شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الانفصال الأخلاقيّ! (1)

الانفصال الأخلاقيّ! (1)

يتحدّث علماء النّفس عن نظرية معاصرة تدرَّس في الجامعات الغربية، وتحظى باهتمام كبير بين دارسي علم النّفس، تسمّى “الانفصال الأخلاقي”؛ ربّما نكون في حاجة لمدارستها في ثانوياتنا وجامعاتنا ومساجدنا، لأنّها تفسّر كثيرا من أخطاء النّاس في هذا الزّمان، وأخطائنا نحن المسلمين أيضا، وتفسّر كثيرا من سلوكاتنا وتصرفاتنا ومواقفنا وردود أفعالنا؛ نفهم من خلالها لماذا نخطئ ونهوّن من أخطائنا؟ لماذا تصغر أخطاؤنا في أعيننا؟ ولماذا نبرّرها ونرفض الرّجوع عنها وتصحيحها؟
الانفصال الأخلاقي، أو “التحرّر الأخلاقي”، هو عمل داخلي في نفس الإنسان، يحاول من خلاله أن يقيم الحجّة بأنّ خطأه مبرّر، وهو خطأ صغير لا يستدعي القلق أو حتى الاعتذار والتراجع والتصحيح! وعلماء النّفس المعاصرون يعدّدون لهذا الانفصال صورا منها:
1. إعادة تلطيف المسمّيات: وتعني أن يستخدم الشّخص كلماتٍ لطيفةً ومخفّفة ليصف خطأً من الأخطاء… وقد تحدّث النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- عن هذا الانحراف وأنذر بوقوعه، حينما قال: “يَشرَبُ ناسٌ من أُمَّتي الخَمرَ، ويُسمُّونَها بغَيرِ اسْمِها” وفي رواية أنّه -عليه الصّلاة والسّلام- قال: “لَا تَذْهَبُ اللَّيَالِي وَالأَيَّامُ حَتَّى تَشْرَبَ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا”، وهذا ما نرى مصاديقه في زماننا هذا؛ عبادٌ مسلمون يعاقرون الخمر ويسمّونها “الشراب”، و”المشروبات الروحية” و”الكحول”، ومسلمون يسعون في تقريب الخمر إلى الشّباب وكسر الحواجز بينهم وبينها، حتى أصبحنا نرى في المقاهي زجاجاتِ وعلبَ عصيرٍ ومشروبات غازية تشبه زجاجات الخمر وعلبه، وشيئا فشيئا ربما لا يطول بنا الزّمان حتى نرى الخمر تُصفّ مع العصائر والمشروبات الغازية في المقاهي والمطاعم!
وتغيير الأسماء لاستباحة المسمّيات لم يعد مقتصرا على الخمر، بل قد وصل إلى السّموم والمخدّرات التي أصبحت تُطلق عليها أسماء ملطّفة لكسر الحواجز على طريق تعاطيها وبيعها، أصبحت تسمّى “الكيف”، و”الفلاش ديسك” و”الصاروخ” و”الحمراء” و”الصفراء”، إلى غير ما هنالك من الأسماء التي يظنّ بعض شبابنا المغرّر بهم أنّها تجعل الحرام مخفّفا!
الرّبا المحرّم أيضا لَطّفت المؤسّسات اسمه، لتُنسي النّاس حرمته؛ سمّته “فائدة”، و”عمولة”، وسمّاه كثير من النّاس “فاسيليتي” و”مصاريف إدارية”، وهكذا…. الرّشوة أصبحت تسمّى “قهوة” و”تدويرة” و”تشيبا”، ويسمّيها بعضهم “افهم روحك”! وهكذا.
التبرّج أصبح يسمّى “حرية شخصية” و”إيتيكات” و”ستيل” و”حطّة” إلى غير ما هنالك من الأسماء…. العلاقات المحرّمة بين الشّباب والفتيات التي سمّاها الشرع “مخادنة” و”مواعدة” و”خلوة محرّمة”، أصبحت تسمّى “صداقة بريئة”، و”صحبة” و”تعارف قبل الزواج”….
وهنا ينبغي لنا أن نعلم علم اليقين أنّ تغيير الأسماء وتلطيفها لا يغيّر عند الله شيئا، ولا يجعل الحرام حلالا، ولا المنكر معروفا، بل قد يزداد الفاعل إثما عند الله لأنّه يخطئ ويزيد على ذلك أن يبرّر خطأه ويهوّنه، والله يقول: ((وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ)).
2. مقارنة الفعل السيّئ بفعل أسوأ منه: وهذا موجود بوفرة في واقعنا، بل لعله من أهمّ الأسباب التي جعلت كثيرا منّا يبقُون مصرّين على أخطائهم لا يصلحونها ولا يتوبون منها… كلّما قيل لأحدنا: يا فلان إنّك قد أخطأت في هذا الذي فعلتَه! قال: رأيتَني أنا ولم ترَ من فعل وفعل! إذا قيل له مثلا: يا فلان سمحت لنفسك بالاستفادة من سكن اجتماعي وأنت لا تستحقّه؟! قال: وأنت لم ترَ من استفاد من سكنين وثلاثة ومن بنى الفيلات من أموال الدولة؟! إذا قيل له: لماذا تأخذ الرشوة من الناس؟ قال: رأيتني أنا الذي آخذ ألف دينار وألفين ولم تر من يأخذ مئات الملايين في المشاريع والصّفقات؟! إذا قيل له: يا فلان! لماذا تتهاون في عملك، تدخل مكان العمل متأخّرا وتنصرف قبل انتهاء الوقت؟! قال: وأنت لم ترَ من لا يكاد ينقطع عن تقديم العطل المرضية؟! إذا قيل له: لماذا تشقّ قناة للتزود بالماء لبيتك خلسة ولا تضع عدادا أو تتحايل على عداد الكهرباء؟! قال: رأيتني أنا ولم ترَ من يسرق الملايير؟! وينسى أنّ لكلّ حسابَه؛ من سرق المليار سيحاسب عن سرقة مليار، ومن سرق 100 دينار سيحاسب عن مائة دينار، ولا ينفعه يوم القيامة أن يقول لله: وماذا عن الذين سرقوا أكثر منّي، لأنّ الحال يومها ((وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا))، ((فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)).
تجده لا يأتي المسجد إلا يوم الجمعة، فإذا سألته قال لك: أنا على كلّ حال أفضل من أولئك الذين لا يصلّون! وربّما يدخل المسجد في إحدى صلوات اليوم، فيجد الصفوف قليلة، فيقول في نفسه: كلّ الناس يصلّون في بيوتهم، فلماذا أكلف نفسي عناء الحضور إلى المسجد 5 مرات في اليوم؟! وينسى أنّ هجر المسجد إثم عند الله، والإصرار على التخلف عن إجابة النداء بغير عذر كذلك إثم، وأنّ صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة!
بعض النّاس أصبح ما يفعله الآخرون مبرّرا له ليفعل كما يفعلون، إذا وجد في نفسه عتابا من ضمير أو وازع دينيّ أو سمع الإمام يتحدّث عن فعل محرّم يرتكبه ذلك الشخص، قالت له نفسه: لست وحدك! أو ربّما إذا حدّثه صديق أو قريب أو جار فقال له: يا فلان لماذا تقترف هذا الخطأ؟ لم يتردّد لحظة واحدة ليقول: وهل أنا الوحيد الذي يفعل ذلك؟! يظنّ أنّ الفعل الخطأ أو المحرّم إذا فعله كثير من النّاس أصبح عاديا! وينسى أنّ الله -تعالى- قد حذّرنا من أن نزن الأمور بما يفعله النّاس، فقال -سبحانه-: ((وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُون))، وأنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قد حذّرنا من أن يكون ما يفعله النّاس هو ميزانَنا، فقال: “لا تَكونوا إمَّعةً، تقولونَ: إن أحسنَ النَّاسُ أحسنَّا، وإن ظلموا ظلَمنا، ولَكن وطِّنوا أنفسَكم، إن أحسنَ النَّاسُ أن تُحسِنوا، وإن أساءوا فلا تظلِموا”.
يُتبع بإذن الله….

شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين

The post الانفصال الأخلاقيّ! (1) appeared first on الشروق أونلاين.

المصدر: الشروق