شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

اتفاق ليبيا والنيجر... رسالة لشرق ليبيا وسط تحولات الساحل

اتفاق ليبيا والنيجر... رسالة لشرق ليبيا وسط تحولات الساحل

في توقيت حساس تتسارع فيه التحولات الأمنية في منطقة الساحل الأفريقي، حملت زيارة رئيس وزراء النيجر، علي محمد الأمين زين، إلى بنغازي، على رأس وفد سياسي وعسكري رفيع المستوى، وتوقيع بروتوكول للتعاون الاستراتيجي بين الجانبين، دلالات تتجاوز تعزيز العلاقات الثنائية، لتمتد إلى التحولات في البيئة الأمنية المحيطة بالحدود الجنوبية لليبيا، ولا سيما في ظل التحرك العسكري الجزائري الأخير داخل النيجر.


والتقى زين رئيس حكومة شرق ليبيا، أسامة حماد، ونائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، صدام حفتر، بحضور رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة النيجرية، الفريق مامان ساني كياو. وانتهى الاجتماع بتوقيع بروتوكول للتعاون الاستراتيجي بين الجانبين، بهدف توسيع التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني. وأكد حماد أهمية الزيارة في تعزيز العلاقات والتنسيق المشترك، فيما شدد رئيس الوزراء النيجري على حرص بلاده على تطوير علاقاتها مع ليبيا وتوسيع مجالات التعاون، بينما استحضر صدام حفتر عمق الروابط التاريخية والثقافية وعلاقات حسن الجوار بين البلدين.


وسبق توقيع الاتفاق وصول أول رتل عسكري جزائري إلى مدينة أرليت، شمال غربي النيجر، في 30 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وفق ما نقلته وكالة "رويترز" عن عشرة مصادر. وجاء وصول القوات بعد موافقة البرلمان الجزائري، في 25 من الشهر نفسه، على إرسال وحدات عسكرية إلى منطقة ماداما، القريبة من الحدود الليبية، في خطوة قالت الجزائر إنها تستهدف حماية مصالحها الاقتصادية ومشاريع الطاقة في النيجر، من دون الإعلان عن حجم القوة أو الجدول الزمني الكامل لانتشارها.

رئيس وزراء النيجر علي محمد الأمين زين ونائب القائد العام للجيش الوطني الليبي صدام حفتر خلال مراسم توقيع اتفاق التعاون الاستراتيجي في بنغازي.

تقارب بنغازي ونيامي في ظل التحرك الجزائري


ويرى المحلل السياسي الليبي، عمر أبو أسعيدة، في تصريح لـ"النهار"، أن زيارة الوفد النيجري إلى بنغازي تجسد كسراً لطوق التوجس الحذر، وتأتي خطوةً استباقيةً من نيامي لتنويع شراكاتها الأمنية والعسكرية وموازنة النفوذ الجزائري المتصاعد، ولا سيما بعد إقرار البرلمان الجزائري نشر وحدات عسكرية في العمق النيجري، قرب الشريط الحدودي مع ليبيا، وتحديداً في قاعدة ماداما، لحماية المنشآت الحيوية وتطويق التهديدات المتطرفة.

وتمتد الحدود بين ليبيا والنيجر لنحو 342 كيلومتراً عبر منطقة صحراوية تشكل جزءاً من فضاء أمني متداخل بين ليبيا ودول الساحل. ولا تقتصر التحديات على صعوبة مراقبة هذه الحدود، بل تشمل تهريب البشر والوقود والسلع، إلى جانب مخاطر انتقال الأسلحة والمقاتلين والجماعات المتطرفة.


ويعتقد أبو أسعيدة أن زيارة زين إلى بنغازي تمثل أيضاً "مناورة في العمق الجيوسياسي"، في ظل سعي سلطات نيامي إلى الاستفادة من تناقضات المصالح الإقليمية. فهي، من جهة، تستقبل العون العسكري الجزائري لتجنب الانكشاف الأمني وتأمين مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، ومن جهة أخرى، تفتح قنوات اتصال مباشرة مع بنغازي لضمان ألا تشكل أي تحركات محتملة في فزان، جنوب ليبيا، أو عند معبر التوم، نقطة ضغط على نظامها.

ويعتبر أن الزيارة تحمل دلالة تتصل بترسيخ الشرعية الأمنية لبنغازي، إذ توفر لقيادة الجيش الوطني اعترافاً إقليمياً بشرعيتها بوصفها فاعلاً أمنياً لا يمكن تجاوزه في معادلة الصحراء الكبرى والجنوب الليبي، كما تُجهض، في تقديره، أي محاولة لفرض معادلات ميدانية من أطراف منافسة عبر العمق الأفريقي.

رئيس وزراء النيجر علي محمد الأمين زين، ونائب القائد العام للجيش الوطني الليبي صدام حفتر، ورئيس حكومة شرق ليبيا أسامة حماد، خلال لقاء في بنغازي.

تنويع الشراكات أم موازنة النفوذ؟

غير أن الباحث الليبي في شؤون الأمن القومي، فيصل بوالرايقة، يقدم قراءةً أكثر تحفظاً للعلاقة بين زيارة الوفد النيجري والتحرك الجزائري، موضحاً أن توقيت الزيارة، التي جاءت بعد أيام من الإعلان عن قرار جزائري بإرسال قوات إلى الأراضي النيجرية، يحمل دلالات أمنية مهمة، لكنه لا يكفي وحده لإثبات وجود ارتباط مباشر بين المسارين.

ويقول بوالرايقة لـ"النهار" إن نيامي تعمل على تنويع شراكاتها الأمنية، مستفيدةً من موقعها الجغرافي بين ليبيا والجزائر ودول الساحل، فيما تكتسب بنغازي أهمية خاصة بحكم نفوذ القيادة العامة في شرق ليبيا وأجزاء واسعة من الجنوب. ويشير إلى أن مشاركة رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة النيجرية في الزيارة تعكس اهتماماً واضحاً بالتعاون العسكري والأمني.

وبحسب بوالرايقة، فإن التفسير الأقرب هو سعي النيجر إلى بناء تفاهمات متوازية مع دول الجوار، بينما يحتاج الربط المباشر بين الزيارة والتحرك الجزائري إلى أدلة إضافية، خصوصاً أن أمن الحدود يمثل مصلحة مشتركة بين ليبيا والنيجر والجزائر، ما يجعل التعاون بين الأطراف الثلاثة قابلاً للتقاطع في بعض الملفات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود تنسيق مباشر بينها.

أمن الحدود واختبار الاتفاق

وتتوقف أهمية الاتفاق بين نيامي وبنغازي على قدرته على الانتقال من الإطار السياسي إلى تنسيق فعلي لضبط الحدود ومواجهة التهريب والجماعات المسلحة، بما يحول دون انتقال تداعيات أزمات الساحل إلى العمق الليبي.
ويوضح بوالرايقة أن طبيعة الحدود الليبية النيجرية تجعل مكافحة الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والجريمة المنظمة، إلى جانب تبادل المعلومات الأمنية، ملفات مرشحةً لأن تكون في صلب أي تعاون مقبل. ويؤكد أن الاختبار الحقيقي للاتفاق سيكون في وجود آليات واضحة لتنفيذه، من بينها لجان اتصال مشتركة وترتيبات لتنسيق مراقبة الحدود، باعتبار أن هذه الإجراءات ستحدد قدرته الفعلية على التعامل مع التهديدات العابرة للحدود.


وفي المقابل، يقول أبو أسعيدة إن البروتوكول يقوم، بحسب معلوماته، على أسس رئيسية، أولها توفير الغطاء الأمني وتأمين الشريط الحدودي عبر آلية للعمل المشترك، مع التركيز على ضبط ثغرة مثلث "السلفادور" الحدودي بين ليبيا والنيجر وتشاد، ومعبر التوم الاستراتيجي. ويتمثل الأساس الثاني في التنسيق الاستخباري والعسكري وتبادل المعلومات لمواجهة تحركات التنظيمات المسلحة في الساحل، وفي مقدمتها "داعش" و"القاعدة"، فيما يتعلق الأساس الثالث بتسوية أزمات المعارضة والميليشيات المسلحة.


وبالمثل، يلفت بوالرايقة إلى أن منطقة الساحل تمر بمرحلة إعادة ترتيب للتحالفات الأمنية، بعد التحولات السياسية في النيجر ومالي وبوركينا فاسو، وتغير طبيعة الحضور العسكري الدولي. لكنه يرى أن التعاون الأمني والتنافس على النفوذ قد يسيران بالتوازي، وأن طبيعة الانتشار العسكري وآليات تبادل المعلومات ومستوى التنسيق الحدودي ستكون مؤشرات أساسية لفهم الاتجاه المقبل للترتيبات الأمنية في المنطقة.

المصدر: النهار