شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

لقد تغيّر العالم بعد الطوفان

لقد تغيّر العالم بعد الطوفان

لو انتصر الرئيس الأمريكي في حربه على إيران لما هُزم في الانتخابات النصفية، ولو انتصر المجرم نتن ياهو في حربه على غزة لما هُزم في انتخابات الكنيست، كلاهما راهن على أن يكون بطلا قوميا وفشل.
بالمقابل انتصر المستضعفون وإن دفعوا الثمن غاليا. دفعت غزة والضفة الغربية وكل فلسطين ثمن حرب إبادة غير مسبوقة في التاريخ ومازالت تدفع من خلال القتل والتدمير والتخريب والتجويع والتشريد… ودفعت إيران ثمن حرب ظالمة ومازالت تدفع من خلال الاغتيال والحصار واستنزاف العقول والثروات والتهديد بتحطيم كل البلد.
وهكذا بات يُصنَع أمام أعيننا مشهد المستقبل، من غير تزييف ولا خداع: الذين يقاومون يُحقِّقون الانتصار، وإن لم يمتلكوا كافة أسباب القوة المادية من مال وسلاح وإعلام، والذين يعتدون يُمنَوْنَ بالفشل وإن امتلكوا جميع هذه الأسباب.
وعليه، علينا أن نقتنع من خلال هذا أن لكل طرف نقاط قوته مهما كان ضعيفا، ونقاط ضعفه مهما كان قويا.
نحن لسنا أقوياء ماديا وتكنولوجيا وإعلاميا بالقدر الكافي، ولكن هذا لا يعني أننا لا نمتلك أسباب القوة وقوة الموقف. وهم ليسوا ضعفاء ماديا وتكنولوجيا وإعلاميا بالقدر الكافي ولكن هذا لا يعني أنهم لا يخفون بداخلهم نقاط ضعف وهشاشة الموقف!
من كان يظن أن المال والإعلام والسلطة سيُهزمان في أمريكا أمام مواقف شباب ورجال ونساء أصبحوا رافضين للظلم والاعتداء في فلسطين وإيران وفنزويلا واليمن وفي كل بقعة من بقاع العالم؟ مَن كان يظن أن شبابا ورجالا ونساء أصبحوا واعين أن منطق القوة العسكرية الظالمة لا يُحقِّق النصر ولا يجلب سوى الخراب؟ ألا يحمل انتصار عبد الرحمن السيد في مجلس الشيوخ وقبله ممداني في بلدية نيويورك وآخرين مثلهم، في رمزيته كل هذه المعاني؟ ألا يحمل انتصار عرب فلسطين في الانتخابات الأخيرة ضد الآلة الصهيونية الضخمة هذه المعاني؟ ألا يدلُّ هذا عن حدوث تغيير جوهري في الوعي، ليس فقط في فلسطين أو في أمريكا إنما في كل العالم؟ أليس هذا هو أكبر انتصار تُحقّقه معركة طوفان الأقصى وأعظم جزاء لجحافل الشهداء تلك التي سقت الأرض المُحرَّرة بدمائها الطاهرة، وأفضل عزاء لتضحيات ملايين المستضعَفين الذين شُرِّدوا من أرضهم ودُمِّرت مساكنهم على رؤوسهم في فلسطين ولبنان واليمن وإيران، وأجمل ما يُمكن أن نُواسي به كل العالم الذي سئم الحروب الظالمة والاعتداد بالقوة بكافة أنواعها وبات يرفض الخضوع للظالمين المغتصِبين المستغلين لحاجة الناس للأمن والغذاء والدواء والحياة الكريمة؟
أليس هذه بداية تغيير جوهري في طبيعة العلاقات الدولية بين الأمم والشعوب، وبداية تغيير جوهري في معنى القوة والحرب والسلم وحقوق الشعوب، وبداية تغيير جوهري في معنى الانتصار والصمود؟
صحيحٌ أنّه يمكننا أن ننظر للصورة من جانبها الآخر، أن الشَّر باق وإن تلقى ضرباتٍ قاسية، وأن هؤلاء المهزومين اليوم سيجمعون كافة قواهم للانتقام غدا، ولكن الأصحَّ أن نرى عمق المشهد لا مظهره: لقد بدأت القوى الظالمة تفقد توازنها تدريجيا عبر العالم، إن اقتصاديا أو عسكريا أو تكنولوجيا أو ديموغرافيًّا أو قيميا، وقوى العدل والحكمة والإنسانية من الصين إلى العالم الإسلامي إلى الجنوب العالمي إلى العمق الغربي المنتفض بداخل حضارته تستعيد المبادرة تدريجيا… لقد بدأت إذن مرحلة تصحيح خلل حضاري دام أكثر من 70 سنة، كان عنوانه قيادة الصهيونية للعالم… اليوم إنه يتغير أمام أعيننا بعد الطوفان.

شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين

The post لقد تغيّر العالم بعد الطوفان appeared first on الشروق أونلاين.

المصدر: الشروق