"9 أيام مع جثامين أحبائها".. فاطمة عجزت عن دفنهم وشاهدت هدم المنزل فوقهم
تسعة أيام كاملة قضتها فاطمة بكر المصري محاصرة داخل منزل في بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة، لم تكن خلالها تخشى القصف وحده، بل كانت تعيش وجعًا أشد قسوة وهي محاطة بجثامين زوجها وابنها وزوج صديقتها وأبنائها، الذين استشهدوا أمام أعينهم إثر قصف المنزل الذي نزحوا إليه. لم تكن فاطمة تملك القدرة على مغادرة المكان أو دفن أحبائها، حتى جاءت قوات الاحتلال وأجبرتها على النزوح، رافضة السماح لها بمواراتهم الثرى، قبل أن تهدم المنزل بالجرافات فوق جثامينهم، لتظل مدفونة تحت الركام لعامين، إلى أن عثرت طواقم الدفاع المدني على رفاتهم مؤخرًا. وتعود فاطمة بذاكرتها إلى بداية المأساة، حين اضطرت إلى النزوح من منزلها في بيت حانون برفقة زوجها وابنها، واللجوء إلى منزل قريب، كانت تقيم فيه أيضًا صديقتها وزوجها وأبناؤهما، بحثًا عن مكان أكثر أمانًا بعيدًا عن القصف. لكن المنزل الذي احتمت به العائلتان لم يكن بمنأى عن الاستهداف؛ إذ طالته غارة أسفرت عن استشهاد زوج فاطمة وابنها، إلى جانب زوج صديقتها وأبنائها، في مشهد قاسٍ عاشته فاطمة ومن معها، بعدما فقدوا أحباءهم أمام أعينهم. وبعد القصف، نقلت فاطمة وصديقتها جثامين الشهداء إلى الطابق الأرضي من المنزل، لكن الخروج من المكان لم يكن ممكنًا، لتبدأ تسعة أيام من الحصار، بقيت خلالها فاطمة ومن معها إلى جوار جثامين أحبائهم، عاجزين عن دفنهم أو مغادرة المنزل، في انتظار أن يتمكنوا من الخروج أو الحصول على فرصة لمواراتهم الثرى. وتروي فاطمة أن قوات الاحتلال دخلت المنزل بعد أيام الحصار، وأبلغتهما هي وصديقتها بضرورة مغادرته، فطلبت منهم السماح لها بدفن زوجها وابنها وبقية الشهداء قبل النزوح، إلا أن طلبها قوبل بالرفض، واضطرت إلى مغادرة المكان وترك الجثامين خلفها. ولم تتوقف المأساة عند حرمانها من دفن أحبائها؛ إذ شاهدت فاطمة قوات الاحتلال تهدم المنزل بالجرافات فوق جثامين الشهداء، لتبقى تحت الأنقاض، بينما ظلت هي تحمل وجع فقدان زوجها وابنها، ومرارة عدم القدرة على دفنهما أو معرفة مصير رفاتهما. ومرت سنتان بقيت خلالهما جثامين الشهداء تحت الركام، إلى أن تمكنت طواقم الدفاع المدني من العثور على رفاتهم، ومن بينها رفات زوج فاطمة وابنها، لتعود تفاصيل الفاجعة إلى ذاكرتها، لكن هذه المرة مصحوبة بشعور بالارتياح لأنها باتت تعرف مكانهما، وأصبح بإمكانها أخيرًا دفنهما وإقامة قبر لهما. وخلال حديث لـ"مراسل وكالة فلسطين اليوم الإخبارية"، أعربت فاطمة عن ارتياحها بعد العثور على الرفات قائلة:" صح زعلانة، بس بحمد الله إني لقيت رفاتهم، وإنه الكلاب ما أكلتهم الحمد لله"، مضيفة:" لقيت بقدر أعمل لهم قبر". ولا تزال أعداد كبيرة من جثامين الشهداء مفقودة في قطاع غزة، جراء بقائها تحت أنقاض المنازل والمباني التي دمرها الاحتلال، أو تعذّر الوصول إلى أماكن استشهادهم، ما يحرم عائلاتهم من دفنهم وإقامة قبور لهم، في ظل استمرار عمليات البحث وانتشال الجثامين من المناطق المدمرة. وبعد عامين من بقائها تحت الركام، لم يعد زوج فاطمة وابنها مجرد جثمانين تبحث عنهما، بل أصبح العثور على رفاتهما فرصة لدفنهما بعدما حُرمت من ذلك يوم استشهادهما. تسعة أيام قضتها عاجزة عن مواراتهما الثرى، ثم عامان من الانتظار، قبل أن تتمكن أخيرًا من إقامة قبر لهما.
المصدر: فلسطين اليوم