التجارة الإلكترونية في سوريا.. فرص اقتصادية وتحديات أمنية وقانونية
دمشق-سانا
تشهد التجارة الإلكترونية في سوريا توسعاً متزايداً مع انتشار المنصات الرقمية، لما توفره من فرص لتوسيع الأسواق وتسهيل البيع والشراء وخفض تكاليف التسويق، غير أن نموها يواجه تحديات تتعلق بالاحتيال، وحماية البيانات، وضعف الثقة، والبنية التحتية، ووسائل الدفع والشحن، ما يستدعي تعزيز التنظيم والوعي الرقمي.
وأوضح مدير مركز أمن المعلومات في الهيئة الوطنية لخدمات تقانة المعلومات جهاد ألالا، في تصريح لـ سانا، أن الهيئة تعمل من خلال المركز على تعزيز الأمن السيبراني وحماية الأنظمة والبنى التحتية الرقمية، عبر رصد التهديدات والتعامل معها، وتقديم الدعم الفني للجهات المعنية، والمساهمة في تطوير إجراءات الحماية ورفع مستوى الجاهزية الرقمية.
رصد وتحليل التهديدات وتقييم مخاطرها
أشار ألالا إلى أن هذه الجهود تشمل متابعة المؤشرات الأمنية ورصد الأنشطة غير الطبيعية التي قد تستهدف الأنظمة والخدمات الرقمية، وتحليل التهديدات وتقييم مخاطرها، واتخاذ التدابير الفنية المناسبة للحدّ من آثارها، بالتنسيق مع الجهات المعنية.
ولفت ألالا إلى أهمية نشر الوعي بالممارسات الرقمية الآمنة، من خلال تحميل التطبيقات من المتاجر الرسمية والتحقق من موثوقية مطوريها والأذونات التي تطلبها، والمحافظة على تحديث أنظمة التشغيل والتطبيقات وبرامج الحماية، إضافة إلى تفعيل المصادقة الثنائية لتعزيز حماية الحسابات والحد من الوصول غير المصرح به.
الإبلاغ عن الثغرات والاختراقات الفنية
بيّن ألالا ضرورة التمييز بين الحوادث الأمنية التقنية والجرائم الإلكترونية التي تستوجب إجراءات قانونية، موضحاً أن مركز أمن المعلومات يتيح قنوات رسمية للإبلاغ عن الثغرات والاختراقات الفنية، فيما تُتابع البلاغات ذات الطابع الجرمي عبر الجهات القضائية والأمنية المختصة.
وأكد مدير مركز أمن المعلومات في الهيئة أهمية الإبلاغ من خلال القنوات الرسمية والاحتفاظ بالأدلة الرقمية، وعدم نشر المعلومات الحساسة المتعلقة بالثغرات أو الحوادث قبل معالجتها.
مخالفات تستوجب المساءلة القانونية
من جانبه، أوضح الخبير القانوني محمد عفيف مراد لـ سانا، أن أبرز الجرائم والمخالفات المرتبطة بالتجارة الإلكترونية، تتمثل في إنشاء متاجر وصفحات وهمية للاستيلاء على أموال المشترين، وقبض ثمن المنتجات دون تسليمها، أو بيع منتجات مقلدة ومغشوشة وغير مطابقة للمواصفات المعلن عنها، فضلاً عن نشر إعلانات تتضمن أسعاراً أو معلومات مضللة.
وأضاف مراد أن هذه المخالفات تشمل أيضاً استخدام بيانات العملاء ومعلوماتهم الشخصية دون موافقتهم، وانتحال صفة متاجر أو شركات معروفة، مشيراً إلى أن من أكثر أساليب الاحتيال شيوعاً طلب تحويل المبلغ مسبقاً ثم حظر المشتري، أو إرسال منتجات تختلف عن الصور والمواصفات المعروضة.
التشريعات السورية الناظمة
بيّن مراد أن التشريعات السورية الناظمة لهذا المجال تشمل القانون رقم 3 لعام 2014 المتعلق بالتجارة الإلكترونية، وقانون الجرائم الإلكترونية رقم 20 لعام 2022، وقانون حماية المستهلك رقم 8 لعام 2021، لافتاً إلى أن قانون الجرائم الإلكترونية يعاقب على الاحتيال الإلكتروني بالسجن المؤقت من ثلاث إلى خمس سنوات، وغرامة من ثلاثة إلى خمسة ملايين ليرة سورية قديمة، وفق المادة 19.
وأشار مراد إلى أن بيع المنتجات المغشوشة أو غير المطابقة للمواصفات تترتب عليه عقوبات بالحبس والغرامة وفق طبيعة المخالفة وأحكام قانون حماية المستهلك، الذي يتيح للمستهلك المطالبة برد الثمن أو استبدال المنتج.
وأكد الخبير القانوني أن أصحاب المتاجر والصفحات التجارية يتحملون مسؤولية صحة المعلومات والإعلانات المنشورة عن منتجاتهم، والالتزام بالمواصفات والأسعار المعلنة وتسليم السلع وفق الاتفاق، إضافة إلى إصدار الفواتير وتوضيح بيانات البائع ووسائل التواصل معه، واحترام حقوق المستهلك وحماية بيانات العملاء.
الإجراءات عند التعرض للاحتيال
حول الإجراءات الواجب اتخاذها عند التعرض للاحتيال، أوضح مراد أهمية الاحتفاظ بالمحادثات مع البائع، وإيصالات تحويل الأموال، وأرقام الحسابات أو المحافظ، وروابط المتاجر وصفحاتها، وصور الإعلانات والمنتجات المتفق عليها، ثم تقديم شكوى إلى قسم مكافحة الجرائم الإلكترونية أو الشرطة أو النيابة العامة، وإبلاغ المصرف أو شركة التحويل فوراً لمحاولة إيقاف الحوالة أو استردادها.
ولفت الخبير القانوني إلى أن المستهلك يحق له المطالبة باسترداد أمواله والتعويض عن الضرر أمام القضاء المختص عند توافر الشروط القانونية، مؤكداً أن التعامل التجاري عبر الإنترنت لا يعفي البائع من المسؤولية القانونية عن إخلاله بالاتفاق أو ارتكاب المخالفات.
فرص اقتصادية ومعوقات متعددة
بدوره، أكد الخبير الاقتصادي محمد كوسا لـ سانا، أن التجارة الإلكترونية تمثل فرصة لتنشيط الاقتصاد السوري، ولا سيما في ظل التحولات الرقمية التي يشهدها العالم، لما توفره من إمكانات لتوسيع الأسواق أمام المنتجات المحلية، وتخفيف تكاليف التسويق والتوزيع، وفتح مجالات جديدة أمام المشروعات الصغيرة والمتوسطة، فضلاً عن توفير الوقت والجهد للمستهلكين وتعزيز المنافسة.
وأوضح كوسا أن التوسع في هذا النشاط يواجه تحديات عدة، أبرزها ضعف البنية التحتية الرقمية، ومشكلات الاتصال والكهرباء، ومحدودية وسائل الدفع الإلكتروني، وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب ضعف الثقة بالمعاملات الرقمية، ومخاطر الاحتيال، ونقص بعض الضوابط التنظيمية.
وأشار إلى أن التجارة الإلكترونية تتناسب مع التحولات الاقتصادية الحالية في سوريا، ويمكن أن تشكل أحد روافد التعافي الاقتصادي، لكن الاستفادة منها تتطلب التوسع التدريجي بالتوازي مع تطوير البنية التحتية وتعزيز أنظمة الدفع الآمن وتحديث الأطر التشريعية، بما يضمن حماية حقوق المستهلكين والتجار.
معوقات لوجستية وثقافية ومالية
لفت الخبير الاقتصادي إلى أن ضعف الثقافة الرقمية لدى التجار والمستهلكين، ونقص الكفاءات المدربة على إدارة المتاجر الإلكترونية والتسويق الرقمي، يشكلان أبرز العقبات أمام انتشار هذا النشاط، إلى جانب الصعوبات المرتبطة بشبكات الشحن والتوصيل خارج المدن الكبرى، وارتفاع تكاليف النقل ومحدودية أنظمة تتبع الشحنات.
ورأى كوسا أن معالجة هذه التحديات تتطلب تحسين خدمات الاتصالات والكهرباء، وتطوير وسائل الدفع والشحن، ورفع مستوى الثقافة الرقمية، وتعزيز ثقة المستهلكين، إلى جانب استكمال الأطر التنظيمية والرقابية التي تكفل وضوح الحقوق والواجبات وآليات تسوية النزاعات.
تحذير رسمي من مخاطر الاحتيال
في هذا السياق، حذرت وزارة الداخلية في الـ 28 من تشرين الأول من مخاطر الاحتيال المرتبطة بالتجارة الإلكترونية، في ظل التوسع المتسارع باستخدام وسائل الاتصال والتكنولوجيا الرقمية، داعية المواطنين إلى توخي الحذر والتحقق من الجهات التي يتعاملون معها قبل إجراء أي معاملات مالية أو تجارية عبر الإنترنت.
كما أكدت الهيئة الوطنية لخدمات تقانة المعلومات في شهر آب الماضي، ضرورة توخي المواطنين أعلى درجات الحذر تجاه الأساليب الاحتيالية المتطورة، والتي تستهدف سرقة الهوية الرقمية وانتحال الشخصية عبر الفضاء الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي.
وبيّن مركز أمن المعلومات بالهيئة أن محاولات الاختراق الممنهجة تهدف إلى السيطرة على الحسابات الشخصية والبريد الإلكتروني أو الهوية الإلكترونية الموحدة، لاستغلالها لاحقاً في عمليات الابتزاز الإلكتروني بمصادرة الملفات الخاصة ومساومة الضحية عليها مالياً، كما تشمل المخاطر ممارسة الاحتيال المالي عبر طلب حوالات نقدية عاجلة، فضلاً عن إمكانية استخدام الحسابات لتمرير معاملات غير قانونية ونشر معلومات مضللة.
المصدر: سانا