غزة تدخل سباق الرئاسة الفرنسية.. تحول في خطاب اليسار
وكشفت صحيفة "لوموند" الفرنسية أن البرنامج الرئاسي الجديد لزعيم الحزب جان لوك ميلانشون، الصادر الجمعة، تحت عنوان "المستقبل المشترك"، يمنح القضية الفلسطينية مساحة أكبر بكثير من الحرب في أوكرانيا، ويطرح رؤية للعلاقات الدولية تقوم على الابتعاد عن التحالفات التقليدية مع الولايات المتحدة. ولا يقتصر التحول على منح غزة أولوية سياسية، بل يمتد إلى التشكيك في جدوى الصيغة التقليدية لحل الدولتين، وهي إحدى الركائز التي استندت إليها السياسة الفرنسية تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لعقود. يتعهد برنامج "فرنسا الأبية" بأنه في حال وصول الحزب إلى السلطة، ستعمل باريس على فرض عقوبات على حكومة بنيامين نتنياهو، وستسعى إلى تعليق اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. ويمنح هذا الاتفاق العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الطرفين إطارا مؤسسيا، ولذلك فإن تعليقه سيكون خطوة تتجاوز الإدانات الدبلوماسية إلى محاولة ممارسة ضغط أوروبي مباشر. لكن تنفيذ هذا التعهد لن يكون قرارا فرنسيا منفردا، إذ يتطلب التعامل مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي ومواقف الدول الأعضاء، التي تختلف بشأن طبيعة الإجراءات الواجب اتخاذها تجاه إسرائيل. ويتهم البرنامج السلطات الفرنسية بالسماح باستمرار ما يصفه بـ"الإبادة الجماعية في غزة"، كما ينتقد الرئيس إيمانويل ماكرون بسبب ما يعتبره ازدواجية في المعايير، لعدم إدانته الحروب ضد لبنان وإيران بالطريقة نفسها التي أدان بها الحرب الروسية على أوكرانيا. يتعلق التغيير الأبرز في البرنامج بمستقبل التسوية الفلسطينية الإسرائيلية، فبعد سنوات من تبني حل الدولتين على أساس حدود عام 1967، يفتح حزب "فرنسا الأبية" للمرة الأولى الباب أمام دراسة خيارات أخرى، بينها إقامة دولة ثنائية القومية تقوم على المساواة في الحقوق بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ولا يعني ذلك أن الحزب تبنى رسميا الدولة الواحدة بديلا نهائيا، لكنه يمثل ابتعادا عن حصر الحل السياسي في إقامة دولتين منفصلتين. وتربط "لوموند" هذا التحول بتزايد تأثير النائبة الفرنسية الفلسطينية في البرلمان الأوروبي ريما حسن، التي كلفها ميلانشون مطلع العام بقيادة مجموعة عمل لدراسة مستقبل التسوية. ورحبت حسن بطرح البدائل، معتبرة أنه وسيلة لتنبيه الرأي العام إلى وصول مسار حل الدولتين إلى طريق مسدود. ومن المقرر أن تنظم مؤتمرًا لمناقشة هذه القضية في فبراير المقبل، بالتزامن مع الحملة الانتخابية. لكن خيار الدولة ثنائية القومية يثير إشكاليات سياسية كبيرة، تتعلق بشكل الدولة المستقبلية وهويتها وضمان الحقوق المتساوية، فضلًا عن تعارضه مع التصور الإسرائيلي السائد للحفاظ على إسرائيل دولة ذات أغلبية يهودية. في المقابل، تكشف المقارنة بين الملفين الفلسطيني والأوكراني عن اختلاف واضح في أولويات الحزب. فبينما يفصل البرنامج مقترحاته المتعلقة بإسرائيل وفلسطين، يخصص مساحة محدودة للحرب الأوكرانية، دون توضيح موقفه من استمرار الدعم العسكري الفرنسي لكييف. ويكتفي بالدعوة إلى وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الروسية، ثم إعادة إطلاق إطار أوروبي للأمن تشارك فيه موسكو. كما يجدد ميلانشون تعهده بسحب فرنسا من حلف شمال الأطلسي "الناتو"، واعتماد سياسة خارجية غير منحازة، تقوم بحسب برنامجه على رفض الاستراتيجية العسكرية الأميركية. وتثير هذه المقاربة خلافات داخل اليسار الفرنسي نفسه، خصوصا مع القوى التي تعتبر دعم أوكرانيا ومواجهة التهديد الروسي من أولويات الأمن الأوروبي. لم تبدأ أهمية القضية الفلسطينية بالنسبة إلى "فرنسا الأبية" مع البرنامج الجديد؛ فقد احتلت غزة موقعا بارزا في حملة الحزب للانتخابات الأوروبية عام 2024. لكن الجديد هو انتقالها إلى صلب برنامج رئاسي يتضمن التزامات تتعلق بالعقوبات والعلاقات الأوروبية مع إسرائيل، ويطرح للمرة الأولى بدائل سياسية لحل الدولتين. وبذلك تصبح غزة إحدى القضايا التي تميز ميلانشون عن منافسيه داخل اليسار، إلى جانب الخلافات التقليدية بشأن الاقتصاد والهجرة والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي. غير أن تحويل هذه المواقف إلى سياسة رسمية يظل مرتبطًا بنتائج الانتخابات، وقدرة أي رئيس فرنسي على تنفيذ تعهداته في ظل الالتزامات الأوروبية والدولية. كما أن موقف "فرنسا الأبية" لا يعكس بالضرورة إجماع اليسار الفرنسي، الذي يضم تيارات تختلف بشأن إسرائيل وأوكرانيا ومستقبل العلاقات مع واشنطن.
المصدر: سكاي نيوز عربية