الحب من النظرة الأولى... حقيقة أم مجرّد إعجاب؟
لطالما استوقفتني عبارة "الحب من أول نظرة"، تلك الفكرة التي تبدو أقرب إلى حكايات الأفلام والروايات، حيث تكفي نظرة واحدة لتوقظ مشاعر يصعب تفسيرها. لكن هل يمكننا حقاً أن نحب شخصاً لمجرّد أن تقع أعيننا عليه؟ وهل يمكن لنظرة عابرة أن تجعلنا نشعر بأننا وجدنا الشخص الذي نبحث عنه، وكأننا نعرفه منذ زمن، رغم أننا لم نتبادل معه سوى النظرات؟بين الرومانسية والعلم، يبقى الحب من النظرة الأولى موضوعاً يثير الفضول ويطرح تساؤلات حول طبيعة المشاعر الإنسانية، وما إن كان ما نشعر به في اللحظة الأولى حباً حقيقياً أم انجذاباً أولياً قد يتطوّر مع الوقت. لطالما شكّل الحب من النظرة الأولى موضوعاً جذاباً لصنّاع السينما، الذين قدّموا قصصاً رومانسية بدأت بلقاء عابر أو نظرة خاطفة، ثم تحوّلت إلى علاقات غيّرت حياة أبطالها. ففي فيلم "روميو وجولييت" (1996)، تتلاقى عينا "روميو" و"جولييت" للمرة الأولى خلال حفلة، في مشهد أيقوني يمهّد لقصة حب تتحدى العداوة بين عائلتيهما. أما في فيلم The Notebook" (2004)"، فينجذب "نوح" إلى "آلي" منذ اللحظة التي يراها فيها في مدينة الملاهي، لتتحوّل شرارة الإعجاب الأولى إلى علاقة عاطفية تواجه الكثير من العقبات. وفي فيلم Love at First Sight" (2023)"، يلتقي "هادلي" و"أوليفر" صدفة على متن رحلة جوية من نيويورك إلى لندن، وينشأ بينهما انسجام فوري، قبل أن تفرّقهما الظروف ويدفعهما القدر إلى محاولة العثور على بعضهما مجدداً.هذه الأعمال، على اختلاف قصصها، أسهمت في ترسيخ فكرة أن لقاءً واحداً قد يكون كافياً لإشعال شرارة عاطفية. لكن، بعيداً من الصورة الرومانسية التي ترسمها الشاشة، يبقى السؤال: هل تكون تلك الشرارة حباً حقيقياً، أم هي مجرد إعجاب يحتاج إلى الوقت والمعرفة حتى يتضح معناه؟ يجيب د. حسين درويش، جرّاح الدماغ والأعصاب والعمود الفقري، عن هذا التساؤل بالقول: "الحب من النظرة الأولى حقيقة، لكنه ليس حقيقة كاملة".ويشرح في حديثه إلى "النهار" أن ما نسمّيه حباً من النظرة الأولى قد لا يكون حباً بالمعنى الفعلي، بل قد يكون إعجاباً أولياً بالشخص الذي نراه للمرة الأولى، مضيفاً: "عندما نقول إننا أحببنا شخصاً من النظرة الأولى، نحن في الواقع لا نكون قد أحببناه بعد، بل نكون قد أُعجبنا به من النظرة الأولى". لكن ما الذي يجعل شخصاً يلفت انتباهنا منذ اللحظة الأولى؟ وهل يقتصر الانجذاب على المظهر الخارجي؟في هذا السياق، يشير درويش إلى أن للجمال جانبين أساسيين، موضحاً: "نصفه يتعلق بالمظهر الخارجي، والنصف الآخر يرتبط بطريقة حديثنا وتعاملنا مع الآخرين، وكيفية تقديم أنفسنا والتعبير عن شخصياتنا".وبذلك، لا يتوقف الانطباع الذي نكوّنه عن الآخرين عند حدود الشكل، بل يتأثر أيضاً بالطريقة التي يعبّرون بها عن أنفسهم وبحضورهم وتفاعلهم مع المحيطين بهم. إذن، قد تكون النظرة الأولى بداية الحكاية، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد نهايتها. فالإعجاب بشخص ما لا يعني بالضرورة أننا نعرفه أو أننا قادرون على بناء علاقة عاطفية معه.ويؤكد درويش أن الحب يحتاج إلى ما هو أبعد من الانطباع الأول، إذ يقول: "قد نُعجب بشخص بمجرد رؤيته، لكننا لا نقع في حبه إلا عندما نتعرّف إليه ونعيش معه ونكتشف جوانب شخصيته".ويضيف موضحاً العلاقة بين الشعورين: "الإعجاب هو بداية الطريق إلى الحب، لكنه ليس الحب بحدّ ذاته".ربما تمنحنا النظرة الأولى شرارة الانجذاب، لكن الوقت والتجارب واكتشاف شخصية الآخر هي التي تكشف إن كان هذا الشعور العابر سيكبر ويتحوّل إلى حب حقيقي.
المصدر: النهار