شفق نيوز..دمشق.. تفكيك لأزمة "الأسعار وتحسن الليرة": ما دور العراق؟
رغم التحسن النسبي الذي شهده سعر صرف الليرة السورية، لا تزال الأسواق تسجل ارتفاعاً في أسعار السلع والمواد الأساسية، وسط تراجع القدرة الشرائية للمواطنين واتساع الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة، وهذا الأمر يكشف عن أسباب عديدة، لا علاقة مباشرة لها بسعر صرف العملة، كما يرى مسؤولون، الذي أشروا من جانبهم عدة حلول للأزمة. محمد أورفه لي، رئيس لجنة الاستثمارات والتطوير العقاري في غرفة تجارة دمشق، أرجع ما يجري إلى أن استمرار ارتفاع الأسعار مرتبط بشكل أساسي بالتضخم وتكاليف الاستيراد، مشدداً على ضرورة معالجة ملف سعر الصرف باعتباره مدخلاً أساسياً لمعالجة الاختلالات الاقتصادية، بدلاً من توجيه الاتهامات إلى جهات لا علاقة لها بالمشكلة. وأوضح أورفه لي، لوكالة شفق نيوز، أن الحل يبدأ بشكل أساسي برفع قيمة الصادرات لتصبح أعلى من قيمة الواردات، معتبراً أن استمرار الفجوة الكبيرة بينهما يشكل أحد أبرز أسباب الاختلال الاقتصادي. وحول دور التعاون الاقتصادي والتجاري مع الدول المجاورة، وإمكانية مساهمة زيادة التبادل التجاري مع الأردن ولبنان والعراق وتركيا في توفير السلع بأسعار مناسبة، أشار أورفه لي إلى أن توفير السلع بأسعار منخفضة أمر مهم، لكن السؤال الأهم يتمثل في مدى امتلاك المواطنين القدرة الشرائية اللازمة لشرائها. وفيما يتعلق بأبرز التحديات التي تواجه تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية مع الدول المجاورة، وإمكانية مساهمة التعاون الإقليمي في جذب الاستثمارات وإعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية السورية، رأى أورفه لي أن التحدي الأساسي يكمن في إدراك أهمية الصناعة والصادرات، مستشهداً بالتجارب العملية للدول التي تولي اهتماماً كبيراً بصناعاتها، وتعمل على دعم صادراتها والحد من مستورداتها. ولفت إلى أن الدول المجاورة تفرض رسوماً على المنتجات السورية، في مقابل تقديم تشجيعات لوارداتها، الأمر الذي ينعكس سلباً على الصناعة السورية ويهدد قدرتها التنافسية. وأوضح أن المصانع في تلك البلدان تغطي أعباءها وتكاليفها الثابتة من خلال مبيعاتها في أسواقها الداخلية، ما يتيح لها تصدير فائض إنتاجها بسعر يغطي التكلفة المتغيرة فقط، وهو ما يضع المنتج السوري أمام منافسة صعبة. من جهته، أكد الدكتور زياد عربش، المستشار الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق، أن وصول سعر الصرف إلى مستويات مثل 14500 ليرة للدولار أو أعلى يعني مزيداً من التضخم واستمرار الارتفاع المتنامي في الأسعار، مشيراً إلى أن تحسن سعر الصرف وحده لا يكفي لمعالجة الاختلالات الاقتصادية والمعيشية في سوريا، ما لم يترافق مع إجراءات تعالج الفجوات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد. وأوضح عربش، لوكالة شفق نيوز، أن معالجة الأزمة تتطلب العمل بصورة متزامنة على ثلاث فجوات رئيسية، تتمثل الأولى في فجوة ميزان المدفوعات، التي تستنزف القطع الأجنبي نتيجة الاستيراد غير الضروري، وغياب سياسة اقتصادية وتجارية واضحة، واستمرار فتح الأسواق أمام مختلف المستوردات على حساب المنتج المحلي. ويكمل: أما الفجوة الثانية فتتعلق بالموازنة العامة، وما تعكسه من نقص في التمويل اللازم للخدمات، ولا سيما المقدمة للأسر الأكثر احتياجاً، خصوصاً بعد رفع أسعار الكهرباء وعدد من الخدمات، في حين تتمثل الفجوة الثالثة في اتساع الهوة بين الدخول وأسعار السلع، الأمر الذي جعل المواطن عاجزاً عن تأمين احتياجاته الغذائية. ويرى عربش أن السبب الجوهري وراء عدم انعكاس تحسن سعر الصرف على أسعار السلع يعود إلى أن سعر الصرف ليس سوى أحد مدخلات التسعير، في وقت يعاني فيه الاقتصاد السوري من اختلالات هيكلية تحول دون انتقال أي تحسن نقدي إلى المستهلك. وفي هذا السياق، أشار إلى ظاهرة "التسعير الوقائي" والتحوط لدى التجار، إذ لا تتراجع الأسعار بالضرورة مع تحسن قيمة الليرة، بل يجري تسعير البضائع على أساس سعر صرف أعلى من السعر السائد، كأن يتم اعتماد سعر 15 ألف ليرة للدولار، في حين يبلغ سعره 14 ألف ليرة، تحسباً لأي ارتفاع مفاجئ محتمل. ويشير إلى انه بذلك يتحمل المواطن تكلفة ما يشبه "التأمين" الذي يضعه التجار في حساباتهم لمواجهة مخاطر المستقبل، لافتاً إلى أنه لا يمكن تحميل جهة واحدة المسؤولية بمعزل عن الأخرى، طالما أن المؤشرات المستقبلية لا تزال غير واضحة. وأكد عربش ضرورة تقديم الدعم للمنتجين المحليين والصناعيين والمزارعين بأي ثمن، حتى لو تطلب الأمر توزيع أراضٍ مجانية على الراغبين في إقامة مشاريع إنتاجية، بالتوازي مع تنفيذ سياسة تجارية تحمي الأسواق المحلية، بدلاً من استمرار الوضع القائم، ولا سيما في التعامل التجاري مع دول الجوار والدول البعيدة. ويضيف أنه تتمثل المشكلة الثانية في التضخم المستورد وارتفاع تكاليف الطاقة، إذ تعتمد أسعار كثير من السلع على سعر السوق الموازية، وليس السعر الرسمي للصرف، فضلاً عن أن ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل ينعكس مباشرة على الكلفة النهائية للمنتجات، حتى في حال تسجيل انخفاض محدود في سعر الدولار، أما المشكلة الثالثة فتتمثل في ضعف الإنتاج المحلي وعدم قدرته على المنافسة، ما يجعل السوق رهينة للاستيراد والتقلبات الخارجية، في ظل غياب بدائل محلية قادرة على زيادة العرض والضغط باتجاه خفض الأسعار. وفيما يتعلق بالفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة، وصف عربش هذه الفجوة بأنها سلبية وتشكل عبئاً وجودياً على الأسر السورية، في ظل التراجع الكبير في القدرة الشرائية. وتشير الأرقام الواردة في هذا السياق إلى أن الحد الأدنى للأجور في القطاع العام، بعد الزيادات، لا يغطي سوى نحو 15 إلى 25 % من تكاليف المعيشة الأساسية لأسرة مؤلفة من خمسة أفراد. كما أن راتب الموظف الحكومي لا يكفي، في أفضل الأحوال، لتغطية أكثر من ستة أيام من الإنفاق، الأمر الذي يعكس اتساع الهوة بين مستويات الأجور والأسعار. وتزداد حدة الضغوط المعيشية مع استحواذ الغذاء على ما بين 45 و60 % من دخل الأسرة، ما يدفع كثيراً من الأسر إلى تقليص عدد وجباتها والاعتماد على النشويات بدلاً من البروتين، في وقت لا يزال فيه خط الفقر المدقع مرتفعاً وبعيداً عن متناول الأجور، رغم التحسن النسبي في سعر الصرف. وتتركز الزيادات السعرية، وفق المعطيات الواردة، في عدد من السلع الأساسية التي كانت مدعومة سابقاً، وفي مقدمتها اللحوم والألبان والزيوت والسكر والأرز، وهي سلع إما مستوردة بالكامل أو تعتمد في إنتاجها على مدخلات مستوردة. كما تشمل الارتفاعات قطاع الطاقة والخدمات، ولا سيما المحروقات والكهرباء واشتراكات الأمبيرات والنقل، إذ تؤدي أي زيادة في أسعار الطاقة إلى انتقال الأثر مباشرة إلى تكاليف مختلف السلع والخدمات. وفي تفسيره لأسباب ارتفاع الأسعار، أشار عربش إلى أن المشكلة لا ترتبط بالتضخم وحده أو بالاحتكار فقط، بل هي مزيج من العاملين، إلى جانب غياب الرؤية الاقتصادية الواضحة وعدم دعم الإنتاج المحلي، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد ارتفاع الأسعار. وأوضح أن جانباً من التضخم يرتبط بارتفاع تكاليف الاستيراد، بما يشمل الشحن والتأمين والمواد الأولية التي يجري دفع تكاليفها بالدولار، في المقابل، تلعب آليات التسعير والاحتكار دوراً حاسماً، في ظل وجود شبكات شبه مغلقة تسيطر على سلاسل توريد بعض السلع الأساسية، وتتحكم بالأسعار بعيداً عن منطق العرض والطلب. وشدد على أن ضبط الأسواق لا ينبغي أن يقتصر على مراقبة الأسعار، بل يتطلب تفعيل قواعد مكافحة الاحتكار، والتحقق من العلاقة بين التكلفة الفعلية للسلعة وسعر بيعها النهائي، بدلاً من الاكتفاء بمعاقبة المخالفات المتعلقة بعدم الإعلان عن الأسعار. وعن دور التعاون الاقتصادي مع دول الجوار، اعتبر عربش أن تعزيز العلاقات التجارية مع الأردن ولبنان والعراق وتركيا يمثل ضرورة اقتصادية مهمة، لما يمكن أن يوفره من فرص لزيادة التبادل التجاري وتأمين السلع بأسعار أقل. لكنه أشار إلى أن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب اعتماد سياسة حمائية، خصوصاً في قطاعات الغذاء والمواد الإنشائية، إلى جانب العمل على تخفيض تكاليف النقل وفتح أسواق جديدة أمام الصادرات السورية، ولا سيما المنتجات الزراعية، بما يسهم في توفير القطع الأجنبي. في المقابل، تواجه حركة التبادل التجاري تحديات تتعلق بضعف البنية التحتية، بما فيها الطرق والكهرباء والجمارك، وهي عوامل ترفع تكاليف التجارة وتحد من قدرتها التنافسية. وأضاف أن جذب الاستثمارات الإقليمية الحقيقية يحتاج إلى توافر بيئة استثمارية تتسم بالشفافية، وهي متطلبات لا تزال هشة. وفيما يتعلق بالإجراءات المطلوبة لتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، طرح عربش ثلاثة مسارات أساسية، تبدأ بتحويل الدعم إلى مساعدات نقدية مباشرة وموجهة للفئات الأكثر فقراً، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه ويوفر أثراً فورياً على قدرتهم الشرائية. ويتمثل المسار الثاني في ربط الأجور بمؤشر التضخم، إذ لم تعد الزيادات الاسمية المتقطعة كافية لمواجهة ارتفاع الأسعار، في ظل تآكل قيمتها بفعل التضخم. ومن هنا تبرز ضرورة ربط الرواتب بمعدل تضخم حقيقي ومعلن بصورة دورية. أما المسار الثالث فيتعلق بحماية الإنتاج المحلي، من خلال تقديم حوافز فورية للفلاحين والصناعيين، تشمل توفير البذار والأسمدة والكهرباء المدعومة، بهدف زيادة الإنتاج والمعروض المحلي. ويخلص عربش إلى أن تحسين سعر الصرف لن يكون كافياً بحد ذاته لإحداث تحسن ملموس في حياة المواطنين، ما لم يترافق مع معالجة الاختلالات الاقتصادية، ودعم الإنتاج المحلي، وضبط الأسواق، وتحسين مستويات الدخل، بما يضمن انتقال أي تحسن نقدي إلى أسعار السلع والقدرة الشرائية للأسر السورية
المصدر: شفق نيوز