شهران بين صفقة الإنقاذ ومغامرة التّصعيد
خسر ترامب الانتخابات، لكنه لم يفقد القدرة على إشعال الحرب. هذه هي المفارقة التي ينبغي أن تنطلق منها قراءة الشهرين المقبلين، فقد أراد الناخب الأميركي أن يضع قيوداً على رئيسه، بينما ما زال الرئيس يملك أدوات عسكرية وديبلوماسية تمس حياة أناس لم يشاركوا في انتخابه، ويدفعون مع ذلك ثمن قراراته. لذلك لا تكفي هزيمة الجمهوريين للاطمئنان إلى أن الحرب مع إيران تقترب تلقائياً من نهايتها.
الانتخابات رفعت كلفة الحرب سياسياً، لكنها لم تحدد لترامب طريقة الخروج منها. يستطيع أن يرى النتيجة دعوة إلى مراجعة اختياراته، وقد يراها سبباً لإثبات أنه لم يُهزم. وبين القراءتين تقع المسافة بين تسوية تنقذ ما يمكن إنقاذه، ومغامرة يُطلب منها أن تعيد كتابة المشهد كله.
ومع ذلك، فإن الحديث عن «شهرين أخيرين» يحتاج إلى دقة. بدء الولايات الجديدة للكونغرس في الثالث من كانون الثاني/يناير سيمنح الديموقراطيين أدوات أقوى للرقابة والضغط عبر التمويل والتشريع، لكنه لا ينهي صلاحيات الرئيس العسكرية. كما أن هذه الصلاحيات ليست مطلقة الآن. ما يضيق أمام ترامب هو هامش الحماية السياسية، وقدرته على التحرك بتكلفة داخلية أقل.
المشهد المعلن يحمل الاحتمالين معاً؛ ففي الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر تحدثت "رويترز" عن مقترح نووي إيراني نُقل عبر قطر، بينما نقلت تقارير أخرى للوكالة عن مصادر توقعها استئناف الضربات الأميركية. لا يثبت ذلك اتخاذ قرار نهائي بالهجوم، لكنه يكشف استمرار الجمع بين باب التفاوض وخيار القوة، في وقت لم تختفِ فيه الأخطار عن الملاحة في هرمز.
في تقديري يواجه ترامب مشكلة في تعريف النجاح قبل أن يواجه مشكلة في اختيار الوسيلة. فاستمرار الضغط لا يكفي إذا ظلت كلفته مرتفعة، وتدمير أهداف إضافية لا يضمن قبول إيران بالشروط الأميركية. أما التسوية، فتحتاج إلى تنازلات متبادلة يصعب تسويقها بعد خطاب طويل يعد بانتصار كامل. يريد الرئيس مخرجاً يمكن عرضه باعتباره إنجازاً، من دون أن يبدو تراجعاً فرضه الناخبون.
من هنا يبدو المسار الأقرب في المدى القصير هو مواصلة التفاوض تحت ضغط عسكري: تهديدات واستعدادات، وربما ضربات محدودة، يقابلها إبقاء الوساطة نشطة. وقد يعتقد ترامب أن إظهار الاستعداد للتصعيد سيقنع طهران بأن الأفضل لها تقديم تنازل الآن، قبل أن تتحول الأزمة إلى جولة أوسع.
لكن هذا الرهان يفترض قدرة على التحكم في رد الخصم. فالضربة التي تسميها واشنطن محدودة قد تراها طهران بداية لحملة تستوجب الرد. وقد تنتقل المواجهة إلى الملاحة أو المصالح الأميركية والإقليمية، فتعود كلفة الطاقة إلى الضغط على الاقتصاد. عندها يصبح السلاح المستخدم لتحسين شروط الخروج وسيلة لتعميق المأزق.
المسار الثاني هو تسوية مرحلية تقبل بأن إنهاء الخطر العاجل أيسر من حل الخلاف كله. يمكن تصور ترتيبات لتأمين الملاحة، وخفض التصعيد، وخطوات متبادلة تتعلق بالحصار والعقوبات، مع مسار تفاوضي للملف النووي. هذه احتمالات تحليلية، لا بنود اتفاق معلن. وقيمتها أنها تمنح الطرفين مساحة للتحرك من دون اشتراط تسوية نهائية لكل القضايا دفعة واحدة.
سيستطيع ترامب تقديم استعادة حركة التجارة وتراجع ضغط الطاقة بوصفهما ثمرة لسياسة القوة. وستستطيع إيران البحث عن مكسب اقتصادي وأمني تقدمه لجمهورها. لكن النجاح هنا يحتاج إلى ترتيب التنفيذ والضمانات، من يبدأ؟ وكيف يتحقق الطرف الآخر من التزامه؟ وما الذي يمنع انهيار التفاهم عند أول حادث؟ من دون إجابات عملية، يصبح الاتفاق استراحة قصيرة بين جولتين.
ثم إن الأسواق لا تستعيد ثقتها بأمر سياسي. فشركات الشحن والتأمين تحتاج إلى اقتناع بأن المرور آمن، وأن حادثاً جديداً لن يعيد إغلاق الطريق. لذلك قد يستغرق انتقال التهدئة من بيانات الوسطاء إلى فواتير المستهلكين وقتاً، حتى لو توقفت الضربات.
أما المسار الثالث فهو استمرار الاستنزاف من خلال تفاوض يتحرك ببطء، وعنف متقطع، ومخاطر بحرية مزمنة. لا يختاره الطرفان بالضرورة بوصفه الحل الأفضل الذي قد يستقران فيه لأن التنازل مكلف، والحرب الشاملة أشد كلفة. وهكذا تصل الأزمة إلى الكونغرس الجديد، بعد أن تستهلك شهرين آخرين من أمن المنطقة ومواردها.
ويبقى التصعيد الواسع احتمالاً لا يجوز إسقاطه. فقد يغري ترامب أن ينتزع نتيجة عسكرية قبل اشتداد الرقابة، أو أن يرد على تطور ميداني يراه تحدياً مباشراً. لكن اتساع الضربات لا يقدم ضماناً لاتساع المكاسب السياسية. وقد يطلق سلسلة ردود يصعب وقفها، خصوصاً إذا امتدت الأخطار إلى منشآت الطاقة ودول الخليج.
ولا تقف إيران خارج هذه الحسابات. تستطيع قراءة الهزيمة الأميركية فرصة للتسوية، وقد تقرؤها دليل ضعف يشجعها على التشدد. وإذا افترضت أن الأغلبية الديموقراطية المقبلة ستوقف ترامب فوراً، فقد ترتكب خطأً في تقدير ما يستطيع فعله. كما أن الرهان الأميركي على أن الضغط وحده سيجعل طهران تستسلم يتجاهل حسابات البقاء والهيبة داخل النظام الإيراني.
ترجيحي هو استمرار المزج بين التهديد والوساطة للبحث عن تسوية تحفظ ماء الوجه، مع بقاء خطر الانزلاق قائماً. لذلك ستكون طبيعة الانتشار العسكري، ومضمون مقترحات الوسطاء، واتساع الاعتراض الجمهوري على الحرب، مؤشرات أهم من ارتفاع نبرة التصريحات.
المطلوب إقليمياً هو العمل على ضمانات للملاحة وتهدئة قابلة للتنفيذ، بدل انتظار أن تصلح الانتخابات الأميركية ما أفسدته الحرب. فقد عاقب الأميركيون رئيسهم على كلفة قراراته، لكن المنطقة لا تملك رفاهية انتظار الدرس الانتخابي التالي. الشهران المقبلان اختبار لقدرة ترامب على العثور على مخرج لكن الخطر أن يحاول إثبات قوته بطريقة تجعل الخروج أصعب على الجميع.
المصدر: النهار