حين ابتلعت آلة الإجرام السعودي حياة "قرية الشرية "
سبتمبر نت : مراد راجح شلي : " حين ابتلعت آلة الإجرام السعودي حياة قرية الشرية "حكاية مجزرة قرية الشرية الزمان : يومنا هذا السبت السبت7 نوفمبر 2026.المكان : قرية الشرية مديرية بني حشيش محافظة صنعاء . كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة ظهراً في قرية الشرية بمديرية بني حشيش .حرارة الشمس التي تتوسط كبد السماء تلسع كل ملمح طبيعي، وآدمي فيما النساء والأطفال يقبعون بمنازلهم القروية المتراصة . لم يكن ثمة ما يستدعي القلق كان رجال القرية يمضون في تفاصيل عمل يومهم العادي فيما داخل المنازل .. أمهات يتفقدن أطفالهن، وأطفال يتنقلون بين الغرف والأفنية، وأسر لم تكن تعرف أن هذا الصباح سيغدو آخر صباح يجمع بعض أفرادها تحت سقف واحد.كان كل شيء في مكانه .. الأبواب الخشبية العتيقة، النوافذ، الأثاث الريفي اليسيط ، الصور المعلقة على الجدران، وأصوات الحياة التي اعتادت البيوت أن تحتفظ بها .إلى أن جاءت آلة الاجرام السعودية وحصلت الانفجارات .في لحظة واحدة انقلبت القرية على وجهها. اهتزت المنازل، وتهاوت الجدران، وتصاعدت سحب الغبار، ووجد اهل القرية أنفسهم أمام مشهد لم يكن في أسوأ كوابيسهم.لم تعد هناك غرف يمكن الاهتداء إليها، ولا أبواب يمكن الوصول منها إلى أصحابها. لقد اختلطت الغرف بأسقفها، والأثاث بالحجارة، وأحلام الأطفال بتراب البيوت.تحت الأنقاض كانت ثمة حكايات لم تنتهِ بعد.طفل ينتظر يداً تمتد إليه، وأم تحاول أن تستدل على صوت ابنها وسط أصوات الاستغاثة، وأب يفتش بين الركام عن أفراد أسرته لا يعرف من نجا منهم، ولا من سبقه الموت.كان الأهالي يحفرون بأيديهم يرفعون الحجارة، وينادون أسماء أحبائهم. كلما أزاحوا حجراً، تمنوا أن يجدوا تحته نفساً يتنفس، أو عينين تفتحان، أو صوتاً يقول لهم: أنا هنا.لكن بعض النداءات لم تجد من يجيبها.ولم تكن المأساة قد بلغت نهايتها بعد فبينما كان اهل القرية والمسعفين يحاولون الوصول إلى الضحايا وانتشال الجرحى يعاود طيران العدوان السعودي استهداف الطرق والمسعفين لتصبح حتى محاولات إنقاذ الأرواح محفوفة بالخطر.ومع انكشاف حجم الكارثة بدأت الأرقام تتحدث عن فداحة ما حدث خمسة وعشرون شهيداً، وثلاثون جريحاً في حصيلة غير نهائية .خمسة وعشرون إنساناً لم يعودوا إلى بيوتهم، وثلاثون جريحاً خرجوا من ذلك الصباح بأجساد تحمل آثار الانفجار، وذاكرة ستظل تستعيد تفاصيله كلما أغمضوا أعينهم.لكن هل تستطيع الأرقام أن تحكي ما حدث؟هل يستطيع الرقم خمسة وعشرين أن يخبرنا كم أماً فقدت ابنها، وكم طفلاً أصبح يتيماً، وكم أباً سيعود إلى بيت لم يعد فيه من ينتظره ؟هل تستطيع الثلاثون إصابة أن تختصر وجع من نجا لكنه ترك تحت الركام جزءاً من روحه؟في قرية الشربة لم يكن القصف قد هدم المنازل وحدها؛ لقد اقتحم تفاصيل الحياة الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد إلا حين يفقدها.هناك، تحت ركام البيوت بقيت أشياء لم تعد لها قيمة عند أصحابها إلا لأنها كانت آخر ما جمعهم بأحبتهم .. لعبة طفل، ووسادة أم، وصندوق عنب مجفف وصورة رب اسرة لم تعد تعرف كيف تشرح غياب أصحابها.كانت الساعة الحادية عشرة ظهراً حين بدأ كل ذلك.لكن بالنسبة إلى من فقدوا أحبتهم لم ينتهِ ذلك الصباح بانتهاء الغارات، ولن تنتهي حكايته بانتهاء عمليات انتشال الضحايا.فبعض الساعات لا تمر ..تبقى معلقة في ذاكرة أصحابها.. تعيد إليهم صوت الانفجار، ووجوه الغائبين، واللحظة التي كانوا فيها عائلة تجتمع تحت سقف واحد قبل أن يصبح كل واحد منهم حكاية من حكايات الفقد.تلك هي حكاية قرية الشرية.. حكاية صباح لم يكن أهله ينتظرون منه سوى يوم عادي، فإذا به ينتزع منهم أعزاءهم، ويترك خلفه قرية تبحث في ركامها عن الحياة التي كانت هنا قبل الحادية عشرة ظهراً .
المصدر: 26 سبتمبر