المغرب يلتف على حق تقرير المصير لتكريس احتلال الصحراء الغربية
انتهاء ولاية المينورسو لا يسقط الحقوق القانونية للشعب الصحراوي تحذيرات من تآكل مرجعية تصفية الاستعمار داخل الأمم المتحدة حذّرت المجلة الأوروبية للقانون الدولي من تداعيات الالتفاف على حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، معتبرة أن انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «المينورسو» يعكس تآكلا متواصلا لمرجعية تصفية الاستعمار داخل الأمم المتحدة، وتصاعدا للمساعي المغربية الرامية إلى فرض السيادة على الإقليم خارج أسس الشرعية الدولية، من خلال تسويق مقترح الحكم الذاتي وإقصاء خيار الاستقلال. أوضحت المجلة، في مقال قانوني نشرته مدونتها «EJIL: Talk!»، عثة الأممية لا يغير الوضع القانوني للصحراء الغربية، ولا يمنح الاحتلال المغربي أي شرعية، كما لا يسقط حق الشعب الصحراوي في اختيار مستقبله السياسي بحرية، محذرة من تحويل قضية تصفية استعمار إلى مجرد نزاع سياسي تحكمه المساومات الدبلوماسية وموازين القوى. وتضع المجلة القضية الصحراوية في سياقها القانوني والتاريخي، باعتبارها قضية تصفية استعمار لم تستكمل مسارها، وليست نزاعا سياسيا بين طرفين يمكن تسويته عبر التفاوض على حساب الحقوق الثابتة للشعوب، مشددة على أن الشعب الصحراوي، باعتباره شعب إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي، يتمتع بحق أصيل في تقرير المصير، يتيح له تحديد الوضع السياسي لإقليمه بحرية، وفقا لقواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. وفي هذا الإطار، تستند المرجعية القانونية إلى القرارين 1514 و1541 الصادرين عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، اللذين يكرسان حق الشعوب المستعمرة في الاستقلال، ويحددان الخيارات الممكنة أمام الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، والمتمثلة في الاستقلال أو الارتباط بدولة مستقلة أو الاندماج فيها، شريطة أن يعبر الشعب المعني عن إرادته بصورة حرة وحقيقية. وتؤكد القراءة القانونية التي يعرضها المقال أن الاستقلال لا يمكن إسقاطه مسبقا من خيارات تقرير المصير، لأن أي مسار يستبعده قبل الاحتكام إلى إرادة الشعب المعني لا يمثل ممارسة حقيقية لهذا الحق، بل يفرغه من مضمونه ويحول تصفية الاستعمار إلى عملية شكلية تستجيب لنتائج مفروضة سلفا. الحكم الذاتي… محاولة لفرض السيادة المغربية وفي مقابل هذه المرجعية، تبرز المجلة التناقض بين الموقف القانوني الذي تتمسك به جبهة البوليساريو، والمقترح المغربي الذي قدم سنة 2007، والذي يقوم على إنشاء جهة صحراوية تتمتع بالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، مع احتفاظ الرباط بالاختصاصات المرتبطة بالدفاع والأمن القومي والعلاقات الخارجية ومظاهر السيادة، بما فيها العلم والنشيد الوطني والعملة. وتكشف المقارنة بين المقترحين عن اختلاف جوهري في طبيعة التسوية المنشودة؛ فبينما تمسكت جبهة البوليساريو بتنظيم استفتاء حر ونزيه يتيح للشعب الصحراوي اختيار مستقبله، وتعهدت بقبول نتائجه والتفاوض بشأن ضمانات للسكان المغاربة المقيمين بالإقليم والتعاون الاقتصادي واستغلال الموارد الطبيعية، يسعى المقترح المغربي إلى إبقاء الصحراء الغربية تحت السيادة المغربية، مع منحها صلاحيات إدارية محدودة. وتتجاوز الإشكالية، وفق المقال، حدود توزيع الاختصاصات والصلاحيات، لتطال هوية الهيئة التي يحق لها تقرير مستقبل الإقليم، إذ يتضمن المقترح المغربي إشراك المغاربة المقيمين في الصحراء الغربية ضمن الهيئة الناخبة التي تصادق على نظام الحكم الذاتي، في حين أن قانون تصفية الاستعمار يمنح هذا الحق لشعب الإقليم غير المتمتع بالحكم الذاتي، أي الشعب الصحراوي، وليس لمجموع السكان المقيمين فيه. ويستند هذا التمييز إلى اجتهاد محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي في القضيتين المضمومتين C-778/21 P وC-798/21 P، التي أكدت أن الشعب الصحراوي هو صاحب الحق في تقرير المصير، وهو ما يجعل محاولة توسيع الهيئة الناخبة لتشمل فئات أخرى مسألة تثير إشكالات قانونية جوهرية. مجلس الأمن… مساعٍ لإفراغ المينورسو من مهمتها الأصلية وتتوقف المجلة عند التطورات التي سبقت انتهاء ولاية المينورسو، خاصة مشروع القرار الأمريكي، ولا تحصر المجلة تداعيات انتهاء ولاية المينورسو في الجانب السياسي، بل تحذر من انعكاساته الميدانية، خاصة أن وجود البعثة ظل يوفر الحد الأدنى من الرقابة الدولية على التطورات العسكرية والأمنية في الصحراء الغربية، رغم إخفاقها في تنفيذ المهمة الأساسية المتمثلة في تنظيم الاستفتاء. وتتزايد المخاوف، وفق المقال، من أن يؤدي غياب المراقبة الأممية إلى تشجيع المغرب على توسيع تحركاته العسكرية داخل الإقليم. ضم الأراضي بالقوة… انتهاك لقواعد القانون الدولي وتذهب المجلة إلى أن القضية الصحراوية تتجاوز حدود النزاع الإقليمي، لتطرح إشكالية احترام القواعد الأساسية التي يقوم عليها النظام القانوني الدولي، وفي مقدمتها حق تقرير المصير وحظر اكتساب الأراضي بالقوة. وتؤكد أن هذين المبدأين يشكلان التزامين قانونيين في مواجهة الكافة، لا يتعلقان بمصالح أطراف محددة، بل بحماية أسس التعايش الدولي وضمان حقوق الدول والشعوب. ومن هذا المنطلق، فإن استمرار الاحتلال المغربي للصحراء الغربية، ومحاولات فرض السيادة على الإقليم خارج ممارسة حرة وحقيقية لحق تقرير المصير، يطرحان تحديا جوهريا أمام الشرعية الدولية. وتحذر المجلة من أن تهميش هذه القواعد في قضية الصحراء الغربية قد يؤدي إلى إضعاف شرعيتها في قضايا أخرى، بما فيها الأراضي الفلسطينية المحتلة وأوكرانيا، فضلا عن تشجيع محاولات مستقبلية لضم الأراضي بالقوة. وتشير في هذا السياق إلى أن حق تقرير المصير أصبح قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي، وأن احترام السلامة الإقليمية يشكل عنصرا أساسيا في ممارسته، وهو ما يعزز الأساس القانوني لرفض أي محاولة لفرض وضع نهائي على الصحراء الغربية دون موافقة شعبها. الجمعية العامة أمام مسؤولية إعادة الاعتبار لتصفية الاستعمار وتخلص المجلة إلى أن انتهاء ولاية المينورسو لا يؤدي إلى تغيير الوضع القانوني للصحراء الغربية، ولا ينهي حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، لكنه قد يفضي إلى تداعيات ميدانية وسياسية واسعة نتيجة غياب الرقابة الأممية المباشرة. وترى أن المسؤولية باتت تقع بصورة أكبر على الجمعية العامة للأمم المتحدة، من أجل إعادة تأكيد اختصاصها بشأن الصحراء الغربية باعتبارها قضية تصفية استعمار، وعدم السماح بتحويلها إلى ملف تفاوضي يخضع لموازين القوى أو للمواقف الدبلوماسية المتغيرة. وتضع المجلة اللجنة الرابعة للجمعية العامة، المكلفة بالمسائل السياسية الخاصة وتصفية الاستعمار، أمام استحقاق مقبل خلال أكتوبر 2027، لإعادة التأكيد على المرجعية القانونية للقضية الصحراوية. وفي المحصلة، فإن الرسالة الأساسية التي يحملها المقال تتمثل في أن انتهاء ولاية المينورسو لا يعني انتهاء قضية الصحراء الغربية، كما أن تراجع الدعم الدبلوماسي لحق تقرير المصير لا يسقط هذا الحق قانونا. فمحاولات المغرب الالتفاف على الشرعية الدولية، عبر فرض الحكم الذاتي وتكريس الأمر الواقع، لا تستطيع إلغاء حق شعب في تقرير مصيره، ولا تحويل إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي إلى جزء من دولة أخرى دون إرادة شعبه. ويحذر فون ماسوف من أن التراجع عن قواعد تصفية الاستعمار لا يهدد الشعب الصحراوي وحده، بل يضعف النظام القانوني الدولي برمته، ويجعل احترام الحقوق الأساسية للشعوب رهينا بالتوازنات السياسية ومصالح الدول، بدل أن يكون التزاما قانونيا ملزما للجميع.
المصدر: الشروق