شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

سرقة المواشي وهدم المنازل .. البؤر الاستيطانية تخنق الحياة الفلسطينية

سرقة المواشي وهدم المنازل .. البؤر الاستيطانية تخنق الحياة الفلسطينية

تتسارع وتيرة الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، وسط تصاعد اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين على القرى والتجمعات الزراعية والرعوية، بالتزامن مع عمليات عسكرية وقيود إدارية واقتصادية تدفع آلاف الفلسطينيين إلى مغادرة مناطق إقامتهم، فيما تتسع رقعة البؤر الاستيطانية على حساب الممتلكات الخاصة والأراضي الزراعية ومصادر المياه.

وتكشف المعطيات التي أوردتها الصحافية الإسرائيلية أميرة هاس، في تحقيق نشرته مجلة “لوموند ديبلوماتيك” الفرنسية، عن اتساع نطاق الاعتداءات خلال السنوات الأخيرة، مع تزايد حالات اعتقال فلسطينيين حاولوا حماية ممتلكاتهم من المستوطنين، وتنامي ظاهرة تهجير التجمعات الرعوية، في ظل إجراءات إسرائيلية تسهم في تقليص المساحات المتاحة أمام السكان الفلسطينيين لممارسة أنشطتهم الزراعية والاقتصادية.

وتبرز إحدى الوقائع التي وثقتها الصحافية، قرب مدينة رام الله، جانبًا من هذه الممارسات، بعدما اعتقل الجيش الإسرائيلي شقيقين من عائلة حمايل عقب تعرض مزرعة الأسرة لسرقة نحو مئة رأس من الأغنام، إذ توجه الشقيقان برفقة والدهما وأحد أقاربهما إلى المكان لاستعادة بعض الممتلكات، قبل وصول مستوطنين استدعوا جنودًا إسرائيليين اعتقلوا الشابين واقتادوهما معصوبي العينين ومقيدي اليدين.

ولم يُفرج عن الشقيقين إلا بعد تدخل المحامية ريهام نصرة، التي تمكنت من تأمين إطلاق سراحهما بعد نحو يوم من الاحتجاز، دون توجيه اتهامات إليهما أو فرض شروط على الإفراج عنهما، في واقعة تعكس الصعوبات القانونية التي يواجهها فلسطينيون يجدون أنفسهم رهن الاعتقال عقب تعرض ممتلكاتهم للاعتداء.

وتشير المعطيات الحقوقية إلى تكرار حالات مماثلة، إذ تلقى صندوق المدافعين عن حقوق الإنسان، وهو منظمة حقوقية تعمل من إسرائيل، خلال غشت 2026 بلاغات بشأن نحو ستين فلسطينيًا اعتقلهم عسكريون إسرائيليون في ظروف مرتبطة باعتداءات المستوطنين، بينما يرجح أن العدد الفعلي أعلى بسبب عدم تمكن جميع المتضررين من الوصول إلى المساعدة القانونية.

توسع البؤر الاستيطانية وتصاعد الاعتداءات

تظهر بيانات حركة “السلام الآن” الإسرائيلية ارتفاع عدد البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية إلى 390 بؤرة، مقابل 146 مستوطنة أُنشئت بصورة رسمية منذ سنة 1967، فيما أُقيمت 249 بؤرة خلال السنوات الأربع الأخيرة، ما يعكس تسارع وتيرة التوسع الاستيطاني في مناطق واسعة من الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وتُنشأ هذه البؤر، وفق المعطيات الواردة في التحقيق، على أراضٍ عامة أو خاصة دون موافقة أجهزة التخطيط الإسرائيلية، لكنها تستفيد من أشكال مختلفة من الدعم اللوجستي والمالي، تشمل توفير الطرق ومصادر المياه والتجهيزات اللازمة للاستقرار، الأمر الذي يمنح المستوطنين قدرة متزايدة على توسيع نطاق سيطرتهم على الأراضي المحيطة بها.

وتؤكد بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية تسجيل 6190 اعتداءً للمستوطنين تسبب في إصابات أو أضرار بالممتلكات والمزروعات والحيوانات خلال الفترة الممتدة من سنة 2023 إلى سنة 2026، منها 1836 اعتداءً خلال سنة 2025، بينما بلغ عدد الاعتداءات المماثلة 1418 خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2026.

وتعكس المقارنة مع السنوات السابقة ارتفاعًا كبيرًا في مستوى العنف، بعدما أحصت الأمم المتحدة 182 اعتداءً طوال سنة 2006، قبل أن يرتفع العدد إلى 423 اعتداءً سنة 2011، فيما تشير المعطيات الحديثة إلى تسجيل مئات الاعتداءات خلال فترات زمنية أقصر بكثير.

أما دائرة شؤون المفاوضات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية فأحصت 3270 اعتداءً ومضايقة نفذها مستوطنون خلال الفترة الممتدة من يناير إلى يوليوز 2026، ويشمل هذا الرقم عمليات الاقتحام والترهيب التي لا تؤدي بالضرورة إلى إصابات أو أضرار مادية، وهو ما يفسر اختلافه عن الإحصاءات الأممية التي تعتمد معايير محددة لتوثيق الاعتداءات.

وتتخذ هذه العمليات أشكالًا متعددة، تشمل الاعتداء الجسدي على المزارعين والرعاة، وإحراق المنازل والحقول، واقتلاع الأشجار المثمرة، وسرقة الأغنام، وتخريب قنوات المياه والخزانات، فضلًا عن إدخال قطعان المواشي إلى الأراضي المزروعة لإتلاف المحاصيل ومنع أصحابها من استغلالها.

وتوثق الشهادات الميدانية مشاركة أطفال ومراهقين من المستوطنات في مضايقة الفلسطينيين، من خلال اقتحام الأراضي الزراعية وإتلاف المحاصيل واستفزاز الرعاة، بينما يواجه السكان خطر الاعتقال بتهمة الاعتداء على قاصرين إذا حاولوا التصدي لهذه الممارسات.

وفي إحدى الوقائع التي شهدتها قرية أم الخير جنوب الضفة الغربية، احتجز مستوطنون ناشطًا بريطانيًا كان يحاول منع اقتحامات نفذها أطفال للمناطق الزراعية، واتهموه بارتكاب اعتداء جنسي على قاصرين قبل تسليمه إلى الشرطة الإسرائيلية وترحيله، وفق ما ورد في التحقيق.

وتكشف منشورات تداولتها مجموعات استيطانية عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي عن تفاخر بعض المشاركين في هذه الاعتداءات بما ينفذونه داخل القرى الفلسطينية، إذ تضمنت رسالة نُشرت يوم 10 شتنبر 2026 قائمة بأكثر من 150 بلدة وقرية تعرضت لهجمات، إلى جانب أرقام أعلنها ناشرو الرسالة بشأن إحراق مركبات ومبانٍ ومساجد وإصابة فلسطينيين، وهي حصيلة صادرة عن المجموعة نفسها وليست إحصاءات مستقلة.

تهجير التجمعات الفلسطينية واتساع السيطرة على الأراضي

أدت الاعتداءات المتكررة والقيود المفروضة على الأنشطة الزراعية والرعوية إلى تهجير سكان عشرات التجمعات الفلسطينية، إذ اضطر سكان 74 تجمعًا وعائلة من الرعاة إلى مغادرة أماكن إقامتهم منذ سنة 2022، بما يعادل نحو خمسة آلاف شخص، بينما غادر نحو خمسمئة آخرين 18 تجمعًا لا يزال بعض سكانها متمسكين بالبقاء فيها.

ويحدث التهجير في كثير من الحالات نتيجة تراكم الضغوط اليومية، خصوصًا منع الرعاة من الوصول إلى المراعي ومصادر المياه، وإتلاف المحاصيل وسرقة المواشي والاعتداء المتكرر على السكان، ما يحرم العائلات من الموارد التي تعتمد عليها ويجعل مواصلة الإقامة في مناطقها الأصلية أمرًا بالغ الصعوبة.

وتشير التقديرات التي أوردها التحقيق إلى أن المستوطنين تمكنوا خلال السنوات الأخيرة من حرمان الفلسطينيين فعليًا من استخدام أكثر من ألف كيلومتر مربع من الأراضي، أي ما يقارب خُمس مساحة الضفة الغربية، مستفيدين من انتشار البؤر الاستيطانية والمساندة العسكرية وضعف إجراءات إنفاذ القانون في مواجهة الاعتداءات.

ويسمح إخلاء المناطق الرعوية بتوسيع نطاق النشاط الاستيطاني نحو أطراف القرى والبلدات، حيث تتزايد الاعتداءات على المنازل والأراضي الخاصة، كما حدث في قرية جالود التي استولى فيها مستوطنون على ثلاثة منازل فلسطينية، فيما تعرضت منازل أخرى في قرية قصرة لمحاولات اقتحام ومضايقات متكررة.

وفي محيط رام الله، تعرضت عائلة برهان لاعتداء داخل منزلها عندما اقتحمه مستوطن يحمل مطرقة، مرددًا باللغة العربية عبارة “هذا منزلي”، وفق شهادة إحدى أفراد الأسرة، التي أفادت بأن المهاجم ضرب امرأة تبلغ 65 عامًا بحجر وأصابها بجروح، بعدما طلبت من طفل إبعاد قطيع أغنام عن بستان العائلة.

وتعرض أفراد من الأسرة للاعتقال عقب الواقعة، بينهم ابن المرأة الذي حاول التصدي للمعتدين، إذ احتُجز خمسة أيام قبل الإفراج عنه بكفالة مالية، ثم أعيد اعتقاله لاحقًا، بينما نفى متحدث باسم الجيش الإسرائيلي مسؤولية المستوطنين عن الاعتقال الثاني، كما نفى رواية تعرض الشاب للضرب على أيدي الجنود.

ودفعت الاعتداءات المتكررة العائلة إلى إقامة سياج مرتفع وبوابات حديدية وكاميرات مراقبة حول المنزل، فيما أصبحت تتجنب الوصول إلى أشجار الزيتون القريبة منه، خشية التعرض لاعتداءات جديدة.

وتشير الوقائع الموثقة إلى سقوط ضحايا خلال الهجمات على القرى الفلسطينية، ففي مارس 2026 قُتل ثلاثة فلسطينيين في قرية خربة أبو فلاح خلال هجوم نفذه إسرائيليون قدموا من بؤرة استيطانية حديثة، حيث قُتل أحد الضحايا برصاص مهاجم، بينما لم يتمكن الشهود من تحديد ما إذا كانت الرصاصة التي قتلت الضحية الثانية قد صدرت عن مستوطن أو أحد أفراد القوات الإسرائيلية، في حين توفي الثالث نتيجة استنشاق الغاز المسيل للدموع.

وخلال الفترة الممتدة من فاتح يناير إلى الثامن من شتنبر 2026، سُجل مقتل 88 فلسطينيًا برصاص إسرائيلي في الضفة الغربية، بينهم 21 قاصرًا، وكان أصغر الضحايا طفلًا لم يبلغ عامه الأول، فيما راجعت منظمة “بتسيلم” الحقوقية ملابسات 49 حالة وفاة، مشيرة إلى أن الشهادات المتاحة لا تؤيد دائمًا الروايات العسكرية الإسرائيلية بشأن ظروف استخدام القوة المميتة.

وامتدت عمليات التهجير إلى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، بعدما أدت العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنين وطولكرم خلال الأشهر الأولى من سنة 2025 إلى نزوح أكثر من 33 ألف فلسطيني، اضطروا إلى الإقامة لدى أقاربهم أو استئجار مساكن أو الانتقال إلى مراكز إيواء، في وقت تعرضت فيه منازل داخل المخيمات للهدم وأراضٍ زراعية للتجريف.

وبررت السلطات الإسرائيلية عملياتها العسكرية بالسعي إلى القضاء على ما تصفه بالبنية التحتية للإرهاب، بينما أثارت عمليات النزوح وهدم المنازل مخاوف حقوقية بشأن التداعيات الإنسانية لاستمرار هذه الإجراءات على السكان المدنيين.

حصار اقتصادي وقيود عسكرية على الحياة اليومية

تتزامن الاعتداءات الاستيطانية مع انتشار واسع للحواجز العسكرية والبوابات الحديدية داخل الضفة الغربية، إذ يبلغ عدد العوائق التي تعرقل التنقل نحو ألف حاجز من أنواع مختلفة، بينها 450 بوابة حديدية عند مداخل المدن والقرى ومخارجها، يمكن للقوات الإسرائيلية إغلاقها وفق اعتبارات أمنية.

وتؤثر هذه القيود على حركة العمال والطلبة والمرضى والمزارعين، وتعطل وصول المنتجات الزراعية إلى الأسواق، كما تتسبب في عزل تجمعات سكنية عن محيطها، وتضاعف تكاليف النقل والأنشطة التجارية، خصوصًا في المناطق التي تعتمد على التنقل اليومي بين القرى والمدن.

وأحصت دائرة شؤون المفاوضات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية 1358 مداهمة واقتحامًا عسكريًا خلال غشت 2026، شملت دخول الأحياء السكنية وتفتيش المنازل وتنفيذ اعتقالات، فيما بلغ مجموع الوقائع المرتبطة بالاحتلال التي وثقتها خلال الشهر نفسه 4485 واقعة، تضمنت اعتداءات على الأشخاص والممتلكات وإغلاق طرق ومصادرة أراضٍ وقيودًا على المؤسسات التعليمية والصحية.

وتتفاقم الأوضاع الاقتصادية بفعل استمرار احتجاز إسرائيل جزءًا من أموال الضرائب والجمارك المستحقة للسلطة الفلسطينية، والتي تشكل ما بين 60 و70 في المئة من مجموع إيراداتها، إلى جانب منع نحو 120 ألف عامل فلسطيني من استئناف وظائفهم داخل إسرائيل، وتشديد القيود على الحركة التجارية والتنقل داخل الضفة الغربية.

وتؤدي هذه الإجراءات إلى تراجع الموارد المالية للسلطة الفلسطينية وإضعاف قدرتها على دفع الأجور وتمويل الخدمات العامة، كما تنعكس على مستويات دخل الأسر والعاملين في القطاع الخاص، ولا سيما أصحاب المقاولات الصغيرة والمزارعين والعمال الذين يعتمدون على فرص التشغيل داخل إسرائيل.

وتنعكس الأزمة المالية كذلك على مؤسسات الصحة والتعليم، في ظل تراجع الإمكانات المتاحة لتوفير الخدمات الأساسية، وصعوبة وصول المرضى والطواقم الطبية والطلبة إلى المؤسسات المعنية، بسبب القيود المفروضة على الحركة بين مختلف مناطق الضفة الغربية.

وفي مجال البناء والتعمير، تحتفظ السلطات الإسرائيلية بصلاحيات إصدار التراخيص في أكثر من 60 في المئة من مساحة الضفة الغربية، إلى جانب القدس الشرقية، فيما تفرض إجراءات تقييدية على منح رخص البناء للفلسطينيين، ما يجعل عددًا من المنشآت عرضة للهدم بدعوى تشييدها دون تراخيص.

ووفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الواردة في التحقيق، فقد نحو 1380 فلسطينيًا مساكنهم نتيجة عمليات هدم منشآت خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026، في سياق استمرار النزاع بشأن تراخيص البناء واستعمال الأراضي في المناطق الخاضعة للإدارة الإسرائيلية.

وترتبط هذه التطورات بتوجهات سياسية تدافع عن توسيع الاستيطان وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، ويبرز ضمنها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي طرح سنة 2017 مشروعًا سياسيًا تحت اسم “خطة الحسم”، يقوم على رفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة بين البحر المتوسط ونهر الأردن.

وتشير المعطيات الواردة في التحقيق إلى أن السياسات الاستيطانية والإجراءات الإدارية والعسكرية تسهم في إعادة تشكيل الواقع الجغرافي للضفة الغربية، عبر توسيع نطاق الأراضي التي يسيطر عليها المستوطنون وتقليص قدرة الفلسطينيين على استغلال ممتلكاتهم الزراعية وإقامة تجمعاتهم السكنية.

ويثير استمرار الاعتداءات مخاوف من انتقالها بصورة أوسع من المناطق الرعوية والأراضي الواقعة على أطراف القرى إلى الأحياء السكنية داخل البلدات والمدن الفلسطينية، بما ينذر بمواجهات جديدة وتدخلات عسكرية إضافية، في وقت تواجه فيه المؤسسات الفلسطينية صعوبات متزايدة في حماية السكان والحفاظ على مقومات النشاط الاقتصادي والاجتماعي.

وتضع هذه التطورات مستقبل الضفة الغربية أمام تحديات ترتبط باتساع الاستيطان وتهجير السكان وتراجع الموارد الاقتصادية وتزايد القيود على التنقل والبناء، وهي عوامل تؤثر بصورة مباشرة في التواصل الجغرافي بين المناطق الفلسطينية وفي الإمكانات العملية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.

The post سرقة المواشي وهدم المنازل .. البؤر الاستيطانية تخنق الحياة الفلسطينية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

المصدر: هسبريس