غرب ليبيا يعوّل على دور القاهرة في احتواء الانقسام
تجمع زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى العاصمة الليبية طرابلس، السبت، بين توسيع التعاون، وفتح قنوات للتشاور السياسي؛ في وقت تراهن فيه حكومة الوحدة «المؤقتة» على دور مصري يساعد في احتواء الانقسام الليبي. وينظر مراقبون باهتمام بالغ إلى الزيارة، التي جاءت للمشاركة في أعمال الدورة الثانية والعشرين للمجلس التنفيذي لتجمع دول الساحل والصحراء، بوصفها الأولى لوزير خارجية مصري منذ 5 سنوات، حيث أجرى عبد العاطي محادثات مع رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة، لقيت اهتماماً من وسائل إعلام محلية في غرب البلاد وشرقها. وحسب حكومة «الوحدة»، ركز اللقاء على توسيع آفاق الشراكة المصرية - الليبية، وتعزيز التشاور السياسي، بما يعكس رغبة طرابلس في الاستفادة من علاقات القاهرة مع مختلف الأطراف الليبية، ودعم المساعي الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين معسكري الشرق والغرب الليبيين. وعلى هامش اللقاء، وقّع الجانبان مذكرة تفاهم للتعاون في المجال الصحي، بحضور وزير الصحة الليبي محمد الغوج ووزير الخارجية المصري. وتستهدف المذكرة تبادل الخبرات والإمكانات، وتوسيع الشراكة بين المؤسسات الصحية، بما يسهم في تطوير الخدمات الطبية، وتحسين مستوى الرعاية الصحية. ولم تقتصر رسائل طرابلس على التعاون القطاعي؛ إذ أبدى الدبيبة انفتاحاً على دور مصري في معالجة الأزمة السياسية، مؤكداً أن «حكومته تعوّل على علاقاتها بالقاهرة في دعم وحدة البلاد»، في ظل استمرار الانقسام بين سلطتين تنفيذيتين في الشرق والغرب الليبيين. وفي تصريحات نقلتها قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، السبت، قال الدبيبة: «نعول على أصدقائنا وجيراننا وفي مقدمتهم مصر لدعم وحدة ليبيا»، مضيفاً: «لا نمانع أي تدخل إيجابي يصب في مصلحة ليبيا وشعبها»، كما أشار إلى جهود أممية ودولية تشارك فيها القاهرة لدعم المصالحة. وتزامنت هذه الرسائل مع افتتاح عبد العاطي مقر السفارة المصرية في طرابلس، في خطوة تحمل دلالة دبلوماسية على مستوى التواصل المباشر بين البلدين. ويأتي ذلك بعد سنوات من تعطل الخدمات القنصلية، رغم استئناف البعثة الدبلوماسية نشاطها في العاصمة عام 2021. وتعود آخر زيارة معلنة لوزير خارجية مصري إلى طرابلس قبل زيارة عبد العاطي إلى 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، حين شارك الوزير السابق سامح شكري في مؤتمر «دعم استقرار ليبيا»، والتقى مسؤولين، في تحرك ارتبط آنذاك بدعم المسار السياسي وإجراء الانتخابات. ويرى المحلل السياسي حسام فنيش أن «الزيارة تمثل نقلة في مسار العلاقات بين القاهرة وطرابلس»، مبرزاً أنها «تبعث برسالة إلى الليبيين، مفادها أن مصر تسعى إلى بناء شراكة مع مختلف الأطراف، لا حصر علاقاتها في طرف سياسي أو جغرافي واحد بعينه». تاريخياً، ارتبطت القاهرة بعلاقات وثيقة مع الجيش الوطني الليبي في شرق البلاد، بقيادة المشير خليفة حفتر، منذ إطلاق عملياته العسكرية عام 2014 ضد الجماعات المتطرفة، غير أن اتصالات مصر مع غرب ليبيا شهدت بدورها توسعاً خلال العامين الأخيرين، عبر لقاءات سياسية وأمنية متعددة. وفي هذا السياق، استضافت القاهرة أخيراً اجتماعاً ضم قيادات عسكرية وممثلين عن تشكيلات مسلحة من غرب ليبيا، كما استقبل رئيس المخابرات المصرية، حسن رشاد، نائب وزير الدفاع بحكومة «الوحدة» عبد السلام الزوبي ضمن اتصالات، شملت ملفات أمنية وعسكرية. ويرى وزير الخارجية المصري الأسبق، عضو مجلس الشيوخ محمد العرابي، أن زيارة عبد العاطي تندرج في إطار تحركات القاهرة لتقريب وجهات النظر بين شرق ليبيا وغربها، وصولاً إلى توحيد مؤسسات الدولة، في ظل استمرار الانقسام السياسي القائم. وقال العرابي لـ«الشرق الأوسط» إن التحرك المصري يتكامل مع جهود الأمم المتحدة والمبادرات الدولية لتسوية الأزمة، مشيراً إلى أهمية آلية دول الجوار التي تضم مصر وتونس والجزائر، في دعم التوافق بين الأطراف الليبية، ودفع العملية السياسية قدماً فعلياً وبصورة ملموسة. وربط العرابي هذا الاهتمام باعتبارات الأمن القومي المصري، قائلاً إن «القاهرة تتحرك انطلاقاً من حرصها على استقرار ليبيا، بوصفه جزءاً من أمنها القومي، إلى جانب العمل على الحد من التدخلات الأجنبية، ودعم تسوية تحفظ وحدة البلاد، ومؤسساتها الوطنية الموحدة المستقرة». ولم يغب ملف ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا عن محادثات الزيارة، بعد موافقة مجلس النواب الليبي أخيراً على مذكرة التفاهم، الموقعة بين طرابلس وأنقرة عام 2019، وهي خطوة أثارت اعتراضات مصرية ويونانية وقبرصية وأوروبية في وقت سابق من جانب القاهرة. وأعلن الدبيبة أن «اللجنة المشتركة الليبية - المصرية» ستجتمع لمناقشة ملف الحدود البحرية، وقال بهذا الخصوص: «من يمتلك خرائط يقدمها، وهذا أمر صحي أن نتحاور ونتناقش، أما القرارات الفردية والتعنت فلن يصل بنا إلى أي نتيجة تخدم مصالح البلدين المشتركة». ويشير العرابي إلى أن القاهرة لديها رؤى بشأن تداعيات الخطوة البرلمانية الليبية، لافتاً إلى أن «حكومة الدبيبة أبدت تفهماً للشواغل المصرية، بما يتيح مناقشة الملف عبر القنوات المشتركة، بدلاً من ترك الخلافات تتسع في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية المتداخلة والمعنية». وانتهى وزير الخارجية المصري الأسبق إلى وصف ملف الحدود البحرية بأنه «متشعب»، لارتباطه بالحضور التركي في ليبيا، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، لكنه تحدث عن «وجود إرادة سياسية لمعالجة الخلافات، بما يحفظ المصالح المصرية والليبية، ويفتح المجال أمام تفاهمات أوسع مستقبلاً بين البلدين».
المصدر: الشرق الأوسط