باوو ستيل الصينية… تفاصيل عملاق صناعي في مفاوضات مع الجزائر!
المجموعة ضمن الأحسن في العالم بـ6 ملايين طن من الصلب سنويّا توظيف أحدث التكنولوجيا المتطورة ورهان على الصناعة الخضراء تراهن مجموعة “باوو ستيل” الصينية، إحدى أكبر المجموعات العالمية في صناعة الحديد والصلب، على توظيف أحدث التكنولوجيات الصناعية لتطوير إنتاج الصلب وخفض بصمته الكربونية، من خلال اعتماد تقنيات الاختزال المباشر للحديد، وإنتاج الصلب منخفض الكربون، وهي تقنيات باتت تشكل جزءا من خبرتها الصناعية ومشاريعها عبر العالم، حسبما أكده مسؤولو المجموعة لـ”الشروق”، وتكتسب هذه الخبرة أهمية خاصة في ضوء المفاوضات التي أعلنت عنها وزارة الصناعة الجزائرية، شهر أوت الماضي، مع العملاق الصيني، في إطار بحث آفاق التعاون الصناعي، وما قد يتيحه هذا التعاون مستقبلا من فرص لتحديث صناعة الحديد والصلب في الجزائر، وعلى رأسها مركب الحجار، وتعزيز قدراته الإنتاجية والتكنولوجية، بما يستجيب لمتطلبات التنافسية والتحول نحو صناعة أقل تلويثا للبيئة. وتعد مجموعة باوو ستيل للحديد والصلب، التابعة لمجموعة “تشاينا باوو”، من أبرز الأقطاب الصناعية العالمية في مجال إنتاج الصلب، بفضل إمكاناتها الإنتاجية الضخمة وخبرتها التكنولوجية المتقدمة، التي جعلتها نموذجا للصناعة الثقيلة الحديثة، وتجمع المجموعة بين الإنتاج الصناعي والتصنيع الذكي والابتكار التكنولوجي، مع توجه متزايد نحو حماية البيئة وتقليص الانبعاثات الكربونية. وتمثل قاعدة باوشان بمدينة شنغهاي الصينية إحدى أهم منشآت المجموعة الصناعية والتاريخية، باعتبارها الموقع الذي انطلقت منه مسيرة باوو، قبل أن تتحول إلى نموذج للمصانع الحديثة التي تجمع بين الإنتاج والتكنولوجيا والبيئة. وفي زيارة ميدانية لـ”الشروق” إلى مقر الشركة بقاعدة باوشان في مدينة شنغهاي الصينية، وقفنا على حجم الإمكانات الصناعية والتكنولوجية التي تتوفر عليها هذه المؤسسة، التي يرتقب أن تكون طرفا في مشروع التعاون الصناعي الرامي إلى إعادة تأهيل وتطوير مركب الحجار بعنابة، في إطار الشراكة المقترحة مع الشركة الوطنية للحديد والصلب “أس أن أس”، وبمرافقة مجمع سوناطراك. عرض باوو ستيل التاريخي يروي مسيرة المجموعة مع الإصلاح والانفتاح ولا تبدو قاعدة باوشان مجرد مصنع تقليدي لإنتاج الحديد والصلب وفق الشروحات التي تلقيناها هناك، بل فضاء صناعيا متكاملا يجمع بين التاريخ والتكنولوجيا والبيئة، حيث تقدم المؤسسة هويتها من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية، تتمثل في “الذاكرة الحمراء” التي تستحضر تاريخها ومراحل تطورها، و”البيئة الخضراء” التي تعكس اهتمامها بالمحيط الطبيعي، إلى جانب “التصنيع الذكي الأزرق” الذي يبرز اعتماد التكنولوجيا والرقمنة والذكاء الاصطناعي في النشاط الصناعي. وتضم القاعدة فضاءات مخصصة للسياحة الصناعية، من بينها عرض تاريخي يستعرض مسيرة باوو وتطورها بالتزامن مع مرحلة الإصلاح والانفتاح الاقتصادي في الصين. كما تحتضن حديقة باوو الصناعية للإبداع المشترك، المعروفة باسم “حديقة شنغهاي باوو للصلب”، والتي تحمل شعار “من باوو”، وتتضمن خريطة إرشادية تسمح للزوار بالتعرف على مختلف الفضاءات الصناعية والبيئية والسياحية. واللافت خلال الزيارة هو حضور المساحات الخضراء داخل المحيط الصناعي، حيث تضم حديقة الحيوانات أنواعا من الغزلان الصينية المنقطة والطواويس، في صورة تعكس حرص المؤسسة على تحقيق الانسجام بين النشاط الصناعي والطبيعة، وعدم حصر دور المنشأة في الإنتاج وحده، وإنما تحويلها أيضا إلى فضاء يجمع بين الصناعة والبيئة والسياحة. أنابيب النفط والغاز والسيارات والحاويات… منتجات في صناعات حيوية ومن أبرز المنشآت التي استقطبت الاهتمام خلال الزيارة خط الدرفلة الساخنة رقم 2050، المعروف داخل المؤسسة باسم “الخط الذهبي” و”الخط الصاخب”، والذي يمثل أحد أهم الأقطاب الإنتاجية بقاعدة باوشان. وقد دخل هذا الخط حيز الإنتاج يوم 3 أوت 1989، وهو تاريخ بنائه وتشغيله، ليشكل حينها إنجازا صناعيا مهما باعتباره أول خط متواصل للدرفلة الساخنة في الصين بعرض يتجاوز مترين. وعند إنشائه، قدرت طاقته الإنتاجية بـ4.5 ملايين طن سنويا، غير أنها تجاوزت حاليا ستة ملايين طن سنويا، ما يعكس التطور الذي عرفته هذه المنشأة الصناعية وقدرتها على تلبية احتياجات قطاعات صناعية متعددة. ويختص الخط في إنتاج شرائط الصلب المدرفلة على الساخن، التي تتراوح سماكتها بين 1.2 و25.4 مليمترا، فيما يتراوح عرضها بين 600 و1900 مليمتر. وتوجه هذه المنتجات إلى صناعات استراتيجية، على غرار أنابيب نقل النفط والغاز، وصناعة الآلات والسيارات، والحاويات عالية القوة وأوعية الضغط. ولم تقتصر أهمية منتجات هذا الخط على تلبية الاحتياجات الصناعية، بل ساهم الفولاذ المنتج به في إنجاز مشاريع كبرى بالصين، من بينها ملعب “عش الطائر” ببكين، وجسر هونغ كونغ ـ جوهاي ـ ماكاو، وجسر دونغهاي، وميناء يانغشان للمياه العميقة، وهي مشاريع تعكس طبيعة الاستخدامات الصناعية المتقدمة للفولاذ الذي تنتجه المؤسسة. ويعتمد خط 2050 على تجهيزات صناعية من موردين دوليين وصينيين، من بينهم “أس أم أس إيماغ” و”سيمنس”، إضافة إلى “الشركة الصينية الأولى للصناعات الثقيلة” و”مجموعة الصين الوطنية للصناعات الثقيلة إيرتشونغ”. وتضم المنشأة أربعة أفران لإعادة التسخين من نوع العارضة المتحركة، وآلة لتحجيم الألواح، وأربع وحدات للدرفلة الخشنة، ومقصا طائرا، ونظاما عالي الضغط لإزالة القشور، فضلا عن وحدة تشطيب تتكون من سبعة حوامل للدرفلة وثلاث آلات للف اللفائف. وتبدأ العملية الإنتاجية بإعادة تسخين الكتل الفولاذية، ثم تحجيمها ودرفلتها على مراحل، قبل المرور بوحدات التشطيب من الأولى إلى السابعة، والتبريد، وصولا إلى لف المنتجات النهائية، ضمن سلسلة إنتاجية متكاملة تسمح بالتحكم في مختلف مراحل التصنيع. وتكتسي هذه الزيارة أهمية خاصة بالنظر إلى التطورات المرتبطة بمشروع التعاون بين مجموعة “تشاينا باوو” والجزائر، حيث شهد شهر أوت 2026 لقاءات رسمية مع وزارتي الصناعة والمحروقات، لبحث آفاق تطوير صناعة الحديد والصلب وإعادة تأهيل مركب الحجار. ويتمحور المشروع المقترح حول إنشاء مركب متكامل لإنتاج الحديد المختزل منخفض الكربون والصلب الأخضر، بالشراكة مع الشركة الوطنية للحديد والصلب “أس أن أس”، وبمرافقة مجمع سوناطراك، مع الاستفادة من الموارد الطاقوية الوطنية والتكنولوجيات الحديثة، بما فيها الغاز الطبيعي والطاقات المتجددة وتقنيات إزالة الكربون، إلى جانب تقنيات الاختزال المباشر للحديد، والحديد المقولب الساخن، والهيدروجين الأخضر والرقمنة الصناعية. وفي هذا الإطار، يتمثل دور سوناطراك في تأمين الغاز الطبيعي والمواد البترولية والبتروكيماوية اللازمة للمشروع، بما يسمح بتوفير المدخلات الطاقوية والصناعية الضرورية لتطوير سلسلة إنتاج متكاملة للحديد والصلب، غير أن هذا المشروع لا يزال، وفق المعطيات المقدمة، في مرحلة المشاورات، ولم يصل بعد إلى توقيع عقد استثماري نهائي، في انتظار استكمال التصور التكنولوجي ومشروع مذكرة التفاهم وخارطة الطريق. وتكشف التجربة التي وقفنا عليها بقاعدة باوشان أن الرهان على تطوير مركب الحجار لا ينبغي أن يقتصر على رفع الإنتاج، بل يتطلب تحديث التجهيزات، ونقل التكنولوجيا، وتطوير الكفاءات الجزائرية، والانتقال نحو صناعة صلب تنافسية وأقل تلويثا للبيئة، بما يسمح بإعادة بعث أحد أهم رموز الصناعة الوطنية على أسس صناعية وتكنولوجية حديثة.
المصدر: الشروق