شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

عينٌ على واقع زيتون جنوب لبنان وسط الحرب.. رسالة بالأرقام إلى المستهلك اللبناني

عينٌ على واقع زيتون جنوب لبنان وسط الحرب.. رسالة بالأرقام إلى المستهلك اللبناني

في وقت لا تزال فيه تداعيات الحرب الإسرائيلية تلقي بثقلها على القطاع الزراعي في جنوب لبنان، تتصاعد المخاوف بشأن مستقبل الإنتاج الزراعي وسلامة المحاصيل، ولا سيما زيت الزيتون الذي يشكّل أحد أبرز مصادر رزق العائلات الجنوبية. Advertisement مع صدور نتائج فحوصات مخبرية أكدت مطابقة عينات من الزيت الجنوبي للمواصفات المعتمدة، برزت تساؤلات بشأن حجم الأضرار الفعلية التي لحقت بالأراضي الزراعية، ومدى تأثير استخدام الفوسفور الأبيض والمواد الحارقة على الإنتاج، وإمكان استعادة ثقة المستهلك بالمنتجات الجنوبية. وفي هذا السياق، كشف مستشار وزير الزراعة السابق، عبدالله ناصرالدين، أن نحو 92.9% من إجمالي المساحات الزراعية المتضررة في لبنان تتركز في محافظتي الجنوب والنبطية، مشيراً إلى أن حجم الأضرار يعكس خطورة التداعيات الاقتصادية والبيئية للحرب، ويضع إعادة تأهيل القطاع الزراعي الجنوبي في صلب أولويات الأمن الغذائي اللبناني. وفي اتصال مع " لبنان 24" شدد ناصرالدين على ضرورة الفصل بين الأضرار التي لحقت بالمناطق الحدودية نتيجة الاستهداف المباشر، وبين سلامة المنتجات الزراعية في سائر المناطق الجنوبية، محذراً من تحويل المخاوف والشائعات إلى أحكام عامة تطال كامل الإنتاج الزراعي. نتائج الفحوصات.. رسالة اطمئنان للمزارعين والمستهلكين واعتبر ناصر الدين أن نتائج الفحوصات المخبرية الأخيرة بشأن الزيتون (للاطلاع على خبر نتائج الفحوصات اضغط هنا) تشكل رسالة إيجابية للمزارع الجنوبي والمستهلك اللبناني، خصوصاً أنها صدرت بالتزامن مع موسم قطاف الزيتون وعصره، الذي يحمل أهمية اقتصادية واجتماعية وتراثية كبيرة بالنسبة إلى أبناء الجنوب. وأوضح أن ثبوت مطابقة العينات التي خضعت للفحوصات للمواصفات المطلوبة، وخلوها من الملوثات التي شملتها التحاليل، يمثل مؤشراً علمياً مطمئناً، لكنه شدد في المقابل على ضرورة عدم تحويل المخاوف المرتبطة بالحرب إلى أحكام عامة تشمل كامل الإنتاج الزراعي الجنوبي. وقال: "لا يجوز أن نحاكم منتجاً زراعياً بأكمله بناءً على مخاوف أو افتراضات، بل يجب أن نحتكم إلى العلم والتحاليل المخبرية والنتائج الموثقة". ولفت إلى أن المزارع الجنوبي ليس مجرد منتج زراعي، بل صاحب خبرة متوارثة في الأرض، يعتني بأشجار الزيتون على مدار العام، ويشارك أفراد عائلته في قطاف ثمارها، فيما تنتقل هذه الأشجار من جيل إلى آخر بوصفها جزءاً من الإرث العائلي. وذكر أن شجرة الزيتون بالنسبة إلى أبناء الجنوب تتجاوز قيمتها الاقتصادية، إذ تشكل جزءاً من الهوية والذاكرة والانتماء، وترتبط بحياة العائلات الجنوبية منذ مئات السنين. ومن هذا المنطلق، رأى ناصرالدين أن دعم زيت الزيتون الجنوبي لا يقتصر على كونه خياراً استهلاكياً، بل يحمل أبعاداً اقتصادية ووطنية وأخلاقية، باعتباره دعماً للمزارعين الذين تمسكوا بأراضيهم وإنتاجهم رغم الحرب والدمار. الفوسفور الأبيض.. هل تضررت كل المناطق الجنوبية؟ وفي ما يتعلق بتأثير استخدام الفوسفور الأبيض والمواد الحارقة، شدد ناصرالدين على أهمية اعتماد قراءة جغرافية دقيقة للأضرار الزراعية، بعيداً عن تعميم نتائج الاستهداف على كامل مساحة الجنوب. وأوضح أن معظم البلدات الحدودية التي تعرضت بصورة مباشرة للهجمات بالفوسفور الأبيض والحرائق الواسعة تقع ضمن المناطق التي لا يزال الجيش الإسرائيلي يسيطر على أجزاء منها أو يمنع سكانها من العودة إليها، والتي يجري الحديث عنها في سياق ما يسمى بالمنطقة الأمنية الصفراء. وبحسب التقديرات التي أوردها، فإن مساحة المنطقة التي تسعى إسرائيل إلى فرض سيطرتها عليها تبلغ نحو 600 كيلومتر مربع، من أصل نحو 1992 كيلومتراً مربعاً تشكل مساحة محافظتي الجنوب والنبطية، أي ما يعادل نحو 30% من المساحة الجغرافية للمحافظتين. وأشار إلى أن المساحة المتبقية تبلغ نحو 1392 كيلومتراً مربعاً، أي ما يقارب 70% من إجمالي مساحة المحافظتين. واعتبر أن هذا التمييز الجغرافي بالغ الأهمية، لأن الجنوب لا يمكن اختزاله بالقرى الحدودية التي تعرضت لأشد الاعتداءات، موضحاً أن مساحات واسعة من الأراضي والقرى الجنوبية بقيت خارج نطاق الاستهداف المباشر بالمواد الحارقة، واستمرت فيها الأنشطة الزراعية بدرجات متفاوتة. وأكد أن تقييم سلامة زيت الزيتون يجب أن يستند إلى مصدر الثمار، وموقع الأراضي الزراعية، وطبيعة الأضرار التي تعرضت لها، فضلاً عن نتائج الفحوصات المخبرية الخاصة بكل عينة. وحذر من أن تتحول المناطق التي تعرضت للاستهداف إلى سبب لتشويه سمعة كامل الإنتاج الزراعي الجنوبي، أو أن يتحمل المزارعون في القرى التي لم تتعرض أراضيها للاستهداف المباشر تبعات مخاوف لا تستند إلى نتائج علمية تخص محاصيلهم. متابعة الأضرار خلال حكومة ميقاتي وتطرق ناصرالدين إلى الإجراءات التي اتُّخذت في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي خلال فترة عمله مستشاراً لوزير الزراعة السابق الدكتور عباس الحاج حسن، موضحاً أن ملف الأضرار الزراعية والبيئية الناجمة عن الحرب الإسرائيلية كان يحظى بمتابعة يومية ومباشرة من الوزير السابق. وأشار إلى أن الحاج حسن كان يعتبر هذا الملف من أولويات العمل الوطني، انطلاقاً من ارتباط حماية الأرض والإنتاج الزراعي بحماية الأمن الغذائي اللبناني. وشملت المتابعة، بحسب ناصرالدين، الأضرار التي لحقت بالثروتين الحرجية والنباتية نتيجة استخدام الفوسفور الأبيض والمواد الحارقة، والتي تسببت بحرائق واسعة امتدت من منطقة اللبونة غرباً إلى مزارع شبعا اللبنانية المحتلة شرقاً، وحولت مساحات شاسعة من الأراضي الخضراء إلى أراضٍ متضررة ومحروقة. وأوضح أنه جرى الاهتمام بسحب عينات من الأراضي التي تعرضت لهذه الهجمات وإخضاعها للفحوصات المخبرية، بهدف تحديد طبيعة الأضرار وإمكان استعادة النشاط الزراعي فيها. وشدد على ضرورة التمييز علمياً بين نتائج فحوصات التربة ونتائج فحوصات المنتجات الزراعية، مؤكداً أن أياً منهما لا يشكل بديلاً عن الآخر. ولفت إلى أن تقارير بيئية ودراسات دولية أظهرت وجود ملوثات وتغيرات في مستويات بعض العناصر والمركبات الكيميائية في مناطق حدودية متضررة، ما يستوجب استمرار الرصد والفحص قبل إعادة استثمار الأراضي المتضررة زراعياً. وأكد أن المقاربة المطلوبة لا تقوم على التقليل من حجم الأضرار، بل على التعامل معها وفق منهج علمي يتيح تحديد الأراضي القابلة لإعادة الاستثمار، ومعالجة المناطق المتضررة، وإعادتها إلى الدورة الإنتاجية وفق المعايير الفنية اللازمة. 52 ألف هكتار متضرر في الجنوب والنبطية وفي معرض حديثه عن حجم الخسائر، كشف ناصرالدين أن المساحات الزراعية المتضررة في لبنان بلغت، وفق الأرقام المعلنة، نحو 56 ألف هكتار، منها قرابة 52 ألف هكتار في محافظتي الجنوب والنبطية. وأوضح أن هذه الأرقام تعني أن نحو 92.9% من إجمالي المساحات الزراعية المتضررة على مستوى لبنان تتركز في المحافظتين، ما يعكس حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي الجنوبي. ورأى أن هذه النسبة لا تعبّر عن الخسائر الاقتصادية فحسب، بل تكشف أيضاً مدى ارتباط الأمن الغذائي اللبناني بقدرة الجنوب على استعادة دوره الزراعي والإنتاجي. وأشار إلى أن البيانات الزراعية المستندة إلى إحصاءات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) لعام 2024 تظهر أن محافظتي الجنوب والنبطية تشكلان معاً نحو 20% من إجمالي الأراضي المحصولية في لبنان، بواقع نحو 10% لكل محافظة. وشدد في هذا الإطار على ضرورة التمييز بين نسبة المساحات المحصولية ونسبة قيمة الإنتاج الزراعي، باعتبار أن لكل منهما مؤشراً اقتصادياً مختلفاً. واعتبر أن هذه المعطيات تجعل إعادة تأهيل القطاع الزراعي الجنوبي ضرورة وطنية تتجاوز البعد الإنمائي المحلي، نظراً إلى ارتباطها المباشر بالأمن الغذائي والاقتصاد اللبناني. خطة لإعادة التشجير.. أربع أشجار مكان كل شجرة محروقة وعن الخطط التي طُرحت لمعالجة الأضرار الزراعية، أوضح ناصرالدين أن الرؤية خلال المرحلة السابقة لم تكن محصورة بتوثيق الخسائر، بل شملت توجهاً لإعادة تنشيط القطاع الزراعي في المناطق الحدودية. وأشار إلى وجود توجه لدى الحكومة اللبنانية عموماً، ووزير الزراعة السابق خصوصاً، إلى جانب توصيات من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ورئيس مجلس النواب نبيه بري، بضرورة إعداد خطط لإعادة تأهيل الأراضي المتضررة وإحياء النشاط الزراعي. وأوضح أن هذه الخطط تقوم على إعادة تأهيل الأراضي، والحراثة العلمية للتربة بإشراف الإدارات الفنية المختصة في وزارة الزراعة، وإطلاق برنامج لإعادة التشجير، فضلاً عن رفع مستوى مساهمة الإنتاج الزراعي الجنوبي في الإنتاج اللبناني مع الحفاظ على جودته المميزة. وكشف أن من الأفكار الأساسية التي جرى العمل عليها اعتماد مبدأ زراعة أربع شجرات جديدة مقابل كل شجرة تعرضت للحرق، متى سمحت الظروف البيئية والفنية بذلك. ورأى أن هذه المقاربة لا تهدف إلى تعويض خسائر الماضي فحسب، بل تتيح فرصة لإعادة بناء القطاع الزراعي الجنوبي بصورة أكثر تطوراً وإنتاجية. وأكد أن إعادة تأهيل الأراضي وتحسين أساليب الإنتاج والري والتصنيع الزراعي يمكن أن تساهم في رفع مساهمة الجنوب في الإنتاج الزراعي اللبناني إلى مستويات تتجاوز ما كانت عليه قبل الحرب، شرط توافر التمويل والدعم الفني وإزالة العوائق التي تمنع المزارعين من العودة إلى أراضيهم. وشدد على أن الهدف لا يقتصر على تعويض الأشجار المحروقة، بل يشمل إعادة الحياة إلى القرى الحدودية، واستعادة الدورة الاقتصادية والاجتماعية، وتمكين المزارعين من العودة إلى أراضيهم ومصادر رزقهم. اقتلاع أشجار معمرة.. اعتداء على الذاكرة الزراعية وفي ما يتعلق بالتقارير التي تحدثت عن اقتلاع أشجار زيتون معمرة من الأراضي اللبنانية، اعتبر ناصرالدين أن الأضرار لم تقتصر على حرق الأشجار وإتلاف الأراضي الزراعية، بل شملت أيضاً، وفق تقارير إعلامية وشهادات، اقتلاع أشجار زيتون معمرة في جنوب لبنان. وأشار إلى أن تقارير صحفية نُشرت في أيلول 2026 تناولت قضية اقتلاع نحو 600 شجرة زيتون معمرة في بلدة زوطر الشرقية، فضلاً عن تقارير بشأن سرقات مماثلة في عدد من القرى الحدودية اللبنانية الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي. وأوضح أن بعض الأشجار التي تناولتها هذه التقارير قيل إن عمرها يصل إلى نحو 500 عام، لافتاً إلى أن القضية ترافقت مع تحرك قانوني في فرنسا. ورأى أن هذه الوقائع تعكس حجم الاعتداء على الذاكرة الزراعية والثقافية للجنوب، باعتبار أن شجرة الزيتون ليست مجرد محصول يمكن تعويضه بزراعة شتلة جديدة، بل تمثل تاريخ عائلة وذاكرة قرية وإرث أجيال. ومع ذلك، أعرب ناصرالدين عن ثقته بقدرة أبناء الجنوب على إعادة زراعة أراضيهم وإحيائها، مؤكداً أن العلاقة بين الإنسان الجنوبي وأرضه تتجاوز حدود الإنتاج والاستهلاك، لتشكل علاقة انتماء ووجود. رسالة إلى المستهلك.. لا تتخلوا عن زيت الجنوب وفي رسالة إلى المستهلك اللبناني، دعا ناصر الدين إلى عدم التخلي عن المنتجات الزراعية الجنوبية بسبب مخاوف عامة، محذراً من أن تتحول الحرب إلى سبب إضافي لإلحاق الضرر بالمزارعين الذين خسروا أراضيهم وأشجارهم ومصادر رزقهم. واعتبر أن نتائج الفحوصات المخبرية التي أعلنتها الجهات المعنية تشكل خطوة إيجابية ومطمئنة، مشيراً إلى إعلان وزارة الزراعة في 30 تشرين الأول 2026 أن نتائج فحوص 20 عينة جمعتها لجانها مباشرة من معاصر في أقضية النبطية وحاصبيا ومرجعيون وبنت جبيل جاءت مطابقة لمواصفة «ليبنور» الخاصة بزيت الزيتون. ولفت إلى أن هذا الملف يحظى باهتمام مباشر ورعاية خاصة من وزير الزراعة الدكتور نزار هاني، الذي يمتلك، بحسب ناصرالدين، خبرة فريدة في إدارة هذه الملفات. ورأى أن النتائج تعزز الثقة بالعينات التي خضعت للفحص، لكنها تستدعي في الوقت نفسه توسيع نطاق الفحوصات لتشمل عينات إضافية من مختلف المناطق والمعاصر، بما يضمن أعلى مستويات الشفافية والرقابة. وأكد أن زيت الزيتون الجنوبي الذي تثبت الفحوصات مطابقته للمواصفات يستحق ثقة المستهلك اللبناني، ويستحق أن يكون حاضراً على موائد اللبنانيين وفي الأسواق الخارجية. وشدد على أن حماية الأمن الغذائي لا تتحقق بإثارة الخوف من الإنتاج الوطني، بل بتعزيز الرقابة العلمية والشفافية، وحماية المزارع، وضمان حق المستهلك في الحصول على منتج سليم. وفي ختام حديثه، أكد ناصرالدين أن الجنوب الذي قدّم أجود أنواع الزيتون واحتضن أشجاراً عاشت مئات السنين لن تهزمه حرائق الحرب. وقال إن الاحتلال قد يحرق شجرة أو يدمر موسماً أو يمنع مزارعاً من الوصول إلى أرضه، لكنه لن يستطيع قطع العلاقة التاريخية بين الجنوب وشجرة الزيتون. واعتبر أن زيت الجنوب ليس مجرد سلعة زراعية، بل حكاية أرض وعائلة وصمود، وشهادة على قدرة الأرض على استعادة الحياة مهما تعرضت للحرائق والدمار. وتضع هذه المعطيات ملف الزراعة الجنوبية أمام تحديين متلازمين: معالجة الأضرار البيئية والزراعية التي خلّفتها الحرب، والحفاظ على ثقة المستهلك بالإنتاج المحلي من خلال الفحوصات العلمية والرقابة المستمرة. وفي ظل الخسائر الواسعة التي طالت الأراضي والأشجار ومصادر رزق المزارعين، تبقى إعادة تأهيل القطاع الزراعي مرتبطة بتوفير الدعم الفني والمالي، وإزالة العوائق أمام عودة المزارعين إلى أراضيهم، بما يسمح باستعادة النشاط الاقتصادي في القرى الحدودية وتعزيز مساهمة الجنوب في الأمن الغذائي اللبناني.

المصدر: لبنان 24