شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

هل تنقذ الفائدة المرتفعة الاقتصاد من التضخم أم تزيد أعباءه؟

هل تنقذ الفائدة المرتفعة الاقتصاد من التضخم أم تزيد أعباءه؟

لا يمكن اعتبار رفع الفائدة علاجًا بلا تكلفة، أو خفضها حلًا مضمونًا للتضخم، فالتشديد النقدي يظل ضروريًا لكبح توقعات ارتفاع الأسعار وحماية القوة الشرائية، لكنه يرفع في المقابل تكلفة الاقتراض ويضغط على الاستثمار والائتمان وأعباء الدين الحكومي، كما يقول خبراء اقتصاديون ومصرفيون تحدث إليهم مصراوي. وفي الحالة المصرية، حسب الخبراء، يتوقف نجاح هذه السياسة على تحديد مستوى التشديد ومدته بما يتناسب مع تطورات التضخم، بالتوازي مع خفض الاحتياجات التمويلية للدولة وزيادة الإنتاج المحلي ومعالجة اختناقات العرض وتكاليف الاستيراد، إذ إن الاعتماد على الفائدة وحدها قد يحد من الطلب دون أن يعالج جذور التضخم، بينما يتيح تكامل السياسة النقدية مع الإصلاحات المالية والإنتاجية احتواء الأسعار بتكلفة اقتصادية أقل. وقد قررت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، في 29 أكتوبر 2026، رفع أسعار العائد الأساسية 1%، لتصل إلى 20% للإيداع و21% للإقراض لليلة واحدة، و20.5% لسعر العملية الرئيسية، في أول زيادة منذ بدء دورة التيسير النقدي في أبريل 2025. وبرر البنك المركزي القرار بالرغبة في ترسيخ توقعات التضخم والحفاظ على مساره النزولي، في ظل بيئة خارجية غير مواتية وتصاعد حالة عدم اليقين. خبير اقتصادي: رفع الفائدة 1% قرار مبرر لمواجهة التضخم.. لكن تكلفته قد تمتد إلى الاستثمار والعمالة يقول الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح، إن الفكرة الاقتصادية وراء رفع أسعار الفائدة تقوم على تقليص السيولة والطلب الاستهلاكي والاستثماري، من خلال زيادة تكلفة الاقتراض، وتشجيع الادخار، بما يحد من قدرة الأفراد والشركات على الإنفاق، ويخفف الضغوط على الأسعار بمرور الوقت. ويضيف لـ مصراوي، أن هذه الآلية لا تعمل بصورة فورية، ولا تستهدف جميع أسباب التضخم بالدرجة نفسها، مشيرًا إلى أنه إذا كان ارتفاع الأسعار ناتجًا عن زيادة الطلب تصبح السياسة النقدية أكثر قدرة على التأثير فيه، أما إذا كان سببه ارتفاع أسعار الطاقة أو الغذاء أو اضطراب سلاسل الإمداد أو انخفاض قيمة العملة فإن رفع الفائدة لا يعالج مصدر الصدمة مباشرة، وإن كان يمكن أن يحد من انتقال آثارها إلى بقية الأسعار ومن تحولها إلى توقعات تضخمية مستمرة. توضح دراسة لبنك التسويات الدولية، بعنوان "انتقال أثر السياسة النقدية في الأسواق الناشئة: مخاوف تقليدية وأدلة جديدة"، أن تشديد السياسة النقدية في الأسواق الناشئة يؤدي إلى ارتفاع عوائد السندات، وانكماش النشاط الاقتصادي، ثم انخفاض التضخم بصورة متأخرة، كما أن تأثيره يكون أقوى على القرارات الاستثمارية للشركات ذات المديونية المرتفعة. وتستند الدراسة إلى تحليل صدمات السياسة النقدية في 18 سوقًا ناشئة، ما يدعم فكرة أن رفع الفائدة ليس إجراءً بلا أثر، لكنه يأتي بمقابل يتمثل في إبطاء النشاط الاقتصادي، قبل أن تظهر ثماره على التضخم. فائدة مرتفعة وديون متضخمة.. كيف تنقل أمريكا عدوى اقتصادها إلى العالم؟ تزداد حساسية هذا السؤال في مصر بسبب تداخل التضخم مع اختلالات جانب العرض وارتفاع الاحتياجات التمويلية للحكومة، فبحسب بيانات البنك المركزي، سجل التضخم الأساسي السنوي %12.7 في أكتوبر مقارنة بـ13.9% في سبتمبر 2026، وفي الوقت نفسه، تراجع التضخم الشهري العام إلى 0.7% مقابل 1.3% في سبتمبر. ويشير أبو الفتوح إلى أن قرار رفع الفائدة صدر في 29 أكتوبر، قبل إعلان بيانات التضخم الخاصة بالشهر نفسه، ولا يصح اعتبار تراجع التضخم في أكتوبر نتيجة للزيادة الأخيرة، وإنما هو تطور سابق أو متزامن لا يمكن نسبته إلى قرار لم يكن قد دخل حيز التنفيذ بعد. إنتيسا سان باولو: المركزي المصري قد يثبت الفائدة حتى نهاية 2026 يقول الخبير الاقتصادي أحمد شوقي: عندما ترتفع أسعار الفائدة، ترتفع تكلفة التمويل الحكومي عند إصدار أدوات دين جديدة أو تجديد الأدوات المستحقة، بحسب آجال الاستحقاق وهيكل الدين، وهو ما قد يضغط على مخصصات فوائد الدين ويقلص المساحة المتاحة للإنفاق على الخدمات والاستثمارات العامة. وقد حذر بنك التسويات الدولية، في تقريره الاقتصادي السنوي لعام 2026، من أن ارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصادات صاحبة الديون العامة الكبيرة قد يؤدي إلى زيادة مدفوعات الفائدة الحكومية، وتدهور النظرة إلى الأوضاع المالية العامة، بما قد يرفع علاوات المخاطر وتكاليف التمويل، ويضاعف أثر التشديد النقدي على النشاط الاقتصادي. وأشار التقرير كذلك إلى أن ارتفاع مدفوعات الفائدة الحكومية قد ينقل دخلًا إضافيًا إلى حائزي السندات، وهو ما قد يدعم إنفاقهم، ويضعف جزئيًا الأثر الانكماشي الذي تستهدفه السياسة النقدية. ويضيق شوقي لـ مصراوي أن هذه النقطة مهمة في الاقتصاد المصري، إذ لا تتوقف آثار رفع الفائدة عند المقترضين من الأفراد والشركات، وإنما تمتد إلى العلاقة بين السياسة النقدية والمالية العامة، خصوصًا مع استمرار احتياجات إعادة التمويل والاقتراض المحلي. السيناريو المستبعد.. ماذا لو خفّض الفيدرالي الأمريكي الفائدة اليوم؟ ويذكر شوقي أن التكلفة في ارتفاع تكلفة التمويل أمام الشركات، خصوصًا المشروعات الصغيرة والمتوسطة والأنشطة كثيفة رأس المال التي تعتمد على الاقتراض لتمويل التوسع وشراء المعدات ورأس المال العامل. ويضيف أن كل زيادة في أسعار الإقراض قد تجعل بعض المشروعات تؤجل خططها الاستثمارية أو تقلص طاقتها الإنتاجية، إذا لم تحقق العوائد المتوقعة ما يغطي تكلفة التمويل الجديدة. وأشار صندوق النقد الدولي، في تقريره بشأن الاقتصاد المصري الصادر في أغسطس 2026، إلى أن احتياجات التمويل الحكومي الكبيرة قد تزاحم ائتمان القطاع الخاص والاستثمار، في ظل ارتفاع انكشاف البنوك على الحكومة. "بنك أوف أمريكا" يتوقع فائدة على الدولار تتخطى 5%.. كيف تتأثر مصر؟ تقول الخبيرة الاقتصادية والمصرفية الدكتورة شيماء وجيه، إن الإبقاء على أسعار الفائدة منخفضة في مواجهة تضخم مرتفع قد يؤدي إلى تآكل العائد الحقيقي على المدخرات، ويضعف الحافز على الاحتفاظ بالعملة المحلية، كما قد يزيد الضغوط على سعر الصرف إذا تراجعت جاذبية الأصول المقومة بالجنيه. وحذر صندوق النقد الدولي من أن السياسة النقدية المتشددة تظل ضرورية لاحتواء توقعات التضخم، خصوصًا عندما تكون الضغوط السعرية ممتدة أو عندما تنتقل صدمات سعر الصرف والطاقة إلى الأسعار المحلية. وفي تقرير المراجعة السابعة لبرنامج مصر، رأى خبراء الصندوق أن استمرار السياسة النقدية المتشددة ضروري لإعادة التضخم إلى النطاق المستهدف، مع ضرورة أن تستند قرارات البنك المركزي إلى توقعات التضخم وتطوراته الفعلية، لا إلى قراءة مؤشر واحد بمعزل عن بقية المؤشرات، لكن الصندوق نفسه أشار إلى أن المخاطر المالية لا تزال مرتفعة بسبب الدين العام واحتياجات التمويل الكبيرة، وأن ارتفاع تكاليف الاقتراض قد يزيد أعباء المالية العامة. محمود محيي الدين يحذر: الحروب تُشعل التضخم والفائدة تُثقل ديون الدول النامية وتضيف شيماء لـ مصراوي، أن الدراسات الاقتصادية تشير إلى أن فعالية التشديد النقدي تتوقف على طبيعة الصدمة التضخمية، وقوة انتقال أسعار الفائدة إلى الائتمان والإنفاق، وحجم الدين العام والخاص، ومدى استجابة الإنتاج المحلي. في ورقة بحثية لصندوق النقد الدولي، صدرت في مايو 2026 بعنوان "متى تؤتي السياسة النقدية ثمارها؟ انتقال أثر السياسة النقدية في الأسواق الناشئة وفقًا للظروف الاقتصادية"، توصل الباحثون إلى أن تأثير السياسة النقدية على النشاط الاقتصادي يختلف بحسب وضع الدورة الاقتصادية ومستوى التضخم وتشدد السياسة النقدية السابق. ووجدت الدراسة، التي تناولت 11 سوقًا ناشئة تتبع استهداف التضخم، أن أثر السياسة النقدية على الناتج يكون قويًا خلال فترات الركود وبعد فترات التيسير النقدي، لكنه يصبح محدودًا في فترات التوسع الاقتصادي أو عندما تكون السياسة النقدية متشددة بالفعل. كما أن استجابة الأسعار تختلف باختلاف مستويات التضخم والظروف الاقتصادية. وتذكر شيماء أن زيادة الفائدة ليست إجراء يمكن تكراره بلا حدود، وأن معايرة التشديد النقدي تتطلب تقديرًا دقيقًا للمكاسب المتوقعة في خفض التضخم مقابل الخسائر المحتملة في الإنتاج والاستثمار. 10 أسباب تدفع عوائد السندات الأمريكية لقمة تاريخية منذ 2004 عند 6% يقول أبو الفتوح أن أن السياسة النقدية تكون أكثر فاعلية عندما تعمل إلى جانب سياسات تعالج جذور التضخم، لا سيما اختناقات الإنتاج وسلاسل الإمداد، وتعزز المنافسة، وتزيد المعروض من السلع والخدمات. ومن ناحيته، يضيف شوقي، أن في الحالة المصرية، يعني ذلك أن خفض الضغوط السعرية يتطلب إلى جانب السياسة النقدية تحسين بيئة الاستثمار، وتوسيع الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الواردات في القطاعات القابلة للتوطين، وتحسين كفاءة الأسواق، فضلًا عن إدارة الدين العام بما يقلل احتياجات إعادة التمويل ويحد من مزاحمة القطاع الخاص. ومن جهتها، تشير شيماء إلى أهمية التنسيق بين السياسة النقدية والمالية، بحيث لا يؤدي ارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي إلى إضعاف قدرة الدولة على الاستثمار في البنية الإنتاجية، أو إلى زيادة الضغوط التمويلية التي تسعى السياسة النقدية إلى احتوائها. لمعرفة أسعار العملات لحظة بلحظة اضغط هنا حاسبة الذهب الإلكترونية.. اعرف كيف تدير مدخراتك وتوزعها لشراء الذهب بطريقة آمنة

المصدر: مصراوي