شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الإعلام وسقوط القبضة الجمهورية في "نصفيات 2026"

الإعلام وسقوط القبضة الجمهورية في "نصفيات 2026"

د. يوسف الشامسي ** ها قد باشرت سفينة ترامب رسمياً الغرق، وعما قريب ستبدأ جلسات "البطة العرجاء" في الكونجرس الأمريكي؛ حيث تتلاشى نازية الكاوبوي ويعود لحجمه الطبيعي، وربما يجرّ لقفص المساءلة والمحاسبة، بل وقد يصل للعزل إن سعى مجددا لغطرسة شبيهة لأحداث اقتحام "الكابيتول". لا شك أنَّ هذه الخاتمة كانت متوقعة – رغم التمويل الهائل للدعاية للحزب الجمهوري – في ظل العديد من العوامل التي تجاهلتها عجرفة ترامب وحزبه، هنا نتساءل عن دور الإعلام في تعزيز تلك المؤشرات وتحفيز الـ"تسونامي" الأزرق – بتعبير صحيفة نيويورك بوست – لينتزع أغلبية مجلسي النواب والشيوخ، وليقلب موازين ٧ ولايات كانت تابعة للفيل الجمهوري. تكشف بيانات شركة رصد الإعلانات Ad Impact مفارقة تستوقف التحليل، إذ بلغ الإنفاق الإعلاني في الدورة النصفية لعام 2026 حدود 11.87 مليار دولار، وهو رقم قياسي تاريخيّ تجاوز حجم الإنفاق لدورة 2024، وكان الجمهوريون هم الأكثر سخاءً هنا، إذ بلغ دعمهم نحو 5.18 مليار دولار مقابل 4.77 مليار للديمقراطيين بحسب تقرير جراي دي سي Gray DC، وبفارق صارخ في سباقات الشيوخ المتأرجحة، حيث بلغت 947 مليونا جمهورية مقابل 625 مليونًا ديمقراطية وفق مجلة "تايم" Time. ومع ذلك خسر الجمهوريون تكساس التي ابتلعت وحدها أكثر من 560 مليون دولار، وميشيغن التي تجاوز إنفاقها 347 مليونا. هذه المفارقة تثير التساؤل حول فاعلية "الإعلام المدفوع" في شراء أو ترويج السردية السياسية، أم أن معركة السرديات قد انتقلت على ما يبدو إلى فضاءات ما عادت تنقاد بسلطة التمويل وحدها! في تحليل نشرته رويترز غداة الانتخابات، رصد صحفيّو رويترز جبهة إعلامية جديدة تمثّلت في "البث المباشر" و"صناّع المحتوى" والتي كان لها الأثر على ما يبدو في حسم المزاج العام. إذ قفزت مشاهدات البث السياسي أربع مرات ونصف المرة عن الدورة النصفيّة لعام 2022، وبلغت تغطية ليلة الانتخابات لدى المذيع اليساري حسن بايكر قرابة 29 مليون مشاهدة عبر المنصات، وهي أرقام بلا شك تزاحم رصيد الشبكات الإعلامية الكبرى بأمريكا. ولعل ما يدعم هذه الظاهرة دراسة لمركز بيوPew لعام 2025 إلى أن 38% ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا بأمريكا يعتمدون على المؤثرين وصناع المحتوى كمصدر رئيسي لاستقاء الأخبار. وفي ظل هذا المناخ، نجح الديمقراطي عبدالله السيد في الفوز بعضوية مجلس الشيوخ في ميشيغن بنسبة 52.5% وفق بيانات بلومبرغ، متخطياً حملات إنفاق وتحريض حتى آخر ساعة من ليلة الانتخابات. مع ذلك استطاع السيد – ومثله جيمس تالاريكو في تكساس – بناء قواعده الشعبية بصورة "عضوية" – حسب تعبير رويترز – عبر الفيديو الرقمي والبث المباشر، وهي ذات الاستراتيجية التي اتبعها زهران ممداني في نيويورك من قبل. وقد نستأنس بمقاربة نظريّات الاتصال والإعلام – وبصورة مقتضبة – لمزيد تفسير لهذا الصعود الكاسح للحزب الديمقراطي، فعلى سبيل المثال ومن مدخل نظرية ترتيب الأولويّات، نرى كيف عجز الجمهوريون عن فرض أجندتهم المرتبطة بالهجرة والهوية على فضاء رقمي وضع كلفة المعيشة وسعر البنزين بنداً أولياً في وعي الناخب الأمريكي. كذلك بالاستعانة بنظرية التأطير الإعلامي لـ"انتمان"، فقد شاهدنا على مدار أشهر تكريس ترامب وأدواته كبار قادة الرأي بالحزب الجمهوري شيطنة "السيّد" وتأطيره كـ "متطرف" إخواني يسعى لتطبيق قانون الشريعة! لكن ارتدّت كل تلك الأوصاف على أصحابها حين أعاد عبدالله السيد تأطير المعركة اقتصاديا بمقولته للناخب الأمريكي "اسمي وديني ليسا سبب عجزك عن شراء الوقود"! بل إن ما جرى – ومن زوايا النظريات الإعلامية – يعيد الاعتبار لفرضية "تدفق الاتصال على مرحلتين" عند كاتز ولازارسفيلد؛ لكنها هذه المرة بثوب رقمي، فقادة الرأي اليوم هم مذيعو البثّ المباشر كما أسفلنا، حيث استحوذ – على سبيل المثال – الشابّ اليساري حسين بايكر على قرابة 45% من زمن المشاهدة السياسية، بينما ظلّ الخطاب الجمهوري أسير قنواته التقليدية وجمهورها المتقدم في السن. مع ذلك، تقتضي الأمانة التحليلية الموضوعية عدم إغفال محدوديّة تأثير وسائط الإعلام، هذا فضلا من الإشارة لصلابة النظام الأميركي واستقلالية المؤسسات والجهات الفيدرالية التي تضبط تدفقات التمويل المخالفة لحماية المنافسة السياسية العادلة، كما أن خسارة حزب الرئيس في الانتخابات النصفية سُنّة تاريخية وليست لأول مرة تحدث بالولايات المتحدة الأمريكية، وبلا شك العديد من المعطيات كتضخم الأسعار والحروب الهمجية وتقديم المصالح الإسرائيلية وتراجع الشعبية هي المحرك الأساسي للموجة الزرقاء، وعليه، فإن القراءة الأدق تفيد بأن الإعلام بنوعيه التقليدي والبديل لم يصنع حالة السخط في الشارع الأمريكي من عدم؛ وإنما نظمها وضخمها ومنحها أشكالًا تعبيرية شابّة ومباشرة تشبه جمهوره وتتحدّث معه بلا وسيط، وبذلك يكون الحزب الجمهوري قد خسر مرتين؛ مرة في صناديق الاقتراع، ومرة في معركة الإعلام التي أغفل طبيعتها المتغيرة. ** أكاديمي بقسم الاتصال الجماهيري - جامعة التقنية والعلوم التطبيقية في نزوى

المصدر: الرؤية