هزيمة محور الشر
حاتم الطائي ◄ نتائج انتخابات الكونجرس انعطاف غير مسبوق في الوعي الأمريكي ◄ تيار سياسي جديد في أمريكا يقود التنوع الثقافي ويؤمن بالعدالة والمساواة ◄ فشل ترامب ونتنياهو في الانتخابات استمرار لـ"لعنة حرب الإبادة" كشفت نتائج انتخابات التجديد النصفي في الكونجرس الأمريكي ومن قبلها انتخابات الكنيست الإسرائيلي، حجم الهزيمة الساحقة التي تعرض لها محور الشر الذي قاد حروبًا دموية ضد الأبرياء في مناطق مُختلفة من العالم، وعلى رأسها حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة بفلسطين المحتلة، والعدوان الآثم على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وجرائم الاغتيال بحق قيادات الشعب الفلسطيني والدولة الإيرانية. البداية كانت مع الهزيمة المدوية التي تكبدها مجرم الحرب بنيامين نتنياهو في انتخابات الكنيست الإسرائيلي، والتي تزامنت مع فوز لافت للمرشحين العرب، على الرغم من خطاب الإرهاب الصهيوني ضدهم. أعقبت ذلك الهزيمة المُذلة للحزب الجمهوري وللرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه، في انتخابات الكونجرس، والتي أحدثت زلزالًا سياسيًا أطاح بالأغلبية الجمهورية التي كان يرتكز عليها ترامب لممارسة صلاحياته الاستبدادية وضمان عدم مساءلته عن أي مخالفة يرتكبها، لا سيما فيما يتعلق بالحرب على إيران ودعم الكيان الإسرائيلي. ما حدث في الانتخابات الأمريكية مثّل انعطافًا غير مسبوق في وعي المجتمع الأمريكي؛ فلم يعد يقنع هذا المجتمع بفزّاعات وهمية مثل إيران والإسلاموفوبيا، كما تخلص في الوقت نفسه من الضغوط التي كان يمارسها اللوبي الصهيوني وعلى رأسه لجنة "أيباك" التي ضخت مئات الملايين من الدولارات لإسقاط المرشحين الديمقراطيين وفشلت فشلًا ذريعًا. لكن التحوُّل الأخطر في السياسات الأمريكية، اعتراف الرئيس ترامب ونائبه جيه دي فانس، بأنَّ الحرب على إيران ودعم إسرائيل هما السببان الرئيسان لتكبد هذه الهزيمة النكراء. ونحن لا ننظر إلى هذا الاعتراف بأنَّه ناتج عن إقرار ذاتي بخسارة الانتخابات في ضوء الأعراف الديمقراطية التي تفرض على الخاسر أن يُقر بفوز الخصم، ولكنه اعتراف يعكس حجم الإفلاس السياسي والأخلاقي الذي وصلت إليه الإدارة الأمريكية الراهنة بقيادة دونالد ترامب، واليأس التام من تحقيق أي انتصار. وأي قراءة مُعمَّقة وموضوعية في نتائج هذه الانتخابات ستصل إلى عدة نتائج تكشف من منظور تحليلي الأسباب التي أفضت لهذه الفضيحة الانتخابية، كما يلي: أولًا: الحرب على إيران؛ حيث مثّل العدوان الأمريكي على إيران نقطة فارقة في حياة المواطن الأمريكي، الذي سقط في براثن التضخم الناتج عن ارتفاع أسعار المحروقات، نتيجة لغلق مضيق هرمز واشتعال المواجهات العسكرية بين إيران وأمريكا، وفي منطقة الخليج بشكل عام. هنا تراجعت مستويات الأمان الاجتماعي للمواطن الأمريكي، وبدأ يدفع ثمن حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، وإنما هي حرب شنها ترامب بتحريض من مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، وظن أنَّها بمثابة نُزهة لمدة 3 أيام ستنتهي بسقوط النظام الإيراني ومن ثم السيطرة على النفط، على غرار ما حدث مع فنزويلا! لكن سرعان ما انزلق ترامب إلى مستنقع هذه الحرب، وانعكست آثارها العنيفة على المواطن الأمريكي، الذي رد الصاع صاعين، وأسقط الحزب الجمهوري. ثانيًا: الدعم الأمريكي لإسرائيل، والذي منح الديمقراطيين الفرصة لصب جام غضبهم على إدارة ترامب، وركزوا في حملاتهم الانتخابية على أنَّ أموال دافعي الضرائب الأمريكيين تذهب إلى إسرائيل لشن حروب دموية، في غزة وإيران والشرق الأوسط، بدلًا من استخدامها للارتقاء بجودة التعليم والصحة والبنية الأساسية في الولايات المتحدة. وهنا تكمن المفارقة التي استطاع مرشحو الحزب الديمقراطي توظيفها بذكاء منقطع النظير؛ فقد ظل الدعم الأمريكي لإسرائيل غير مرتبط بحزب بعينه، فكلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي يدعمان إسرائيل، لأنهما ينفذان سياسة دولة وليس سياسية حزب. إلّا أنَّ الديمقراطيين استغلوا الضغوط الاقتصادية العنيفة التي يئن منها المواطن الأمريكي وعارضوا هذا الدعم، ما أجبر الرئيس ترامب على الإعلان عشية الانتخابات عن وقف المساعدات السنوية لإسرائيل، لكن بعد فوات الأوان! ثالثًا: الحرب على غزة، وهذه النقطة ترتبط بمسألة دعم إسرائيل؛ حيث ساعد الدعم الأمريكي اللامحدود إسرائيل على تنفيذ حرب الإبادة بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وانتفضت قطاعات مختلفة في المجتمع الأمريكي اعتراضًا على هذه الحرب الدموية، والجميع شاهد كيف اشتعلت الجامعات الأمريكية غضبًا ضد دور الولايات المتحدة في هذه الحرب، وما مثله من سقوط أخلاقي وقيمي، أثر فيما بعد في نتائج الانتخابات الأمريكية. رابعًا: فضائح إبستين. تسببت فضائح رجل الأعمال المُنتحر جيفري إبستين وعلاقته الوثيقة بدونالد ترامب، في جانب من هذه الخسارة الانتخابية؛ حيث تبيّن للناخب الأمريكي أنَّ هذا الرئيس ودائرة حكمه ملوثون بانحرافات أخلاقية، الكثير منها تمثل جرائم يُعاقب عليها القانون الأمريكي، وقد استغل الديمقراطيون هذه النقطة بصورة مميزة وشنوا انتقادات حادة، كشفت مدى الانحدار الأخلاقي والتواطؤ وتضارب المصالح. خامسًا: التنوع العرقي. نجح الحزب الديمقراطي في توظيف مبدأ التنوع العرقي في المجتمع، وأن الولايات المتحدة هي في الأساس موطن للمُهاجرين من أنحاء العالم، ولذلك عارض الحزب توجهات ترامب ضد المهاجرين، واستغل ذلك لاستقطاب الأصوات الرافضة لسياسيات الهجرة والعنصرية التي يقودها ترامب رغم أنَّه هو نفسه ابن لمهاجرين تنحدر أصولهم إلى ألمانيا من جهة الأب وأسكتلندا من جهة الأم. سادسًا: مرشحو التيار السياسي الجديد؛ حيث كشفت هذه الانتخابات ومن قبلها انتخابات عمدة نيويورك، عن تيار سياسي جديد يتشكَّل داخل الحزب الديمقراطي، يؤمن بالتعددية وقيم العدالة والمساواة؛ بل و"الحلم الأمريكي" الذي سعى ترامب لطمسه وتدميره بالكامل. هذا التيار أسفر عن فوز زُهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك ليكون أول مسلم يتولى هذا المنصب، ثم فوز عبدالرحمن السيد (عبدول) بمقعد ولاية ميشيغان كأول مسلم يدخل مجلس الشيوخ، وفوز الطبيب آدم حموي الذي تطوع لمداواة جرحى غزة، إلى جانب إعادة انتخاب إلهان عمر ورشيدة طليب، وفوز ديب هالاند بمنصب حاكمة ولاية نيو مكسيكو؛ لتصبح أول حاكم امرأة من السكان الأصليين، وفوز كيشا لانس بوتومز بمنصب حاكم ولاية جورجيا، وهي أول امرأة سوداء تُنتخب لمنصب حاكم ولاية في تاريخ الولايات المتحدة. هذا التيار السياسي الجديد أعلن بوضوح تحديه للعنصرية والفاشية السياسية التي يقودها ترامب واللوبي الصهيوني، ولا شك أنَّه سيعمل على تغيير وجه العالم، بما يعكس تنوع المجتمعات ويقضي على المركزية الغربية في التحكم في العالم، لأنه يضع مصالحه الداخلية فوق كل اعتبار. لقد هُزم بالفعل محور الشر العالمي خلال الأسبوع الماضي، ولعلَّ من مفارقات القدر أن يفوز الرئيس البرازيلي بولاية جديدة ويهزم المرشح المدعوم من إسرائيل وأمريكا، وفي نفس الوقت يتكبد نتنياهو وترامب هزائم ساحقة، وكأنَّ الأقدار الإلهية تؤكد لنا أن المجرمين لن يفلتوا من العقاب الإلهي، وإن طال الزمن كما قد بدا لنا. المؤكد أن ترامب أصبح الآن أفشل رئيس أمريكي، وكل مُؤامراته انقلبت عليه خُسرانًا مبينًا، فقد تآمر على غزة وشعب فلسطين الأبيّ، ليحصد الثبور والوَيل والهلاك في أول اختبار انتخابي، ومثلما فشل مخططه لتحويل غزة إلى "ريفييرا الشرق الأوسط"، فشل في الحفاظ على أغلبية الكونجرس، وفشلت مؤامرته على دول الخليج وإيران. ويبقى القول.. إنَّ هزيمة محور الشر خيرُ دليلٍ على أنَّ لعنة حرب الإبادة في غزة لن تترك كل من تآمر ودبّر ونفّذ تلك الجريمة البشعة، وأن العدوان على الشعوب المسالمة وسرقة مواردها لا يُمكن أن يمضي دون عقاب، وأن الأمل في مستقبل أفضل للبشرية لا يخفتُ أبدًا، وأن جيل الشباب بأعراقه المتعددة وثقافاته المتنوعة، سيقودنا نحو عالم أكثر عدالة وإنصافًا ومساواةً.
المصدر: الرؤية