المجد للصورة الصحفية
فى سنة 2008، كنت أقوم بتحرير باب فى مجلة المصور، كان عنوانه «المصور من 75 سنة»، كان قد بدأه الكاتب والمؤرخ الراحل جمال بدوى، كانت فلسفة الباب إعادة نشر بعض المواد القديمة، التى تحمل أهمية خاصة ويرى المحرر أنها لا تبتعد كثيرًا عن اللحظة الراهنة، وقد وجدت فى الأعداد القديمة ثروة من الصور الفوتوغرافية، فقررت أن يكون هناك عدد كل شهر، للصور فقط، واخترت له نفس عنوان هذا المقال.فى أحد الأعداد كانت الصورة الرئيسية للواء محمد نجيب رئيس الجمهورية مع مندوبة المصور فى الرئاسة، الآنسة إنجى رشدى، فيما بعد المحررة الكبيرة فى جريدة الأهرام.كان الرئيس نجيب قد دعا محررى الرئاسة إلى جلسة ودية فى قصر عابدين، مصحوبة بالشاى وبعض قطع الحلوى، ولما دخل القاعة وجد أن جميع الصحافيين من الرجال، فيما عدا صحفية تقف وحيدة بعيدًا عن الزحام، فما كان منه إلا أن حمل بيده فنجان الشاى وتحرك نحوها وقدمه إليها مرحبًا بوجودها على نحو خاص، نشرت المجلة الصورة مع احتفاء خاص أن السيد الرئيس قدّر محررة المجلة، أعدت نشر الصورة، وأضفت جملة واحدة تعليقًا هى «هكذا كان يعامل الصحفيين»، بعدها بأيام أبلغنى رئيس التحرير الزميل الأستاذ عبد القادر شهيب أن نشر الصورة قوبل بامتعاض من بعض المسئولين فى الدولة واعتبرها أحدهم «تلسين» مقصود من المحرر الذى هو «أنا»، عوتب السيد رئيس التحرير على السماح بنشرها، لكنه دافع عن النشر. تذكرت هذه الواقعة وغيرها، حين وجدت فريق العمل بمؤسسة دار الهلال ومجلة «المصور»، تصدر مجلدًا ضخمًا، قام عليه فريق من الزملاء والزميلات، يقودهم رئيس التحرير عبد اللطيف حامد وعمر سامى رئيس مجلس الإدارة، ودعم كامل من الهيئة الوطنية للصحافة ورئيسها المهندس عبد الصادق الشوربجى.يضم المجلد حوالى ألفى صورة فوتوغرافية سبق أن نُشرت بالمجلة منذ تأسيسها فى أكتوبر سنة 1924، كل صورة أقرب إلى وثيقة فى مجالها، بالتأكيد ينطوى إعادة النشر على رغبة فى تنشيط الذاكرة البصرية بخصوص العديد من الأحداث الكبرى، بعضها قد يكون سقط من ذاكرة الكثيرين، بعضها الآخر يذكرنا بأحداث عظيمة شهدتها مصر، الصور منذ التأسيس، أى زمن الملك فؤاد وحتى الآن، بل هناك صور تعود إلى القرن التاسع عشر، مثل صورة محطة مصر بالإسكندرية وهى فى مستوى رفيع من النظافة والجمال، ترجع إلى سنة 1870.سياسيًا نجد صورة حكومة الشعب بتشكيلها الكامل يتوسطهم الزعيم سعد زغلول، عدة صور لجنازة سعد زغلول، ثم صور المسيرات فى شوارع القاهرة لمرور أربعين يومًا على الوفاة، أبرزها مسيرة طلاب كلية دار العلوم ومسيرة ضخمة أمام بيت الأمة.عرفنا جنازات كبرى ومؤثرة، من الزعماء مصطفى كامل وسعد زغلول وعبد الخالق ثروت، حتى جمال عبد الناصر، كانت جنازة عبد الناصر مليونية فعلًا، لكن بفارق الزمن وتعداد السكان يمكن قول الشىء نفسه عن جنازة الزعيم الشاب مصطفى كامل وجنازة سعد باشا. عرفنا كذلك جنازة أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، حشود ضخمة أربكت شوارع العاصمة، لكن أن تكون هناك حشود ومسيرات فى ذكرى الأربعين، فذلك هو الجديد والاستثناء فيما يخص سعد، عين المصور الصحفى التقطت تلك المشاهد وحفظته لنا.وتسجل الكاميرا مشهد زيارة اللواء محمد نجيب فى شهر نوفمبر سنة 1952، إلى جامعة إبراهيم باشا، عين شمس حاليًا وحوله مئات الطلاب، لا نجد فى الصورة وزير المعارف ولا مدير الجامعة، كان محمد نجيب يقوم بزيارات مفاجئة، بتعبيرنا الآن، كانت عادته بعد أن يركب السيارة يخبر السائق بالمكان الذى يود أن يذهب إليه، دون أى إبلاغ للجهة التى يتحرك نحوها ويبدو أن مكتبه ومعاونيه ما كانوا يهتمون بمثل تلك التفاصيل، لكن الواضح أنه كان يبلغ بعض الصحفيين، مثلًا حدث أن استمع، ذات صباح، فى الإذاعة من راديو السيارة أن حريقًا ضخمًا وقع فى قرية «صهرجت الكبرى» بمركز ميت غمر وأن سيدة فقدت ابنها فى الحريق، طلب من السائق التوجه نحو القرية وذهب إلى السيدة المكلومة جلس إلى جوارها، على الأنقاض، يواسيها وراح يحكى معها ببساطة، عن أننا جميعًا نفقد الأحباء، ثم عاد، نشرت مجلة المصور صور الزيارة، والأهالى يتحلقون حوله، المشكلة أن العمدة لم يكن هناك، كان فى البندر «المدينة»، ولم يحضر أى مسؤول تلك الزيارة، لم يتم إبلاغ المحافظ، هو وحده وسط الأهالى الذين احترقت دورهم وبعض محاصيلهم، كنا فى فصل الصيف، وقبل أن يغادر قدم مبلغًا من المال للسيدة.من الصور اللافتة مشهد الطوابير الممتدة مسافات، أمام بعض لجان الاستفتاء على دستور سنة 1956، مع حالة من الزهو والبهجة تبدو فى العيون، قد لا يدرك الجيل الحالى ذلك المشهد، كان الاستفتاء بعد إتمام الجلاء البريطانى عن مصر، الحلم الذى عاشت عدة أجيال تحلم به وناضلوا من أجله وقدموا تضحيات ضخمة، حتى تحقق تمامًا فى 18 يونية 1956.ونعرف من إحدى مقالات د. طه حسين، آنذاك أن مصدر السعادة بذلك الدستور أنه بدأ بجملة «باسم الشعب»، ولم يكن منحةً من الملك، كما كان الحال فى دستور سنة 1923، صاحب المنحة ممكن أن يسحبها فى أى وقت، الملك فؤاد فعل ذلك سنة 1930، وتم فعلًا إلغاء الدستور، الملك فاروق فيما بعد، تلاعب بالدستور أكثر من مرة، لكن حين يكون الدستور باسم الشعب، لا يحق لأى فرد المساس به.الآن هناك بعض تقييمات سلبية لتجربة دستور سنة 56 والمرحلة كلها، لكن فى حينه كان الأمر مختلفًا، وهذا يفتح الباب أمام تساؤلات عديدة فى تعاملنا مع الأحداث التاريخية، هل نفهمها ونحكم عليها بمعيار والظروف التى أحاطت بها وقت حدوثها أم بمعيار اللحظة الراهنة التى نعيشها - نحن - حاليًا؟ الصورة الصحفية لم تقف عند المشاهد والشخصيات السياسية والوطنية الكبرى، بل ذهبت إلى المواطنين العاديين فى حياتهم اليومية، صورة ساعى البريد فى القرية على حماره، يحيط به الأهالى ينتظرون خطاباتهم، صور الحلاق فى المناطق الشعبية، صور البواخر قادمة فى النيل محملة بالبلاليص الفخار، مشاهد ومظاهر باتت فى ذمة التاريخ، يمكن أن يدرسها الباحثون فى علم الاجتماع والتاريخ الثقافى.نعم.. المجد للصورة الصحفية
المصدر: المصري اليوم