شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

علي بن راشد المطاعني يكتب للشبيبة: الشخصنة في الإدارة..!

علي بن راشد المطاعني يكتب للشبيبة: الشخصنة في الإدارة..!

بقلم : علي بن راشد المطاعني من الممارسات الخاطئة في الإدارة ما يُسمى بـ "الشخصنة" (Personalization)، وهو مصطلح مستلهم من علم النفس، ومؤداه ميل الشخص إلى ربط الأحداث الخارجية بنفسه بصورة مبالغ فيها. وبالتالي، وفي دواوين العمل، يصبح الأداء مرهونًا ومرتهنًا بالخيالات والتصورات التي يراها الموظف المصاب بهذا الداء، وتكون النتيجة بالطبع وخيمة على كفاءة العمل في تلك الجهة. هذا الداء آخذ في التسلل إلى جسد العمل الإداري في بعض جهاتنا ومؤسساتنا، للأسف، فيعطل القدرات، ويهدم الإمكانيات الذاتية، ويقصي الكفاءات، بينما لا تكون الدوافع في كثير من الأحيان ذات صلة بالعمل أو بالمصلحة العامة. وفي المقابل، يفترض، عندما ندلف إلى مقرات وبنايات الدولة ومؤسساتها، أن نترك خلفنا كل الحساسيات والخلافات والمواقف الشخصية، فهذا ليس مكانها، وأن نتجرد من الأهواء والأنواء والعلل النفسية، باعتبار ذلك جزءًا أصيلًا من المبادئ والقيم التي يجب أن نتحلى بها في أعمالنا.فمجاهدة النفس وضبط أهوائها، وعدم الانقياد وراء مشاعر الغضب أو الخصومة الشخصية أو الكروية أو المزاجية، أو تفعيل مشاعر المحبة أو الكراهية عند اتخاذ القرارات، كلها عوامل لا مكان لها من الإعراب في هذا الموضع أو على هذا الكرسي الملتهب.فالإنسان، عندما يجد نفسه في موقع المسؤولية، فإن قراره حينئذ لا يعود شأنًا شخصيًا يخصه وحده، وإنما قد يمس موظفًا أو أسرة أو إدارة أو مؤسسة بأكملها، وربما يؤثر سلبًا أو إيجابًا في مصالح عامة وموارد وقدرات وطنية.لا شك أن الإدارة أدب وقيم ومبادئ قبل أن تكون علمًا يتطور مع مقتضيات الواقع والمعرفة الحديثة، إلا أن الممارسات والأهواء والأنواء الشخصية قد تطغى أحيانًا على الإدارة وأسسها، فتُكيّف القرارات وفق الرغبات والأهواء، ويصبح القرب من المسؤول أو الاختلاف معه معيارًا غير أخلاقي عند اتخاذ القرار، وبديلًا عن الفاعلية والإنجاز والكفاءة والإنتاجية؛ وهنا يبدأ الخلل الحقيقي الذي يهشم منظومة اتخاذ القرار بنحو ساحق.وغير بعيد عن ذلك، نجد أن بعض جوانب الشخصنة امتدت إلى توظيف القبلية أو المحاباة العائلية أو إعلاء شأن العصبيات. وهنا تموت الكفاءة في مهدها، وتهرب الكفاءات بجلدها لأنها لا تمتلك ذات الجينات أو الصلات العائلية، للأسف، مما يجعل التكلفة المؤسسية للشخصنة باهظة على الجهة والحكومة والدولة وبرامجها وخططها التنموية، التي تغدو مرهونة، بل مكبلة، بهذه الممارسات.والأخطر من كل ذلك عندما تُستخدم السلطة الإدارية نفسها أداة لتصفية المواقف الشخصية؛ فالصلاحيات التي يمنحها القانون والنظام للمسؤول لم تُمنح له ليستخدمها في تقريب من يشاء وإبعاد من يشاء، وإنما لتحقيق أهداف المؤسسة والمصلحة العامة. والوظيفة العامة، كما نعلم، ليست ملكية شخصية للمسؤول، والمؤسسة ليست مزرعة خاصة يديرها وفق مزاجه "المشخصن"، وإنما هي كيان مؤسسي تحكمه الأنظمة والقوانين والاختصاصات والمسؤوليات.هذه الممارسات تتنافى تمامًا مع توجهات رؤية عُمان 2040، التي تستهدف بناء جهاز إداري مرن ومبتكر وصانع للمستقبل وقائم على مبادئ الحوكمة، وتضع ضمن أهدافها معايير تنافسية واضحة لشغل المناصب القيادية، وقرارات حكومية تتسم بالتوازن والموثوقية، ورقابة فاعلة وشفافة، ونظامًا رقابيًا شاملًا يحقق مبادئ المساءلة والمحاسبة.بل إن مدونة قواعد السلوك الوظيفي للموظفين المدنيين في وحدات الجهاز الإداري للدولة، الصادرة بالقرار رقم (7/2019)، جاءت واضحة في هذا الجانب، عندما أكدت ضمن واجبات الموظف "الحيادية والإنصاف" وعدم منح معاملة تفضيلية إلا في حدود القوانين والأنظمة المعمول بها، والتعامل مع الوقائع بحيادية وموضوعية. إلا أن كل هذه أو تلك المبادئ والقيم والنظم أمست، للأسف، في وادٍ، والممارسات في وادٍ آخر.ولا يفوتنا أن ننوه بأنه من الأهمية بمكان مراجعة القرارات الإدارية التي تظهر فيها أنماط غير طبيعية؛ مثل تكرار نقل الكفاءات أو تجميدها دون أسباب مهنية واضحة، أو استبعاد أشخاص بعينهم بصورة مستمرة من الفرص، أو منح الامتيازات والترقيات والتكليفات لدائرة محددة دون معايير واضحة وقابلة للقياس.وهنا يأتي دور جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة، والجهات الرقابية، والحوكمة الداخلية في المؤسسات، في متابعة الممارسات التي يمكن أن تشكل مخالفات إدارية أو إساءة لاستعمال الصلاحيات، خصوصًا أن جهاز الرقابة يتيح بالفعل نافذة للشكاوى والبلاغات بسرية بشأن المخالفات المالية والإدارية في الجهات المشمولة برقابته، ناهيك عن تعزيز الوعي بهذه القنوات والثقة فيها، وحماية من يستخدمها بحسن نية، وعدم تحول الشكوى ذاتها إلى سبب جديد للشخصنة ضد الموظف.وفي المقابل، يجب أن نكون منصفين؛ فليس كل قرار لا يعجب الموظف يُعد "شخصنة"، وليس كل نقل أو تغيير أو تقييم منخفض دليلًا على الاستهداف. فللإدارة حق أصيل في اتخاذ القرارات التي تقتضيها مصلحة العمل، ومحاسبة المقصرين، وإعادة توزيع الموارد البشرية. لكن الفارق الجوهري هو أن يكون القرار مبنيًا على أسباب موضوعية ومؤشرات واضحة، وأن يُطبق المعيار نفسه على الجميع دون استثناء، وأن يكون القرار قابلًا للتفسير والمراجعة والمساءلة في أي وقت.نأمل أن تحظى هذه القضية بمزيد من المتابعة والدراسة في جهاتنا الحكومية والشركات والمؤسسات العامة، وأن تكون العدالة الوظيفية والحياد الإداري من المؤشرات التي تُقاس بها كفاءة القيادات، وأن تتوسع قنوات التظلم والبلاغات والمراجعة المستقلة للقرارات؛ لأن مكافحة الشخصنة ليست دفاعًا عن موظف ضد مسؤول، وإنما دفاع عن المؤسسة نفسها، وعن موارد الدولة وكفاءاتها، وعن أهداف رؤية عُمان 2040 في بناء جهاز إداري كفء ومرن تحكمه الحوكمة والشفافية والمساءلة.فالمناصب تزول، والأشخاص يتغيرون، والمؤسسة باقية إلى حين، والوطن إلى الأبد.

المصدر: الشبيبة