شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

سجن "رايكرز" يحرج سلطات نيويورك

سجن "رايكرز" يحرج سلطات نيويورك

تواجه مدينة نيويورك الأمريكية صعوبات متزايدة في الوفاء بتعهدها إغلاق سجن “رايكرز آيلاند”، أحد أشهر المجمعات السجنية في الولايات المتحدة، بحلول غشت 2027، في ظل استمرار تدهور البنية التحتية للمؤسسة وتفشي العنف والاكتظاظ وضعف خدمات الرعاية الصحية والنفسية، وهي أوضاع ارتبطت بوفاة عشرات السجناء خلال السنوات الأخيرة، وأعادت النقاش بشأن ضرورة إصلاح منظومة الاحتجاز في المدينة.

ويحتضن السجن، الذي افتتح سنة 1932 على جزيرة معزولة بين منطقتي كوينز وبرونكس، آلاف المحتجزين، غالبيتهم في انتظار المحاكمة، بينما تعاني مرافقه من أعطاب متكررة تشمل الأبواب والنوافذ المكسورة، واضطرابات التدفئة والتبريد، وتسرب المياه والفيضانات داخل بعض المباني، فضلا عن مشكلات متجذرة في الإدارة ونقص الموظفين ومراقبة المواد الممنوعة.

وتكشف المعطيات التي أوردتها وكالة “فرانس برس” عن استمرار التدهور داخل المجمع السجني رغم خضوعه لمراقبة القضاء الفيدرالي منذ سنة 2015، عقب الكشف عن ممارسات عنف ممنهجة واختلالات خطيرة في تدبير المؤسسة، في وقت تتأخر فيه مشاريع بناء سجون بديلة كان يفترض أن تسمح بإغلاق رايكرز بصورة نهائية.

وقالت لورين ستوسيل، التي سبق أن عملت طبيبة نفسية داخل السجن قبل التحاقها بالهيئة المستقلة المكلفة بمراقبة المؤسسات السجنية بمدينة نيويورك، إن البنية التحتية للمجمع توجد في “حالة مزرية”، مشيرة إلى انتشار العنف وارتفاع عدد المحتجزين واستمرار صعوبات التدبير المرتبطة بنقص الموارد البشرية ومحاربة تهريب المواد الممنوعة.

وأوضحت ستوسيل أن المشكلات التي تواجه المؤسسة ليست ظرفية، وإنما تعود إلى اختلالات تراكمت على مدى سنوات، وأثرت على ظروف احتجاز السجناء وسلامة الموظفين، خصوصا أن نسبة كبيرة من نزلاء المجمع لم تصدر في حقهم أحكام قضائية نهائية.

تعثر الإغلاق واستمرار العنف

يعود الالتزام الرسمي بإغلاق سجن رايكرز إلى سنة 2017، عندما أعلن عمدة نيويورك الديمقراطي السابق بيل دي بلاسيو خطة لإنهاء العمل بالمجمع بحلول غشت 2027، بعد سنوات من الانتقادات المتعلقة بالعنف وظروف الاحتجاز وتردي الرعاية الصحية.

وكانت الخطة تقضي بإغلاق مرافق الاحتجاز القائمة داخل الجزيرة وتعويضها بأربعة سجون أصغر حجما موزعة على أحياء مانهاتن وبروكلين وكوينز وبرونكس، في إطار تصور يهدف إلى تحسين ظروف الاحتجاز وتقريب المؤسسات السجنية من المحاكم والخدمات الاجتماعية والطبية.

غير أن تنفيذ المشروع واجه عراقيل متعددة، إذ لم يغلق حتى الآن سوى عدد محدود من مراكز الاحتجاز داخل المجمع، بينما لا تزال المؤسسات البديلة في طور البناء، ما يجعل احترام الموعد المعلن قبل نحو تسع سنوات أمرا متعذرا.

وأرجعت إنشا رحمان، المسؤولة في معهد “فيرا للعدالة”، وهو منظمة غير حكومية تعمل على إصلاح النظام السجني الأمريكي، التأخر إلى تداعيات جائحة كورونا والسياسات المتبعة خلال الولاية السابقة لبلدية نيويورك.

وقالت رحمان إن المشروع خسر أربع سنوات خلال فترة الجائحة وولاية العمدة الديمقراطي السابق إريك آدامز، الذي تولى المنصب بين سنتي 2022 و2025، معتبرة أن إدارته لم تمنح ملف إغلاق السجن الاهتمام والانخراط اللازمين لتسريع تنفيذه.

وتعود المطالب بإغلاق رايكرز إلى ستينيات القرن الماضي، حين بدأت تتصاعد التحذيرات بشأن خطورة ظروف الاحتجاز داخله، سواء على السجناء أو الموظفين، قبل أن تتوسع التعبئة المدنية والسياسية خلال العقد الثاني من الألفية الحالية، بدعم من أسر المحتجزين ومعتقلين سابقين ومنظمات حقوقية.

وتواصل حوادث العنف داخل المؤسسة تغذية المخاوف بشأن سلامة العاملين والنزلاء، إذ أفادت نقابة موظفي السجون بأن ثلاثة من عناصرها أصيبوا خلال اعتداء نفذه أحد المحتجزين مطلع شتنبر الماضي، في واقعة أعادت تسليط الضوء على المخاطر الأمنية التي تواجه الموظفين.

واكتسب السجن شهرة عالمية بسبب ظروف الاحتجاز فيه، فضلا عن استقباله شخصيات معروفة، من بينها الملاكم الأمريكي السابق مايك تايسون، والسياسي الفرنسي دومينيك ستروس كان، والمنتج السينمائي هارفي واينستين، الذي ارتبط اسمه بقضايا اعتداءات جنسية أثارت اهتماما دوليا واسعا.

وتحول رايكرز خلال العقود الأخيرة إلى رمز لمشكلات النظام السجني الأمريكي، خاصة ما يتعلق بالتعامل مع المحتجزين قبل المحاكمة، والقدرة على توفير الرعاية الصحية والنفسية، والحد من العنف داخل المؤسسات التي تعرف مستويات مرتفعة من الاكتظاظ.

وفيات السجناء وكلفة الاحتجاز

تستند المطالب بإغلاق المجمع إلى اعتبارات إنسانية ومالية، في ظل ارتفاع كلفة تشغيل المنظومة السجنية بمدينة نيويورك، والتي تقارب ثلاثة مليارات دولار سنويا، وفقا للمعطيات التي استعرضها ناشطون حقوقيون يدافعون عن إصلاح نظام الاحتجاز.

وقال دارين ماك، وهو سجين سابق وأحد مؤسسي منظمة “فريدوم أجندا”، إن التكلفة البشرية والمالية لاستمرار العمل بسجن رايكرز تبرران اتخاذ قرار إغلاقه، مستحضرا حصيلة الوفيات المرتبطة بالاحتجاز داخل سجون نيويورك.

وبحسب معهد “فيرا للعدالة”، سجلت 48 حالة وفاة مرتبطة بالاحتجاز في المؤسسات السجنية بالمدينة خلال الفترة الممتدة من سنة 2022 إلى سنة 2025، وهي حصيلة يستند إليها المدافعون عن الإغلاق لإبراز حجم المخاطر التي تواجه السجناء، والحاجة إلى مراجعة طرق تدبير هذه المؤسسات.

وتشير المعطيات الحقوقية كذلك إلى أن نحو 20 في المئة من المحتجزين يعانون من أمراض نفسية خطيرة، بينما ترتبط أوضاع سجناء آخرين بمشكلات الإدمان والفقر والهشاشة الاجتماعية، ما يثير تساؤلات بشأن مدى ملاءمة المؤسسات السجنية التقليدية للتعامل مع هذه الحالات.

وترى إنشا رحمان أن عددا من هؤلاء المحتجزين يمكن أن يستفيدوا من خدمات علاجية واجتماعية أكثر ملاءمة خارج المؤسسات السجنية، من خلال برامج متخصصة في الصحة النفسية وعلاج الإدمان وإعادة الإدماج، عوض استمرار احتجازهم في مرافق تعاني من نقص الخدمات والموارد.

ويعتبر دارين ماك أن تجربة الاحتجاز داخل رايكرز قد تترك آثارا نفسية واجتماعية على السجناء، خصوصا الذين يدخلون المؤسسة ويغادرونها بصورة متكررة، مؤكدا أن الصدمات المرتبطة بهذه التجربة يمكن أن تؤثر على فرص إعادة اندماجهم بعد الإفراج عنهم.

وأضاف أن استمرار العمل بالمجمع، في ظل الظروف الحالية، لا يخدم بالضرورة متطلبات الأمن العام، بسبب الآثار التي تخلفها تجربة السجن على المحتجزين، وما قد يترتب عنها من صعوبات نفسية واجتماعية بعد مغادرة المؤسسة.

وتكتسب هذه الانتقادات أهمية بالنظر إلى طبيعة الفئات التي يستقبلها رايكرز، إذ يشكل الأشخاص الموجودون رهن الاعتقال في انتظار المحاكمة غالبية النزلاء، وهو ما يجعل مدة الإجراءات القضائية وظروف الاحتجاز السابق لصدور الأحكام من أبرز القضايا المطروحة في النقاش حول إصلاح المنظومة السجنية.

إدارة جديدة وخطة إصلاح متعثرة

أعاد العمدة الديمقراطي ذو التوجه الاشتراكي زهران ممداني، الذي تولى رئاسة بلدية نيويورك مطلع سنة 2026، ملف إغلاق سجن رايكرز إلى قائمة أولويات إدارته، واتخذ إجراءات أولية لتغيير أساليب تدبير المؤسسات السجنية وتحسين الخدمات المقدمة للمحتجزين.

وشملت هذه الخطوات تعيين سجين سابق على رأس الإدارة المكلفة بالمؤسسات السجنية، ونقل نحو مئة سرير مخصص للمحتجزين المرضى إلى مستشفى في مانهاتن، في إطار السعي إلى تحسين ظروف الرعاية الطبية وتقليل الاعتماد على المرافق الصحية داخل المجمع.

وقالت دانا كابلان، المسؤولة عن متابعة هذا الملف داخل بلدية نيويورك، إن الإدارة الحالية مصممة على المضي في إغلاق السجن بأسرع وقت ممكن، وإنهاء ما وصفته بأنه فصل مظلم من تاريخ المنظومة السجنية في المدينة.

وأوضحت كابلان أن النظام القائم لم يعد يستجيب بالصورة المطلوبة لحاجيات الأشخاص المحتجزين أو الموظفين العاملين داخله، مشيرة إلى أن الهدف يتجاوز إغلاق مؤسسة بعينها نحو مراجعة طريقة التعامل مع الاحتجاز والخدمات المرتبطة به.

ومع تعذر احترام الموعد المحدد في غشت 2027، سيكون على المجلس البلدي لنيويورك تحديد تاريخ جديد لإغلاق المجمع، في انتظار استكمال بناء المؤسسات السجنية الأربع التي يفترض أن تستقبل المحتجزين الموجودين حاليا في رايكرز.

وتستلهم المرافق البديلة المرتقبة جوانب من النموذج الإسكندنافي في إدارة السجون، الذي يمنح أهمية أكبر لظروف الإقامة والخدمات الصحية والاجتماعية وبرامج إعادة التأهيل، في محاولة للحد من الآثار السلبية للاحتجاز وتحسين فرص إعادة الإدماج.

غير أن المسؤولين والفاعلين الحقوقيين يشددون على ضرورة اتخاذ تدابير عاجلة قبل الانتهاء من بناء المؤسسات الجديدة، في مقدمتها إصلاح مئات أبواب الزنازين التي لم تعد تغلق بصورة سليمة، ومعالجة الأعطاب المرتبطة بالبنية التحتية، وتوفير شروط أفضل لسلامة النزلاء والموظفين.

وتشمل الأولويات كذلك تعزيز البرامج الاجتماعية والتعليمية داخل المؤسسات السجنية، وتحسين خدمات الصحة النفسية وعلاج الإدمان، مع العمل على خفض عدد المحتجزين الذي يتجاوز حاليا 6500 شخص، ليصل إلى نحو أربعة آلاف، وهو المستوى الذي سبق تسجيله خلال فترة جائحة كورونا.

ويقترح المدافعون عن الإصلاح تحقيق هذا الهدف عبر تسريع المساطر القضائية، والحد من فترات الانتظار الطويلة قبل المحاكمة، وتحويل بعض المحتجزين إلى وحدات متخصصة في العلاج وإعادة الإدماج، خصوصا بالنسبة إلى الحالات التي تحتاج إلى مواكبة طبية واجتماعية.

وشددت دانا كابلان على أن التغيير المطلوب لا يتعلق بمجرد تعويض مبان سجنية قديمة بأخرى حديثة، وإنما يستدعي إعادة التفكير بصورة عميقة في منظومة العدالة المرتبطة بالاحتجاز السابق للمحاكمة داخل مدينة نيويورك.

وفي موازاة إعداد خطة الإغلاق، تدرس البلدية إمكانية إعادة توظيف جزيرة رايكرز في مشاريع مرتبطة بمعالجة المياه العادمة وإنتاج الطاقات المتجددة، بما يسمح بتحويل موقع ارتبط لعقود بالمؤسسات السجنية إلى فضاء لخدمات بيئية وبنيات تحتية جديدة.

ورغم التأخر المسجل في تنفيذ مشروع الإغلاق، عبرت إنشا رحمان عن تفاؤلها بإمكانية تحقيق تقدم خلال المرحلة المقبلة، معتبرة أن الظروف الحالية تتيح فرصا أكبر لدفع الإصلاحات وتسريع الإجراءات التي ظلت متعثرة خلال السنوات السابقة.

وتبقى قدرة إدارة نيويورك على تقليص عدد المحتجزين وتحسين شروط الرعاية داخل رايكرز، بالتزامن مع استكمال بناء المؤسسات البديلة، عاملا حاسما في تحديد موعد الإغلاق النهائي، بعدما تحول المشروع الذي أعلن سنة 2017 إلى اختبار لقدرة المدينة على معالجة الاختلالات المتراكمة داخل إحدى أشهر مؤسساتها السجنية.

The post سجن "رايكرز" يحرج سلطات نيويورك appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

المصدر: هسبريس