آيزنكوت أمام عقدة تشكيل الحكومة... الحريديم أم أصوات العرب؟
وسط حالة من الاضطراب والترقب تسود إسرائيل، أعلن الرئيس إسحاق هيرتسوغ قراره تكليف رئيس هيئة الأركان السابق للجيش الإسرائيلي غادي آيزنكوت، تشكيل الحكومة المقبلة. غير أن المهمة تواجه عقبات سياسية عميقة، في ظل خلافات بين شركائه المحتملين بشأن تجنيد اليهود المتشددين (الحريديم)، ورفض أطراف في معسكره الاعتماد على الأحزاب العربية.
وجاء قرار هيرتسوغ بعدما حصل آيزنكوت على توصيات 67 عضواً في الكنيست، مقابل 46 عضواً أوصوا بتكليف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فيما امتنع سبعة أعضاء عن تقديم أي توصية.
ورغم هذه الأفضلية، فإن الأغلبية التي تجمعت لدعم تكليف آيزنكوت لا تزال بعيدة عن ضمان تشكيل حكومة قادرة على نيل الثقة. فالخلافات بين شركائه المحتملين دفعت هيرتسوغ إلى إجراء مشاورات إضافية خلال عطلة نهاية الأسبوع، سعياً إلى معرفة كيفية تجاوز العقبات التي تعترض تشكيل ائتلاف مستقر.
عقدة الحريديم
كتبت المحللة السياسية آنا بارسكي في صحيفة "معاريف"، نقلاً عن مصادر في الأوساط الحريدية، أن اتصالات تجري بين شخصيات في الأحزاب الدينية المتشددة ومقربين من أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب "إسرائيل بيتنا"، بعدما تراجع الطرفان عن اعتراضهما المتبادل على التحالف.
وبحسب بارسكي، فإن ليبرمان بات مستعداً للنظر في تسويات تتعلق بقانون التجنيد، استناداً إلى الصيغة التي اقترحها عام 2018. ونقلت عن المصادر الحريدية أن العلاقات السابقة مع ليبرمان وفّرت مستوى من الثقة قد يتجاوز، في بعض الأحيان، الثقة التي تحظى بها قيادة غادي آيزنكوت.
غير أن هذه الاتصالات لا تعني اقتراب التوصل إلى اتفاق، إذ يواجه آيزنكوت صعوبة في التوفيق بين مطالب شركائه المحتملين. فليبرمان يستبعد تشكيل حكومة تعتمد على الأحزاب العربية، فيما يتمسك حزب "معاً" (بياحد)، بقيادة نفتالي بينيت، بائتلاف يضم أحزاباً تؤيد الخدمة العسكرية وتطالب بتجنيد الحريديم وتحقيق توزيع عادل للأعباء الوطنية.
في المقابل، تطالب الأحزاب الحريدية بسن تشريعات تنظّم وضع طلاب المعاهد الدينية (اليشيفوت)، وتعارض تحديد حصص للتجنيد أو فرض عقوبات على الممتنعين عن الخدمة.
وتكشف الحسابات البرلمانية حجم المأزق. فمن بين الأعضاء الـ67 الذين أوصوا بتكليف آيزنكوت، ينتمي 19 إلى الأحزاب العربية، بينما يمتلك "معسكر التغيير" 48 مقعداً فقط. ولتشكيل حكومة تستند إلى أغلبية 61 مقعداً، سيحتاج آيزنكوت إلى المقاعد السبعة التي يشغلها حزب "يهدوت هتوراة"، إضافة إلى المقاعد الستة لحزب "شاس".
لكن رئيس "شاس" أرييه درعي أوصى بتكليف نتنياهو. ونقلت بارسكي عن مصادر حريدية استبعادها دخول الحزب حتى في مفاوضات ائتلافية مع آيزنكوت، مشيرة إلى أن موافقة "يهدوت هتوراة" على التفاوض لا تعني بالضرورة انضمام "شاس".
وكان الحزب قد نفى رسمياً، السبت، تقارير عن استعداده للانضمام إلى حكومة يقودها آيزنكوت، مؤكداً تمسكه بمعسكر اليمين.
ومن دون "شاس"، لن يمتلك معسكر التغيير و"يهدوت هتوراة" سوى 55 مقعداً، ما يجعل موقف درعي حاسماً في حسابات تشكيل الحكومة.
أما ليبرمان، فقد أعلن دعمه آيزنكوت، وأكد أنه لا يعتزم المطالبة باتفاق تناوب على رئاسة الحكومة، سواء في مقابل توصيته أو ضمن التفاهمات المتعلقة برئاسة الكنيست.
ومع ذلك، تشير بارسكي إلى أن ليبرمان يرى نفسه مرشحاً مناسباً لقيادة المحاولة التالية إذا فشل آيزنكوت، مستنداً إلى خبرته السياسية، مع أن التفويض بتشكيل الحكومة لن ينتقل إليه تلقائياً.
حكومة الأقلية
يتمثل المسار البديل في تشكيل حكومة أقلية تستند إلى دعم خارجي من الأحزاب العربية أو امتناع بعضها عن التصويت. غير أن هذا الخيار يصطدم بمعارضة ليبرمان، الذي أعلن رفضه قيام حكومة تعتمد على القائمة العربية الموحدة أو "القائمة المشتركة"، حتى من خلال امتناعهما عن التصويت.
وفي الأوساط الحريدية، يسود اعتقاد بأن الأحزاب الدينية ستصوت ضد أي حكومة أقلية تعتمد على الأحزاب العربية، ما يزيد صعوبة حصول آيزنكوت على الأصوات اللازمة لتنصيبها.
وتكشف هذه المواقف حجم المعضلة التي يواجهها. فالتحالف مع الحريديم يتطلب تنازلات في ملف التجنيد، فيما يتعارض خيار حكومة الأقلية مع مواقف بعض شركائه الأساسيين.
وتزداد الصورة تعقيداً مع امتناع بينيت عن تقديم التزام علني بقبول تسوية مع الأحزاب الحريدية، وهو موقف لا يمكن تفسير الصمت حياله باعتباره موافقة مسبقة على التنازلات المطلوبة.

معركة رئاسة الكنيست
بالتوازي مع مفاوضات تشكيل الحكومة، يستعد "تكتل التغيير" لممارسة نفوذه داخل الكنيست فور انتهاء مراسم أداء اليمين الدستورية يوم الثلاثاء 10 تشرين الثاني/نوفمبر.
وتتمثل الخطوة الأولى بالسعي إلى استبدال رئيس الكنيست الحالي أمير أوحانا، المحسوب على نتنياهو. ويدعم ليبرمان تولي يائير لابيد المنصب، رغم عدم التوصل حتى الآن إلى اتفاق نهائي بين جميع الأطراف على المرشح.
كذلك يدرس التكتل تشكيل لجان برلمانية خاصة، والدفع نحو إنشاء لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، إلى جانب العمل على إلغاء قوانين سبق أن طرحها ائتلاف نتنياهو.
لكن إجراء التصويت لاستبدال أوحانا يبقى غير مضمون، في ظل الحاجة إلى تأمين أغلبية برلمانية. وحتى إذا نجح معسكر التغيير في هذه الخطوة، فإن الأغلبية اللازمة لانتخاب رئيس جديد للكنيست قد تختلف عن تلك المطلوبة لدعم حكومة آيزنكوت.
ومع ذلك، فإن السيطرة على رئاسة الكنيست ستمنح التكتل قدرة أكبر على التأثير في جدول الأعمال البرلماني، وتشكيل اللجان، ودفع مشاريعه التشريعية، حتى قبل التوصل إلى اتفاق بشأن الحكومة المقبلة.
مخارج الأزمة
وسط تعقيدات المشهد السياسي، يطرح المحلل بن كاسبيت في صحيفة "معاريف" تساؤلات بشأن الخيارات المتاحة لتجاوز الأزمة، في ظل ما يعتبره حالة طوارئ تهدد المؤسسات الإسرائيلية.
ويرى كاسبيت أن نتنياهو "فقد بوصلته تماماً"، محذراً من محاولات تحويل جهاز الأمن العام (الشاباك) إلى أداة تخدم مصالحه العائلية والسياسية. ويعتبر أن استمرار نتنياهو في موقع يمنحه نفوذاً يشكل خطراً على الدولة ومؤسساتها.
ويصف المعضلة الحالية بأنها من أكثر الأزمات السياسية إيلاماً التي واجهها زعيم إسرائيلي في العصر الحديث، متسائلاً عن إمكان تشكيل "حكومة وحدة" أو "حكومة تعاون" تضم الأحزاب الصهيونية الرئيسية، مع استبعاد التيارات المتطرفة والأحزاب الحريدية والعربية.
ويشير إلى وجود خيارات أخرى بين هذه الطروحات، بعضها قد يكون مفاجئاً. ويطرح احتمال تشكيل حكومة وحدة يكون فيها نتنياهو أول من يتولى رئاستها بموجب اتفاق تناوب، قبل أن يتساءل عن جدوى القبول بهذا المبدأ، وإمكان ضمان التزام نتنياهو بالتفاهمات، مستعيناً بتشبيه "العقرب" الذي يعجز عن كبح غريزته في اللسع.
في المقابل، يقدم رئيس المعهد الإسرائيلي للديموقراطية يوحنان بليسنر، في تصريحات للقناة "12"، قراءة مختلفة لإمكان تجاوز الأزمة، معتبراً أن حكومات الأقلية ليست استثناءً في الأنظمة البرلمانية.
ويشير إلى أن نحو ثلث الديموقراطيات البرلمانية في العالم تُدار حالياً بحكومات أقلية، مستشهداً بالنرويج والدنمارك والسويد وإسبانيا والبرتغال وهولندا وإستونيا.
ويشرح أن هذه الحكومات تعتمد عادة على تفاهمات مع حزب أو حزبين من خارج الائتلاف، يلتزمان بعدم إسقاطها مقابل التفاوض بشأن التشريعات والقرارات المختلفة.
ويرى أن هذا النموذج يفرض تشكيل ائتلافات تتبدل بحسب القضايا المطروحة، ويعيد إلى البرلمان دوره في اتخاذ القرارات، بدلاً من اقتصار التأثير الفعلي على الأحزاب المشاركة في الحكومة.
ويعتبر بليسنر أن التفاوض المستمر قد يمثل ميزة في مجتمع يعاني انقسامات سياسية حادة، بدلاً من التعامل مع الأغلبية البرلمانية الثابتة باعتبارها الشرط الوحيد للحكم.
أما المشكلة الأساسية في إسرائيل، وفق تقديره، فتكمن في صعوبة تشكيل الحكومات مقابل سهولة حل الكنيست، وهو ما يجعل الانتخابات المتكررة أحد أبرز مظاهر عدم الاستقرار السياسي، ويضع آيزنكوت أمام مهمة تتجاوز جمع الأصوات إلى إيجاد تفاهمات تضمن استمرار الحكومة.
المصدر: النهار