المقاهي الجزائرية… برلمانات مصغرة واستوديوهات للتحليل المباشر
تحولت المقاهي في الجزائر، مع مرور الزمن، إلى ما يشبه البرلمانات الشعبية المفتوحة، واستوديوهات التحليل السياسي والرياضي، وبلاطوهات إعلامية لا تنقطع فيها النقاشات، حيث تختلط السياسة بالرياضة، والشؤون المحلية بالقضايا الدولية، وتتقاطع هموم المواطنين مع أخبار العالم، في مشهد اجتماعي يعكس جانباً مهماً من طبيعة المجتمع الجزائري وثقافة التواصل المباشر. لقد اعتاد العديد من الجزائريين على المرور بالمقاهي لاحتساء فنجان قهوة قبل الالتحاق بالعمل، وآخرون يجدون فيها فرصة للقاء الأصدقاء وتبادل الأحاديث، لكن هناك فئة خاصة من الرجال يحرصون على حجز أماكنهم المعتادة التي ألفوها منذ سنوات، حتى أصبحت جزءاً من برنامجهم اليومي الذي يصعب الاستغناء عنه. وكعينة من هؤلاء بسطيف والعلمة، تبدو هذه الصورة أكثر وضوحاً في المقاهي الشعبية التي تحتفظ بزبائنها الأوفياء، وتستقبل يومياً وجوهاً مألوفة، تجمعها طقوس القهوة ورغبة الحديث والنقاش، حتى وإن اختلفت مستوياتها الثقافية والاجتماعية وتباينت اهتماماتها. في كل ركن منشط ومحلل ومعلق في مقاهي مدينة سطيف، كما في العلمة، لا يحتاج الزائر إلى انتظار نشرة الأخبار لمعرفة ما يشغل الرأي العام، فبمجرد الجلوس إلى إحدى الطاولات، يجد نفسه أمام نشرة إخبارية مفتوحة، تتوزع عناوينها بين أوضاع الأسواق، ومشاكل الأحياء، وقرارات المسؤولين، إلى جانب الملفات السياسية والاقتصادية التي تشغل البلاد. هنا، لكل واحد رأيه وتحليله وموقفه، ولكل قضية أكثر من قراءة، وقد يتحول نقاش عادي حول وضعية طريق أو أزمة نقل إلى جلسة مطوّلة لتشريح أداء المنتخبين المحليين، ومناقشة مسؤوليات المجالس البلدية والولائية، ومدى استجابتها لانشغالات المواطنين. وحاليا، يبقى الحديث الطاغي عن الانتخابات المحلية، وعن الذين انتهت عهدتهم والقادمين الجدد لتسيير الشأن المحلي. وهنا يقول عمي صالح، الذي أدرك عقده السادس والذي التقيناه بمقهى الصوابر بالعلمة، وهو يحتسي قهوته السوداء بتمعن: “السياسة هنا تستخلص من عمق المعاش اليومي، عندما نتحدث عن انتخابات 28 نوفمبر، فنحن لا نناقش شعارات فارغة، بل نبحث عن وجوه قادرة على فك أزمات الطرقات والنظافة، وتهيئة الأحياء. المواطن اليوم أصبح واعيا، والمقهى هو المكان الوحيد الذي يتيح لك أن تواجه المترشح أو مؤيديه بنقد صريح من دون بروتوكولات أو مجاملات”. ولا تتوقف هذه البرلمانات المصغرة عند هذه الحدود، بل تمتد إلى متابعة الأحداث الدولية، من الحروب والتوترات السياسية إلى التحولات الاقتصادية والصراعات الإقليمية، حيث يناقش بعض الرواد التطورات العالمية بحماس المحللين والخبراء، مستندين إلى ما يتابعونه عبر القنوات التلفزيونية والمواقع الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي. وبين رأي يستند إلى المعلومات وآخر تحركه الانطباعات، تتشكل داخل هذه الفضاءات صورة مصغرة عن تعدد الآراء واختلاف القراءات، في جلسات لا تحتاج إلى مقدم برنامج أو ضيوف رسميين، فكل طاولة لها منشطها، وكل زبون قد يجد نفسه في لحظة ما محللا أو معلقا من دون الحاجة إلى شارة من هيئة إعلامية. ملاعب العالم فوق طاولة قديمة الرياضة، وكرة القدم تحديداً، لها مكانة استثنائية في هذه الفضاءات، حيث تتحول الطاولات، خاصة عند بث المباريات، إلى استوديوهات تحليلية مفتوحة، تتعدد فيها الآراء والتوقعات والتعليقات، وتشتد فيها المنافسة أحياناً أكثر من المنافسة فوق أرضية الميدان. في سطيف والعلمة، كما في بقية المدن الجزائرية، تتوزع النقاشات بين وفاق سطيف ومولودية العلمة ومختلف أندية البطولة الوطنية، وصولا إلى الدوريات الأوروبية الكبرى، حيث يتابع الرواد أخبار اللاعبين والمدربين والانتقالات، ويحللون الخيارات التكتيكية والنتائج، وكأنهم أمام بلاطو رياضي مباشر. ولا يغيب المنتخب الوطني عن هذه الجلسات، إذ تتحول كل مباراة لـ”الخضر” إلى مناسبة لإعادة تقييم أداء اللاعبين والطاقم الفني، ومناقشة الخيارات والنتائج، فيما أصبحت أسماء المحترفين الجزائريين في الخارج، ومن بينهم إبراهيم مازة مادة متجددة للنقاش والتوقعات. التقينا أمين بمقهى بسطيف فيقول: “وفاق سطيف شغلنا الشاغل، وهو حاليا يمر بفترة صعبة، وبين وفاق اليوم ووفاق زمان فرق شاسع، وفي المقهى، نحاول أن نفرغ مكنوناتنا ونتحدث عن اللاعبين والمدربين وننتقد طريقة لعبهم، وسواء أصبنا أو أخطأنا، يبقى المقهى متنفسا نعبر فيه عن آرائنا من دون تحفظ وفي هذا المكان يتجدد الحديث ولا ينقطع”. رغم اتساع الفضاء الرقمي… احتفاظ بالوظيفة الاجتماعية في مدينة العلمة، المعروفة بحركيتها التجارية والاقتصادية، تكتسب المقاهي الشعبية طابعاً خاصاً، بالنظر إلى تنوع روادها وحيوية النقاشات التي تحتضنها. فبين المقاهي العريقة المنتشرة في أحياء المدينة، تتشكل يومياً حلقات نقاش لا تكاد تنتهي. ونحن في مقهى الصوابر بالعلمة، نلاحظ أن بعض الرواد لا يكتفون بزيارة عابرة، بل يرتبطون بالمكان بعلاقة يومية، ويحرصون على الجلوس في الطاولة نفسها، وفي التوقيت نفسه تقريباً، حتى أصبح حضورهم مألوفاً لدى صاحب المقهى والعاملين فيها وبقية الزبائن. هؤلاء الذين يمكن تسميتهم بالمنخرطين في جلسات القهوة، لا تقتصر علاقتهم بالمقهى على استهلاك مشروب، وإنما يجدون فيه فضاء اجتماعياً دائماً لتبادل الأخبار والآراء، ومناقشة المستجدات، واستعادة ذكريات الماضي، والتعليق على ما يحدث في المدينة وخارجها. وقد تتحول جلسة صباحية أو مسائية بسيطة إلى موعد يومي ينتظره أصحابها، يتفقدون خلاله أحوال بعضهم البعض، ويسألون عن الغائب، ويتبادلون الأخبار العائلية والمهنية، ويستحضرون قصصاً وذكريات ظلت عالقة في أذهانهم لسنوات طويلة. ومن منظور علم الاجتماع، فظاهرة الإقبال اليومي على المقاهي تتجاوزعادة استهلاك مشروب أو رغبة في تمضية الوقت، لتكشف عن وظيفة اجتماعية وثقافية أعمق، ترتبط بحاجة الفرد إلى الانتماء والتواصل وإثبات حضوره داخل الجماعة. وفي هذا السياق، يقول الأستاذ كمال بوعلام، المختص في علم الاجتماع، إن “المقهى يمثل فضاء اجتماعيا مفتوحا تتقاطع داخله العلاقات الإنسانية، وهو صمام أمان سيكولوجي واجتماعي بامتياز، في ظل تحديات العزلة الفردية التي تفرضها التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، فرغم الانتشار الواسع للفضاء الرقمي، يبقى التواصل الإنساني المباشر يحتفظ بمكانته الاجتماعية، حيث يهرب الفرد الجزائري إلى المقهى للبحث عن “الدفء البشري” والاعتراف الاجتماعي. كما تلتقي فيه فئات مختلفة من المجتمع، فالمقهى يوفر فضاء ديمقراطياً، حيث يتساوى التاجر والأستاذ والعاطل عن العمل، والمتقاعد أمام فنجان القهوة، مما يعزز التضامن الخفي ويخفف من حدة التوتر النفسي والاجتماعي”. ويضيف بوعلام في تصريح لـ”الشروق”: “إن المقهى يمنح مرتاديه شعورا بالمشاركة والتأثير، حتى وإن كان ذلك في إطار نقاشات غير رسمية لا تترتب عنها بالضرورة قرارات أو مواقف جماعية. كما أن ظاهرة الزبائن الدائمين الذين يرتبطون بمقاه معينة ويحرصون على ارتيادها يوميا تشكل روابط اجتماعية قائمة على الألفة والتكرار والثقة المتبادلة، حيث يصبح المقهى جزءاً من الحياة اليومية للفرد، ومجالا لمقاومة العزلة الاجتماعية، خصوصاً لدى المتقاعدين والأشخاص الذين تقل فرص احتكاكهم اليومي بمحيط اجتماعي واسع”. مراكز للكفاح والقهوة ستار لنشاط ثوري وإذا كانت مقاهي اليوم فضاءات مفتوحة للنقاش السياسي والاجتماعي والرياضي، فإن تاريخ المقاهي الجزائرية يحمل وجهاً آخر أكثر عمقاً، ارتبط بمرحلة الكفاح المسلح ضد الاستعمار الفرنسي، حين تحولت في كثير من المناطق إلى نقاط اتصال ولقاء وتنسيق تخدم الثورة التحريرية المجيدة. ونحن في شهر نوفمبر، نتذكر بعض المقاهي التي استخدمت خلال سنوات الثورة، بحكم طبيعتها الاجتماعية وكثرة المترددين عليها، لتسهيل تحركات المجاهدين، وتمرير الرسائل السرية، وتوفير أماكن للاجتماع والتواصل، بل وإخفاء الأسلحة والعتاد في بعض الحالات، بعيداً عن أعين سلطات الاستعمار ومراقبتها. وفي مدينة العلمة، يبرز اسم مقهى “بوالبغيلات” بشارع النصر، باعتباره واحدا من الشواهد التي ارتبطت بالذاكرة ودور المقاهي في خدمة الثورة التحريرية، وما كانت توفره من فضاءات للقاء والتواصل وتسهيل العمل الثوري. وهنا يروي لنا عمي النوي مخربش، شقيق الشهيد العيد مخربش، والذي كان يعمل بالمقهى خلال تلك الفترة، بعض تفاصيل ذلك الدور، قائلا في تصريح لـ”الشروق اليومي”: “كنا نحتفظ بأسلحة المجاهدين ونخفيها داخل سلة المهملات التي نضع فيها بقايا القهوة، حتى لا تثير الشبهات. لقد كان المقهى همزة وصل بين الثوار، ومعبراً لتمرير الأسلحة والرسائل السرية بكل ثقة، في ظروف كانت تتطلب الكثير من الحيطة والحذر والشجاعة”. شهادة تختزل جانباً من الدور الذي اضطلعت به المقاهي الشعبية في دعم الثورة التحريرية، وتكشف كيف تحولت أماكن تبدو عادية في نظر مرتاديها إلى فضاءات للمقاومة والعمل السري، حيث كانت القهوة ستارا لنشاط ثوري محفوف بالمخاطر، وكانت الثقة والتكتم سلاحاً موازيا في مواجهة الاستعمار. فبين مقاهي الأمس التي احتضنت رجال الثورة وأسهمت في دعم مسيرتهم، ومقاهي اليوم التي تحتضن نقاشات المواطنين وانشغالاتهم، خيط اجتماعي وتاريخي يربط الأجيال، ويؤكد أن المقهى ظلّ على الدوام جزءاً من الحياة العامة الجزائرية، وإن اختلفت وظائفه وتغيرت الظروف المحيطة به. في نهاية المطاف، تكشف جولتنا بين مقاهي سطيف والعلمة أن هذه الفضاءات تجاوزت صورة المحلات التجارية التي تقدم المشروبات، إلى مؤسسات اجتماعية غير رسمية، تتشكل داخلها ملامح النقاش العام، وتلتقي فيها مختلف شرائح المجتمع، وتنتقل عبر طاولاتها الأخبار والآراء والتجارب والذكريات. قد لا تكون النقاشات دائماً دقيقة، وقد تختلط فيها المعلومة بالإشاعة، والتحليل بالانطباع، لكن ذلك لا يلغي الدور الذي تؤديه المقاهي باعتبارها فضاءات للتعبير والتواصل وتبادل وجهات النظر. ففي المقهى، لا يحتاج المرء إلى دعوة رسمية ليشارك في النقاش، ولا إلى بطاقة أستاذ ليحلل الأحداث، ولا إلى صفة خبير رياضي ليبدي رأيه في مباراة، يكفي أن يجد مكاناً حول الطاولة وفنجان قهوة، ليصبح جزءاً من جلسة قد تبدأ بحديث عن أحوال الحي وتنتهي بمناقشة أوضاع العالم. وهكذا، تظل المقاهي الجزائرية برلمانات شعبية لا تُرفع جلساتها، واستوديوهات تحليل لا تنطفئ أضواؤها، فضلا عن كون بعضها شاهداً على تاريخ نضالي مجيد وذاكرة اجتماعية تحفظ حكايات الناس.
المصدر: الشروق