شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

خمس سنوات في رئاسة تحرير موقع «التنسيقية» للمقالات

خمس سنوات في رئاسة تحرير موقع «التنسيقية» للمقالات

فى مثل هذا اليوم من شهر نوفمبر ٢٠٢١، قررت «تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين» إطلاق منصة إلكترونية متخصصة فى مقالات الرأى، وإسناد مهمة رئاسة تحريرها إلىّ أنا. وكان الشعار الذى اقترحته هو «مقال بمفهوم جديد»؛ إذ كان الهدف هو محاولة فتح باب واسع للرأى، بقدر ما تسمح به السياقات كلها. ومنذ البداية، كان رهانى الأساسى على التنوع. وقد كتبت فى أول مقال نُشر بالموقع أن من يختزل العالم فى الأبيض والأسود يفقد ثراء الحياة.التنسيقية هى تجربة سياسية مصرية، جمعت منذ تأسيسها أفرادًا من خلفيات حزبية وفكرية مختلفة، وفتحت أمامهم مساحة ما للتفاعل والمشاركة العامة، لتتحول بشكل ما إلى منصة للحوار والعمل العام، وقد نجحت فى ذلك بدرجة وفشلت بأخرى، لكنها تبقى محاولة مهمة تحتاج إلى الكثير من التأطير والأدبيات والشهادات، وهو ما أقوم بجزء منه الآن؛ إذ انتهيت من كتاب، يصدر فى معرض القاهرة الدولى للكتاب، عن صناعة النخبة فى مصر، وكواليس العمل داخل هذا الكيان، سواء فى البرلمان أو خارجه. والكيان هو قطاع عرضى فى مجتمعنا، لا هو تنظيم ملائكى بكل تأكيد، ولا هو تحالف مصالح وكفى، فالأمور أكثر عمقًا من ذلك، والتشابكات أكثر تعقيدًا من هذا.مع موقع «التنسيقية» للمقالات (وليس موقع «مقالات التنسيقية»، كما يخطئ البعض أحيانًا)، ألهمت الفكرة الكثيرين، فخلال سنوات بدأت كيانات وأحزاب فى محاكاة التجربة وإطلاق منصات خاصة للمقالات. وهى محاولات جيدة وإن افتقدت الاستدامة والطابع الرسمى (موقع التنسيقية رسمى ومرخص من الجهات المختصة). عملت طوال هذه السنوات متطوعًا: لم أتقاض أى أجر، ولا أريد ذلك، ولم أتلق أى شكر بأى شكل، ولا أرغب فى هذا، كما لم أضع اسمى على الموقع أصلًا، فالقيمة ليست فى «ترويسة» بل فى المحاولة ذاتها. كما تم العمل دون أى إعلانات ممولة، وهو ما أثّر بطبيعة الحال على حدود الانتشار وسرعة الوصول إلى جمهور أوسع. لكن يكفى أن الموقع أصدر ١٧٣١ عددًا، وهو رقم لا يعبر فقط عن انتظام النشر، بل عن إصرار يومى على أن تظل الكلمة حاضرة رغم ضعف الإمكانيات.نشر الموقع ما يزيد على ثمانية آلاف مقال كتبها آلاف الكُتاب والكاتبات. وهذا ليس رقمًا فنيًا باردًا، بل شهادة على حيوية فكرية حقيقية. آلاف العقول قررت أن تكتب، وأن تشارك، وأن تعبّر بحرية ومسؤولية، فوجدت مساحة تستقبلها بلا شروط مسبقة، قدر الإمكان، ولا عداءات لاحقة، بكل تأكيد. قبل التحديث الأخير، الذى أنهى شكل الموقع المعتاد وحوّله من منصة للمقالات إلى موقع عام أصبحت المقالات أحد أقسامه، لم تكن القيمة الحقيقية فى الشكل أو الشعار، بل فى رسالته: أن يكون صوتًا لمن لا صوت لهم. فُتح الباب أمام المبتدئين قبل المخضرمين، لأن مصر لا ينقصها أصحاب الرأى، بل هم فى حاجة لمنصة. ومع الوقت، ظهرت أقلام شابة وجدت فى الموقع فرصة أولى، ثم انتقل بعضها إلى صحف ووسائل إعلام أكبر. وهذا وحده كافٍ لأن أشعر بالفخر: الموقع صار مصنعًا صغيرًا للكتابة الجادة.لم تكن المهمة سهلة: إدارة ومراجعة وتحرير آلاف المقالات، والتعامل مع كُتّاب من خلفيات ورؤى مختلفة، وصيانة المساحة المشتركة من الانزلاق إلى الشعبوية أو النخبوية، كلها كانت تحديات يومية. لكن هذه التحديات هى نفسها ما منح التجربة معناها، لأنها جزء من محاولة صعبة لصناعة مجال عام أكثر اتزانًا.نحو أربع ساعات من العمل اليومى، على مدار خمس سنوات، لم تكن وقتًا ضائعًا، بل انغماسًا كاملًا فى مقالات ومراسلات ومراجعات ومتابعات، ومحاولة دائمة لضبط الإيقاع بين حرية التعبير ومسؤولية النشر، مع الشد والجذب والعزف على الخطوط الحمراء. أربع ساعات قد تبدو رقمًا صغيرًا، لكنها حين تتكرر لسنوات تتحول إلى جزء من العُمر، وإلى استثمار حقيقى فى مساحة كتابة لها أثرها وذاكرتها، والتى كان لا بد أن تتوسع ويتم البناء عليها. عمومًا: هذه السنوات، بآلافها الثمانية من المقالات، ليست مجرد أرشيف، بل تاريخ حى. وأتشرف بأننى صنعته وحافظت عليه لسنوات نحكى عنها كلها قريبًا بحلوها ومرها.

المصدر: المصري اليوم