وتُرجمت إلى ثمانية برامج استراتيجية تخدم خمسة أهداف رئيسية لأولوية الصحة في الرؤية. وهناك أولويات ستشهد تحولًا ملموسًا خلال السنوات المقبلة، أولها: التغطية الصحية الشاملة وتوسيع الوصول للخدمات؛ حيث سيجري توسيع نطاق الخدمات التخصصية والتأهيلية والافتراضية، وتطوير نماذج رعاية جديدة، وتقليص الفجوة بين المحافظات في جودة الوصول للخدمة، إضافة إلى دمج القطاع الخاص بفعالية ضمن منظومة التغطية الصحية الشاملة. ثانيًا: التحول الرقمي الصحي، من خلال إطلاق الاستراتيجية الوطنية للصحة الرقمية، وتفعيل الملف الصحي الموحد، وتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في دعم القرار الطبي والتشخيص، بعد أن كانت وتيرة هذا التحول أبطأ من المستهدف في الخطة السابقة. ثالثًا: تعزيز الصحة العامة والوقاية، عبر إعطاء الأولوية لبرامج الوقاية من الأمراض غير المعدية ومسبباتها، وتعزيز الترصد والإنذار المبكر، ومواجهة تنامي الأمراض المزمنة، انطلاقًا من دروس جائحة كوفيد-19 وأهمية الاستثمار في الجانب الوقائي لتقليل عبء التكاليف المستقبلية. رابعًا: تنويع مصادر تمويل النظام الصحي؛ حيث يجري تقليل الاعتماد على الإنفاق الحكومي عبر تفعيل أدوات تمويل بديلة كالوقف الصحي، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، لضمان استدامة مالية للقطاع بعيدًا عن تقلبات الإيرادات النفطية. خامسًا: تنمية الموارد البشرية الصحية وتوطين الصناعات الدوائية، من خلال رفع نسبة التعمين، وإنشاء مرصد وطني للموارد البشرية الصحية، إلى جانب تمكين سلطنة عُمان لتكون مركزًا إقليميًا في صناعة الأدوية والتقنية الحيوية ضمن برنامج "اقتصاد الدواء والأمن الدوائي". سادسًا: تعزيز حوكمة النظام الصحي واللامركزية؛ إذ نحرص على توضيح الأدوار بين الجهات الصحية المختلفة (وزارة الصحة، المدينة الطبية للأجهزة العسكرية، المدينة الطبية الجامعية، القطاع الخاص)، وتمكين المحافظات من إدارة خدماتها الصحية. أما بخصوص مؤشرات قياس نجاح الخطة، فقد اعتُمدت منهجية دقيقة تتمثل في ربط كل برنامج تنفيذي من البرامج الثمانية بمؤشرات أداء رئيسية (KPIs) محددة، ذات موازنات وجداول زمنية واضحة ومستهدفات قابلة للقياس، واعتماد نظام متابعة وتقييم موحد يرصد التقدم المحرز بشكل ربع سنوي ونصف سنوي، مع رفع تقارير تحليلية دورية، وإجراء مراجعة شاملة منتصف مدة الخطة في عام 2028 لتقييم الأثر العام وتحديث البرامج بما يتواءم مع المستجدات، وربط مؤشرات الأداء القطاعي بمؤشرات الأداء الوطني ومؤشرات رؤية "عُمان 2040"، وعلى رأسها تحسين معدل العمر الصحي المتوقع عند الولادة، ووجود لجنة إشرافية برئاستنا، ولجان توجيهية لكل برنامج استراتيجي، مسؤولة عن متابعة مؤشرات الأداء وضمان الالتزام بالتوجهات الوطنية. وهذه المنظومة تضمن أن الخطة ليست وثيقة طموحات فحسب، بل إطار عمل قابل للمساءلة والقياس، يُترجم رؤيتنا في بناء "صحة مستدامة لمجتمع مزدهر". وفي هذا الإطار، يضطلع مركز ضمان الجودة بدور محوري في تعزيز جودة وسلامة خدمات الرعاية الصحية، من خلال تطبيق المعايير الوطنية والدولية للجودة والالتزام بالمتطلبات القانونية والتنظيمية، إلى جانب تعزيز العلاقات والشراكات مع مختلف الجهات المعنية وفهم احتياجاتها وتوقعاتها. الرعاية الصحية الأولية والوقاية أصبحتا محورًا أساسيًا في الاستراتيجية الصحية.. كيف يمكن الانتقال من نموذج يعتمد بدرجة أكبر على علاج المرض إلى نموذج يجعل الوقاية والكشف المبكر أساسًا للمنظومة الصحية؟ تُعد الرعاية الصحية الأولية والوقاية محورًا أساسيًا في الاستراتيجية الصحية الحديثة، ويبرز ذلك في عدة برامج وطنية منها: رعاية الحوامل، والفحص للكشف المبكر عن التشوهات الخلقية وضمان التدخل المبكر أثناء الحمل وبعد الولادة، وفحص الكشف عن فيروس نقص المناعة المكتسب (الإيدز) ومرض الزهري لمنع انتقاله من الأم إلى الجنين، والفحص الطبي قبل الزواج، ووجود برامج وطنية نشطة للكشف المُبكر عن سرطان الثدي، واستمرار الجهود لتوسيع نطاقها لضمان التشخيص في المراحل الأولى. إلى جانب إدراج برامج الكشف المبكر عن سرطان عنق الرحم بهدف رفع معدلات التغطية وزيادة الفحص الدوري للنساء ضمن الفئة العمرية المستهدفة، بما يُسهم في خفض الحالات بنسبة تصل إلى 95% من خلال التشخيص المبكر والتدخل العلاجي قبل تطور المرض إلى مراحل متقدمة. ونولي اهتمامًا كذلك بسجل صحة الطفل؛ حيث يجري التركيز من خلال الزيارات الروتينية للطفل على متابعة جوانب النمو الشامل في مرحلة الطفولة المبكرة، بما يشمل النمو الجسدي، واللغوي، والمعرفي، والاجتماعي، والانفعالي. إلى جانب تنفيذ مجموعة من الفحوصات المجتمعية، مثل فحص المواليد الجدد فحصًا إكلينيكيًا شاملًا للتقصي عن أية عيوب خلقية أو أمراض وراثية، وفحص السمع، والفحص الموسع لحديثي الولادة، ودعم الرضاعة الطبيعية الخالصة، المتابعة الدورية للطفل في المؤسسات الصحية من عمر أسبوعين إلى عمر 5 سنوات، وفحص الكشف المبكر عن اضطرابات طيف التوحد والاضطرابات النمائية الأخرى من عمر 18 شهرًا و24 شهرًا، وفحص الأنيميا، وتقييم النمو العقلي النمائي للأطفال، والفحص الطبي المدرسي قبل دخول المدرسة. ونؤكد أن تعزيز الكشف المبكر المبني على المخاطر والأدلة، وربطه بمسارات واضحة للتشخيص والمتابعة والعلاج، يهدف إلى علاج المرض بصورة أكثر أمانًا، وبناء رحلة صحية أكثر أمانًا تبدأ قبل حدوث المرض. ومن هنا نستطيع القول إن المنظومة الصحية في عُمان استطاعت الانتقال بثقة ونجاح من نموذج يعتمد بدرجة أكبر على علاج المرض إلى نموذج يجعل الوقاية والكشف المبكر أساسًا راسخًا للمنظومة الصحية، في تحول يعكس طموحًا استراتيجيًا، ويرسم مسارًا عمليًا يتحقق فعليًا عبر برامج مركز مراقبة الأمراض والوقاية منها، التي حولت الوقاية من مفهوم نظري إلى منظومة متكاملة ذات نتائج ملموسة. الإنفاق الصحي يمثل تحديًا مستمرًا، خاصة مع ارتفاع تكلفة التقنيات والأدوية والعلاجات الحديثة.. ما الإجراءات التي تتخذها الوزارة لتحقيق الاستدامة المالية للنظام الصحي دون التأثير على جودة الخدمات؟ يُشكِّل الإنفاق الصحي عبئًا وتحديًا رئيسيًا تُواجهه مختلف دول العالم، بما فيها البلدان المتقدمة؛ وذلك نتيجة الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة والموارد المحدودة (المالية، والبشرية، واللوجستية). وسلطنة عُمان ليست بمنأى عن هذه التحديات العالمية؛ إذ تشهد ضغوطًا متزايدة ناتجة عن ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة، والتحولات الديموغرافية المتمثلة في زيادة عدد السكان وأيضا زيادة عدد كبار السن وما تتطلبه هذه الفئة من ارتفاع في تكاليف تقديم الرعاية الصحية . لذا بات من الضروري ابتكار حلول تمويلية مستدامة، والبحث عن مصادر بديلة لدعم القطاع الصحي، بالتوازي مع رفع كفاءة التشغيل والاستغلال الأمثل للموارد المتاحة، لضمان استدامة تمويل النظام الصحي دون التأثير على جودة الرعاية المقدمة للمواطنين. ويُعد تمويل القطاع الصحي في سلطنة عُمان ركيزة أساسية من ركائز السياسة الاجتماعية للدولة؛ إذ يعتمد تمويل النظام الصحي في سلطنة عُمان بدرجة أساسية على الإنفاق الحكومي، الذي يُقدّر بنحو 80% من إجمالي الإنفاق الصحي. ولهذا أولت وزارة الصحة خلال السنوات الماضية اهتمامًا متزايدًا بملف بدائل التمويل، وتعاملت معه باعتباره مسارًا استراتيجيًا طويل الأمد، وليس مجرد حلول مؤقتة أو استجابات ظرفية. وفي هذا الإطار، عملت الوزارة، بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، على دراسة واستكشاف مصادر بديلة لتمويل النظام الصحي، من أبرزها: استمرار الدعم الحكومي كداعم رئيسي وضامن أساسي لاستدامة تمويل النظام الصحي والشراكة مع القطاع الخاص، كما أولت الوزارة في الوقت نفسه اهتمامًا برفع كفاءة الإنفاق، وحسن استغلال الموارد وتوجيهها بالشكل الأمثل نحو البرامج والأنشطة ذات الأولوية. وفيما يتعلق بالأدوية باهظة الثمن وأدوية الأمراض النادرة، فإنَّ طبيعة هذه العلاجات تتطلب نهجًا أكثر تكاملًا يربط بين الجوانب التنظيمية والتسعيرية والقيمة العلاجية والحاجة الفعلية والبدائل المتاحة والأثر المالي، بما يدعم اتخاذ قرارات أكثر كفاءة واستدامة. كيف تنظرون إلى الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص في القطاع الصحي؟ وهل هناك مجالات ترون أن القطاع الخاص قادر على تقديمها بكفاءة أكبر بما يخفف الضغط عن المؤسسات الحكومية؟ تنظر وزارة الصحة إلى الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص باعتبارها خيارًا استراتيجيًا لا حلًا مرحليًا؛ فهي أداة محورية لتطوير البنية الصحية واستقطاب الخبرات والاستثمارات النوعية، بما ينعكس إيجابًا على جودة الخدمات المقدمة للمستفيدين واستدامة المنظومة الصحية الوطنية ككل. وقد حرصنا في الوزارة على اعتماد نماذج تعاقدية مرنة تراعي الخصوصية الاقتصادية والتنظيمية لسلطنة عُمان؛ بما يتيح الاستفادة من كفاءة القطاع الخاص ونقل المعرفة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على دور الوزارة الرقابية والتنظيمية الضامنة لجودة الخدمة وسلامة المرضى. وتترجم هذه الرؤية عمليًا عبر عدد من مشاريع الشراكة القائمة والجاري تنفيذها، من أبرزها مشروع مركز التعافي بصحار بمحافظة شمال الباطنة، بقيمة استثمارية تناهز 29 مليون ريال عُماني، والذي بدأ استقبال المستفيدين في ديسمبر 2025 بموجب عقد شراكة استراتيجية مدته 12 عامًا. كما نعمل على مشروع الغرف الخاصة بالمستشفى السلطاني، بنظام البناء والتملك والتشغيل والنقل، ليضم نحو 96 غرفة توفر بيئة علاجية أكثر خصوصية وراحة للمرضى. وفي مجال التقنيات الصحية، وقّعت الوزارة اتفاقية مع مجموعة إذكاء لتطوير نظام المعلومات الصحية "الشفاء" وتعزيز منظومة الرعاية الصحية عبر أحدث الحلول الرقمية، على أن يتم ذلك من خلال كيان جديد مخصص لتنفيذ مشاريع الصحة الرقمية وفق نموذج تجاري مستدام. ومن المشاريع النوعية أيضًا مشروع مصنع النظائر المشعة والصيدلية النووية، الذي حظي بموافقة مجلس الوزراء، ويتضمن إنشاء معجّل نووي جديد بطاقة إنتاجية تغطي الاحتياج الفعلي للسلطنة وتتجاوزه. ملف الكوادر الطبية العُمانية يظل من أبرز ملفات القطاع الصحي.. أين وصلت جهود بناء تخصصات طبية دقيقة، وتقليل الاعتماد على الكفاءات الوافدة، والاحتفاظ بالكفاءات العُمانية داخل النظام الصحي؟ حققت السلطنة تقدمًا مُهمًا في بناء الكوادر الوطنية، ولكننا ندرك أن هناك تخصصات دقيقة ونادرة تحتاج إلى مزيد من الاستثمار والتخطيط طويل المدى. ولذلك لا ننظر إلى التعمين باعتباره مجرد إحلال وظيفي، وإنما هو بناء منظومة متكاملة لتأهيل الكفاءة الوطنية والمحافظة عليها، وهذا الأمر يبدأ من التخطيط للاحتياجات المستقبلية، ثم الابتعاث والتدريب والتخصص الدقيق، ثم توفير بيئة عمل محفزة، ومسارات مهنية واضحة، وفرص للتطوير والبحث والابتكار والقيادة. كما أن استبقاء الكفاءات الوطنية لا يعتمد فقط على الجانب المالي، وإنما يرتبط أيضا ببيئة العمل، والتقدير المهني، وفرص التطور، والمشاركة في صناعة القرار. وقد قطعنا شوطًا مهمًا في بناء الكفاءات الوطنية، وتبلغ نسبة التعمين الإجمالية بوزارة الصحة حاليًا في عام 2025 نحو 71.4%، بينما تشير نسب التعمين التفصيلية إلى أنها وصلت في مهن الأطباء لنحو 50.4%، وفي التمريض 59.4%، وفي المهن الطبية المساعدة 76%، وفي الصيدلة والهندسة الطبية الحيوية 97.7%، وفي مهن المساعدين الصحيين والمضمدين 100%، أما في الفئات الإدارية والمالية وغيرها فقد بلغت نسب التعمين 99.8%. والأولوية الحقيقية لدينا للمستقبل تتمثل في العمل على زيادة الكفاءات الوطنية في الطب والتمريض والتخصصات السريرية الدقيقة والنادرة التي تتطلب سنوات طويلة من التعليم والتخصص والخبرة. ولذلك نعمل مع شركائنا بالوحدات الحكومية ذات العلاقة على ربط التدريب والابتعاث وبرامج التخصص بالتوقعات المستقبلية للاحتياج، مع الاستمرار في الاستقطاب والتوظيف وفق الأولويات. أما الكفاءات غير العُمانية فستظل شريكًا مهمًا في بعض التخصصات الدقيقة والنادرة متى ما اقتضت حاجة النظام ذلك، بالتوازي مع إعداد البديل الوطني بصورة تدريجية ومدروسة. الأدوية والمستلزمات الطبية أصبحت جزءًا من منظومة الأمن القومي، خصوصًا بعد ما أظهرته الأزمات العالمية من هشاشة سلاسل الإمداد.. إلى أي مدى أصبحت عُمان قادرة على تأمين احتياجاتها الدوائية والطبية؟ نعم بالفعل، الأمن الدوائي أصبح جزءًا من الأمن القومي واستمرار العلاج خلال الأزمات يعتمد على قدرة الدولة على تحمّل اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية. وتعمل وزارة الصحة على بناء هذه المرونة من خلال الإدارة الرشيدة الاحتياطيات الاستراتيجية، وتنويع مصادر الإمداد، وتقليل الاعتماد على مصدر خارجي واحد. كما تتجه الجهود نحو توطين صناعات الأدوية والمستلزمات الطبية ذات الأولوية الاستراتيجية، وليس مجرد زيادة عدد المصانع المحلية. ونهدف من رواء ذلك إلى بناء السيادة الصيدلانية المستدامة؛ بما في ذلك نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات المتقدمة والمواد الخام، لضمان استمرار الرعاية الصحية في الأوقات الطبيعية والأزمات. وبلغ إجمالي المصانع الطبية القائمة في السلطنة 20 مصنعًا، موزعة بين 7 مصانع للأدوية، ومصنعين للمواد الخام الدوائية، و11 مصنعًا للمستلزمات الطبية، وينتج عنها نحو 2000 منتج متنوع، يتم تصدير جزء منها إلى أكثر من 32 دولة حول العالم. ورغم ذلك، تُشكِّل نسبة الاكتفاء المحلي الحالية نحو 7-8% من إجمالي احتياجات السوق الوطني؛ مما يعكس استمرار الاعتماد الكبير على الاستيراد في المرحلة الراهنة. لكننا في المقابل، نعمل على تنفيذ ما يقارب 18 مشروعًا صناعيًا جديدًا، تشمل 11 مصنعًا للأدوية، و6 مصانع للمستلزمات الطبية، ومصنعًا واحدًا للمواد الخام الدوائية، ومن المتوقع أن تسهم هذه المشاريع، عند اكتمالها، في رفع نسبة الاكتفاء الذاتي إلى نحو 30% خلال السنوات العشر المقبلة، وهو ما يمثل نقلة نوعية في مسار الأمن الدوائي الوطني. متى يستطيع المواطن الوصول إلى منظومة صحية رقمية متكاملة تشمل الربط بين مختلف المؤسسات؟ وزارة الصحة تعمل بالتكامل مع مختلف المؤسسات الصحية، وقد قطعت شوطًا لاستكمال الملف الصحي الوطني الموحد، استنادًا إلى السياسة الوطنية لحوكمة وإدارة المعلومات الصحية، والتي تمثل العمود الفقري للمنظومة الصحية الرقمية المتكاملة. والهدف من هذا أن يستفيد المواطن والمقيم من منظومة صحية ورقمية متكاملة بحيث تصبح جميع بياناته الطبية متاحه بشكل آمن ومشفر للمؤسسات الصحية الحكومية والخاصة عبر منصة مركزية واحدة دون تكرار الفحوصات والإجراءات، بما يختصر الوقت واتخاذ القرار ويسرع عملية التشخيص والعلاج، كما أنه يتيح متابعة حالة المريض الطبية عند انتقاله بين المؤسسات الصحية. وهذا يعني أن الطبيب، عندما يتعامل مع المريض، يمكنه الاطلاع على تاريخه الطبي والفحوصات والإجراءات العلاجية السابقة، وهو ما يدعم اتخاذ القرار الطبي، ويسهم في الحد من تكرار الفحوصات والإجراءات التي لا تستدعي الحاجة إلى إعادتها، كما يختصر الوقت والجهد على المريض ويرفع من كفاءة استخدام الموارد الصحية. كما تعمل الوزارة على رقمنة إجراءات تسجيل الأدوية وتقييم الملفات التنظيمية وتطوير أنظمة التقديم الإلكتروني للملفات، إلى جانب توظيف الذكاء الاصطناعي في عدد من المجالات التي يمكن أن تحدث أثرا مباشرا في صحة المواطن، خصوصًا في الكشف المبكر والوقاية ودعم التشخيص. ومن الأمثلة على ذلك استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الكشف المبكر عن اعتلال شبكية العين لدى مرضى السكري، من خلال تحليل صور قاع العين الرقمية، بما يساعد على اكتشاف التغيرات المرضية في مراحل مبكرة، وتحديد الحالات التي تحتاج إلى تقييم أو متابعة متخصصة، الأمر الذي يسهم في التدخل المبكر والحد من مضاعفات المرض والحفاظ على البصر. الانتقال الآمن للبيانات الصحية لا يقتصر على المريض فقط؛ بل يجب أن يشمل المُعالج أيضًا.. ما الخطوات التي اتخذتها الوزارة في هذا الشأن؟ تعمل المديرية العامة للموارد البشرية بوزارة الصحة في الوقت الحالي على تطوير بنية رقمية تشمل ملف الموظف وصولًا إلى قاعدة بيانات أكثر تكاملًا للقوى العاملة، ومختلف الإجراءات التي تتعلق بالتعامل مع مختلف الشؤون المتعلقة بالموارد البشرية في وزارة الصحة. وفي الموارد البشرية نعمل على بناء منظومة رقمية أكثر تكاملًا تشمل بيانات الموظف، والشواغر، والتنبؤ بفجوات القوى العاملة، وتحليل الاحتياج، وتحديد أنماط النقص والتسرب، ودعم قرارات التدريب والتوزيع؛ حيث إن الغاية الأسمى لدينا ليست رقمنة الإجراء القديم فقط، وإنما إعادة تصميمه ليصبح أسرع وأكثر تكاملًا وشفافية، بحيث ينعكس ذلك في النهاية على تجربة المواطن وجودة الخدمة. كيف تضمن الوزارة حماية خصوصية البيانات الصحية للمواطنين؟ خصوصية المريض وأمن بياناته الصحية خط أحمر لا يُمكن المساس به، وقد نظمت السياسة الوطنية لحوكمة وإدارة المعلومات الصحية هذا الجانب؛ بما يضمن أعلى درجات الأمن والخصوصية للبيانات في جميع المؤسسات الصحية على المستوى الوطني، مع وضع سياج أمني وقانوني صارم حول الخصوصية وأمن وتشفير البيانات. وقد عمدت الوزارة على إنشاء قسم مختص لحوكمة وإدارة المعلومات الصحية يعني بمتابعة حماية وخصوصية البيانات الصحية، يقوم بدور كبير في هذا الجانب، كما تم تشكيل فريق لحوكمة وإدارة البيانات الصحية يقوم بزيارة المؤسسات الصحية الحكومية والخاصة لمتابعة مدى التزام المؤسسات من تطبيق بنود السياسات والقوانين ذات الأطر الوطنية والعالمية لسرية وخصوصية البيانات الصحية، كما يقوم برصد اي ملاحظات قد يجدها والتعامل معها على الفور. ويأتي كل ذلك ضمن منظومة متكاملة لحوكمة البيانات الصحية وحمايتها، تشمل ضوابط أمن المعلومات، وإدارة صلاحيات الوصول، والرقابة على استخدام البيانات، بما يضمن عدم الاطلاع على المعلومات الصحية إلا من قبل الممارسين الصحيين المخولين، ووفقًا لطبيعة عملهم والصلاحيات الممنوحة لهم والحاجة الفعلية إلى هذه المعلومات. ومن المهم التأكيد على أن وجود الملف الصحي الإلكتروني لا يعني أن جميع المعلومات الصحية متاحة لجميع العاملين في القطاع الصحي، وإنما يتم الوصول إليها وفق صلاحيات وضوابط محددة، وبما يتناسب مع الدور المهني والحاجة الطبية. ما خطة الوزارة لدعم تحقيق "اللامركزية" وضمان وصول جميع الخدمات الصحية إلى المحافظات لتحقيق "العدالة الصحية"؟ العدالة الصحية لا تعني أن تكون جميع الخدمات وجميع التخصصات متطابقة في كل محافظة؛ وإنما تعني أن يحصل المواطن على الخدمة التي يحتاج إليها في المستوى والمكان المناسبين؛ إذ ليس من المنطقي أن تمتلك كل محافظة العدد نفسه من الأطباء أو جميع التخصصات، لأنَّ عدد السكان والعبء المرضي وحجم المؤسسات وطبيعة الخدمات والمسافات تختلف، ولذلك فإن المؤشر الصحيح هو مدى توافق الموارد مع الاحتياج الفعلي ومستوى الخدمة المطلوب. وهذا التساؤل يمسّ فعلًا أحد التحديات الجوهرية التي حدّدها تحليلنا الدقيق للوضع الراهن، وقد خصصنا له مسارًا واضحًا ضمن الأهداف الاستراتيجية للخطة الخمسية الحادية عشرة، وتحديدًا في الهدف الثاني: "نظام صحي لا مركزي، عادل، شفاف ومسؤول". ومن نعمل على عدة مُستهدفات: أولًا: تعزيز اللامركزية الصحية الفعلية؛ حيث رصدنا أن تطبيق نماذج اللامركزية يحتاج إلى توزيع الأدوار بين المستوى المركزي والمحافظات، وإلى الحاجة إلى تطوير المهارات القيادية على مستوى المديريات العامة للخدمات الصحية بالمحافظات، ولذلك يتضمن "برنامج تطوير حوكمة النظام الصحي" مسارًا مخصصًا هو "برنامج تعزيز منظومة اللامركزية"، يهدف إلى إعادة توزيع الصلاحيات والمسؤوليات بوضوح، مصحوبًا ببرامج تأهيل وتطوير القيادات الصحية في المحافظات. ثانيًا: توسيع الخدمات التخصصية في المحافظات نفسها؛ إذ إنَّنا ضمن "برنامج تعزيز التغطية الصحية الشاملة"، رصدنا مسارًا صريحًا لتوسيع نطاق الخدمات التخصصية في مستشفيات المحافظات، عبر إدخال تقنيات تشخيصية حديثة، وخدمات إعاقة وتأهيل، وأطراف صناعية وأدوات مساندة، بما يقلل الحاجة إلى الإحالة إلى مسقط. كما نعمل على إنشاء مراكز تميّز تخصصية تُبنى وفق الاحتياج الفعلي لكل محافظة. ثالثًا: الصحة الافتراضية والتطبيب عن بُعد، فقد أدرجنا "برنامج خدمات الصحة الافتراضية" ضمن الخطة، ويشمل التوسع في العيادات الافتراضية، وخدمات الاستشارات المشتركة بين المحافظات والمستشفيات المرجعية في مسقط، إضافة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لدعم القرار الطبي عن بُعد، بما يقتصر معه السفر على الحالات التي تستدعي تدخلًا علاجيًا فعليًا. رابعًا: سدّ فجوة البنية الأساسية الرقمية بين المحافظات؛ حيث حدّدنا هذا التفاوت كمخاطرة صريحة ضمن خطة إدارة المخاطر المرافقة للخطة، واستجابتنا هي تسريع تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للصحة الرقمية مع توجيه الاستثمار نحو المناطق الأقل تغطية بحسب الفجوة الفعلية. خامسًا: الشراكة مع القطاع الخاص جغرافيًا؛ فمن خلال "برنامج تطوير الرعاية الصحية في القطاع الخاص"، نسعى لتحفيز استثمارات القطاع الخاص في المحافظات وليس حصرًا في العاصمة، عبر أطر تخطيط وحوافز واضحة تراعي التوزيع الجغرافي للخدمة. وسنقيس نجاح هذا المسار عبر مؤشرات أداء محددة ترتبط مباشرة بمعدلات التحويل من المحافظات إلى مسقط، ونسبة رضا المستفيدين في كل محافظة، ومدى التوسع في نطاق الخدمات التخصصية المتوفرة محليًا. ولكي تتحقق العدالة الصحية؛ فهناك مجموعة من الأدوات التي يجب توفرها، وهي: ربط التعيينات الجديدة بالاحتياج الفعلي، إعادة توزيع بعض الموارد عند وجود تفاوتات واضحة، ربط توزيع مخرجات البرامج التخصصية من الأطباء بأولوية الاحتياج بالمحافظات، مراجعة موازنة الوظائف والشواغر وآلية التعامل معها وفق احتياجات المؤسسات الصحية من التخصصات الصحية والإدارية، استخدام منهجيات قائمة على عبء العمل والطلب على الخدمة. عُمان تسعى إلى بناء منظومة صحية بمعايير عالمية؛ فهل نتَّجه مستقبلًا إلى إنشاء مراكز إقليمية متخصصة تستقطب المرضى من خارج السلطنة؟ نعم، هذا أحد المسارات التي يمكن أن تحمل فرصًا كبيرة للسلطنة، ولكننا نتعامل معه بمنهج واقعي ومدروس. فنحن لدينا إمكانات وكفاءات وخبرات يمكن تطويرها في بعض المجالات التخصصية لتصبح مراكز مرجعية، ليس فقط لخدمة المواطنين والمقيمين، وإنما للاستفادة من موقع السلطنة وقدراتها في استقطاب المرضى من المنطقة متى توافرت مقومات التنافس والجودة، ولكننا لا نريد أن نبدأ من مفهوم السياحة العلاجية قبل بناء التميز الطبي الحقيقي. والترتيب الصحيح هو: جودة عالية، وتخصصات دقيقة، واعتماد دولي، وكوادر متميزة، وتقنيات حديثة، وتجربة مريض متقدمة، ثم يأتي استقطاب المرضى من خارج السلطنة كامتداد طبيعي لهذا التميز، وهذا يمكن أن يحول الصحة من مجرد قطاع خدمي إلى قطاع معرفي واستثماري واقتصادي ونحن اليوم نستثمر في إيجاد منظومة صحية بمعايير عالمية وكوادر متميزة، إضافة إلى فرص استثمارية نطرحها حاليًا عبر منصة "استثمر في عُمان"، مثل مركز الكشف المبكر عن الأمراض ومستشفى متخصص لخدمات إعادة التأهيل. أما المرحلة الثانية، فتتمثل في تحويل هذه المؤسسات إلى وجهة إقليمية بمفهومها الاستثماري الكامل، فأرى أنها رهينة بملفين لا يمكن تجاوزهما: تنظيم قطاع التأمين الصحي بصورة أوضح وأشمل، ووضوح تام في آليات تسعير الخدمات الصحية. وهذان الملفان تحديدًا هما ما يفصل بين رغبتنا في السياحة العلاجية وبين تحقيقها فعليًا على أرض الواقع، لأنَّ أي مستثمر أو مريض قادم من الخارج يحتاج إلى منظومة تسعير وتأمين واضحة ومستقرة يبني عليها قراره. بعد تنفيذ الخطة الخمسية الحالية.. ما التغيير الأكبر الذي تطمحون أن يلمسه المواطن في المنظومة الصحية؟ أطمح أن يلمس المواطن منظومة صحية أكثر سهولة، وأسرع استجابة، وأكثر عدالة، وأعلى جودة، وأكثر اعتمادًا على الوقاية والكشف المبكر، وأقل حاجة إلى التنقل أو تكرار الفحوصات والإجراءات، وأريد أن يشعر المواطن أن التكنولوجيا أصبحت في خدمته وليس عبئًا إضافيًا عليه. والمؤشر الأهم في النهاية ليس عدد المستشفيات أو الأجهزة أو الزيارات، وإنما تحسُّن صحة الإنسان العُماني وجودة حياته وثقته في النظام الصحي؛ لأن الإصلاح الصحي الحقيقي لا يحدث بقرار واحد أو مشروع واحد؛ بل هو رحلة مستمرة، هدفها في نهاية المطاف أن يحصل كل مواطن ومُقيم في سلطنة عُمان على رعاية صحية آمنة وعالية الجودة، في الوقت والمكان المناسبين.
المصدر: الرؤية