شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

البيوت العائلية التراثية.. بين وقف الذرية ونظام الشركات

البيوت العائلية التراثية.. بين وقف الذرية ونظام الشركات

خليل بن عبدالله الخنجي لا تمثل البيوت العائلية التراثية مجرد عقار أو مبنى تاريخي، بل يمثل جزءًا من الذاكرة الاجتماعية والثقافية للعائلة بما يحمله من قصص ومجالس وعلاقات وامتداد تاريخي ارتبط بأجيال متعاقبة من الأسرة. ومن الأمثلة البارزة للبيوت العائلية الأثرية في حارة العرين بمدينة مطرح العريقة بسلطنة عُمان، بيت الخنجي وبيت الخوري وبيت الشهورزي وبيت الشر وبيت البانيان وبيت الوالي الذي هدم وأعيد بناؤه بشكل مغاير للأصل وبيوت مماثلة في حارات المدينة وبقية المدن العُمانية والدول الخليجية. ومن هذا المنطلق تأتي الفكرة في وضع إطار قانوني وتنظيمي حديث يضمن المحافظة على البيوت التراثية واستدامتها للأجيال القادمة، ويحميها من آثار التشتت أو التقسيم أو النزاعات العائلية؛ وذلك بالحفاظ على هويتها التاريخية والعائلية، وتمكينها من الاستمرار بصورة مستدامة ومتوازنة. لماذا هذا المقترح؟ هناك العديد من النماذج التقليدية للحفاظ على الأصول العائلية التاريخية، مثل الوقف الذري أو بقاء الملكية على الشيوع بين الورثة، إلا أن هذين النموذجين قد يواجهان تحديات مستقبلية مرتبطة بالإدارة أو المرونة أو استمرارية اتخاذ القرار مع توسع أعداء الورثة عبر الأجيال. ويهدف هذا المقترح إلى إيجاد نموذج وسطي بديل يحقق التوازن بين: المحافظة على الإرث العائلي، والاستدامة المالية والإدارية، ومرونة التطوير، وتنظيم العلاقة بين الملاك بصورة واضحة ومستقرة، وبناء نموذج تراثي، تجاري، خيري مصمم بمرونة التحكم عبر الأجيال. وتقوم الفكرة على إنشاء كيان قانوني مستقل يمتلك البيت العائلي ويتولى إدارته، بحيث يبقى البيت محافظًا على هويته واستقلاله بعيدًا عن التغيرات المستقبلية التي قد تطرأ على الملكيات الفردية أو الشركات العائلية الأخرى. ويُنظر إلى هذا المقترح باعتباره نموذجًا حديثًا قريبًا في فكرته من الوقف الذري، ولكن ضمن إطار قانوني أكثر مرونة واستدامة، يسمح بالإدارة المؤسسية والتطوير المدروس دون التفريط في هوية البيت أو رسالته التاريخية. مقارنة بين النماذج الممكنة أولًا: الوقف الذري. يحمل إيجابيات تتمثل في حماية عالية للأصل ومنع بيعه أو تقسيمه، والمحافظة على الإرث العائلي واستمراره، والحد من النزاعات المتعلقة بالتصرف في الأصل، والحفاظ على الهوية التراثية للبيت. أما السلبيات فتتمثل في محدودية المرونة في الإدارة والتطوير، وتعقيد بعض الإجراءات المرتبطة بالتصرف أو إعادة الهيكلة، واحتمالية ظهور خلافات مستقبلية حول الإدارة أو الانتفاع، وصعوبة التكيف مع المتغيرات الاقتصادية أو السياحية مستقبلًا. ثانيًا: بقاء الملكية على الشيوع بين الورثة، وهذا له إيجابيات تتمثل في بساطة الوضع القانوني، واحتفاظ كل وارث بملكيته المباشرة، ومرونة التخارج والتصرف في الحصص. في حين تشمل السلبيات: احتمالية تشتت الملكية مع مرور الزمن، وصعوبة اتخاذ القرار مع زيادة عدد الملاك، وارتفاع احتمالية النزاعات العائلية المتعلقة بالإدارة أو الصيانة أو البيع، واحتمالية انتقال بعض الحصص إلى أطراف خارج العائلة مستقبلًا، وضعف الاستدامة المؤسسية طويلة الأجل. ولذلك نقترح على المُلَّاك الحاليين تأسيس شركة عائلية مغلقة ومستقلة بحيث تكون مهمتها الأساسية المحافظة على البيت وصيانته وترميمه، وحماية هويته التاريخية والثقافية، وتنظيم العلاقة بين الملاك، وتحقيق استدامة مالية وإدارية طويلة الأجل، وضمان استمرار البيت كمعلم عائلي وثقافي وسياحي. ويكون الهدف من النشاط الاقتصادي المرتبط بالبيت هو دعم استدامته والمحافظة عليه، وليس تحويله إلى أصل تجاري بحت يسعى إلى تعظيم الربحية على حساب هويته وقيمته التاريخية. وفيما يتعلق بنقل الملكية؛ فهناك عدة اساليب لنقل الملكية من حساب الملاك الحاليين إلى ملاك المؤسسة. الطريقة الأولى أن يتبرع الملاك الحاليين بقيمة البيت إلى المؤسسة، ولكن من سلبياتها ان المؤسسة سوف تخضع للقانون التجاري؛ وبذلك سوف يتم إلزامها بنظام الشركات وبذلك سوف تدفع ضريبة الشركات وهذه سلبية بالإمكان تفاديها بطرق قانونية. الطريقة القانونية الثانية أن يبيع الملاك الحاليون البيت للمؤسسة بسعر التكلفة بدين مؤجل من دون فوائد، يتم دفعه من الإيجارات المتحصلة من العقار والدخل من تشغيل البيت، وبهذه الطريقة يتفادى المؤسسون دفع ضريبة الدخل على الشركات لسنوات عديدة، وهذه إيجابية للهيكلة القانونية للمؤسسة. المبادئ الأساسية للمشروع أولًا: أولوية الحفاظ على الإرث. يتفق المؤسسون على أن المحافظة على بيت العائلة واستمراره كرمز تاريخي وعائلي، تأتي في مقدمة أولويات هذا الكيان، حتى وإن تطلب ذلك الحد من بعض المكاسب التجارية قصيرة الأجل. ويهدف المشروع إلى تحقيق توازن مستدام بين: المحافظة على الإرث والهوية، والاستدامة المالية، والتطوير المدروس، واستمرارية البيت عبر الأجيال. ثانيًا: الملكية الفردية. تعتمد ملكية المؤسسة او الشركة على أساس الملكية الفردية المباشرة للمساهمين، وليس على أساس الفروع العائلية أو التمثيل الجماعي. وعليه لا تُمنح أفضلية لأي فرع من فروع العائلة. وترتبط حقوق التصويت والملكية بالمساهم الفرد وفقًا لنسبة ملكيته. ولا يعتمد نظام تمثيل الفروع في الإدارة أو اتخاذ القرار. ويهدف هذا المبدأ إلى: تعزيز العدالة بين الأفراد، وتقليل احتمالات التكتلات أو الانقسامات المستقبلية، وترسيخ مفهوم الشراكة الفردية المسؤولة. ثالثًا: ضوابط التصرف في الملكية. أن تبقى المؤسسة او الشركة المالكة للبيت في ملكية ذرية المؤسس الاصلي ولا يجوز انتقال الحصص إلى أطراف خارج العائلة إلا في حالات استثنائية وبموافقة ما لا يقل عن 90% من الملاك. كما تكون الأولوية في شراء الحصص أو التنازل عنها لأفراد العائلة وفق ضوابط وآليات يتم اعتمادها لاحقًا. ويجوز اعتماد آلية تقييم خاصة للحصص تراعي: العدالة بين الملاك، واستدامة المشروع، وعدم تحميل الأجيال القادمة أعباء مالية تؤثر على استمرارية البيت. رابعًا: الحوكمة والإدارة تكون السلطة العليا للملاك من خلال الجمعية العامة التي تجتمع مرة في العام كاجتماع اعتيادي ليتم انتخاب اول مجلس اداره يتكون من عدة اشخاص يتولى مجلس الادارة في الآتي: إدارة البيت والإشراف عليه، وحماية هويته وقيمته التاريخية، وادارة امواله وتنميتها، وصرف المعونات المادية لمستحقيها، والإشراف على الصيانة والتشغيل، وضمان الالتزام بأهداف المشروع ومبادئه. ويجوز الاستعانة بأعضاء مستقلين من ذوي الخبرة متى ما اقتضت المصلحة ذلك. ويجوز لمجلس الادارة تكوين لجنة تنفيذية تعينه على تنفيذه قراراته وله ان يمنحها جزء من اختصاصاته وصلاحياته. خامسًا: الاستدامة المالية تهدف المؤسسة المالكة إلى تحقيق نموذج مالي مستدام يضمن تغطية: تكاليف الصيانة والتشغيل، وأعمال الترميم المستقبلية، والاحتياطيات المالية اللازمة لاستدامة البيت. وبعد تغطية الالتزامات الأساسية، يجوز التصرف بصافي الأرباح من خلال: إعادة استثمارها في البيت او توزيع أرباح على الملاك، أو تخصيص نسبة منها لدعم أفراد العائلة المحتاجين لها وفق إطار حوكمة واضح ومسؤولية اجتماعية منظمة. سادسًا: ضوابط الاستخدام التجاري يُسمح بممارسة الأنشطة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي تنسجم مع: الهوية التاريخية للبيت، والعادات العُمانية، وسمعة العائلة. ويُمنع استخدام البيت أو مرافقه في أي أنشطة تتعارض مع الآداب العامة أو تسيء إلى الطابع الثقافي والتراثي للمكان. كما تخضع أي تغييرات جوهرية في طبيعة استخدام البيت أو ارتباطه بمشاريع تجارية طويلة الأجل لموافقة ما لا يقل عن 75% من الملاك في اجتماع الجمعية العادي و50% في اجتماع الجمعية غير العادي اذا لم يتحقق النصاب في الاجتماع الاول. سابعًا: الاستقلالية والاستمرارية يهدف هذا الكيان إلى الحفاظ على استقلالية البيت التراثي واستمراريته بغض النظر عن أي تغيرات مستقبلية قد تطرأ على الشركات العائلية المالكة للشركات التجارية والاستثماريّة والعقاريّة. ولا يجوز رهن البيت أو استخدامه كضمان مالي بما قد يعرضه لخطر فقدان ملكيته أو هويته مستقبلًا. ثامنًا: البعد الثقافي والاجتماعي لا يُنظر إلى البيت التراثي باعتباره مشروعًا تجاريًا فقط، بل باعتباره معلمًا من معالم القرية او المدينة، وامتدادًا للهوية العائلية، ومساحة اجتماعية وثقافية وتراثية. ويمكن أن يحتضن البيت: المجالس واللقاءات العائلية، والفعاليات الثقافية والتراثية، وبرامج توثيق التاريخ الشفهي والقصص العائلية، والأنشطة التي تعزز ارتباط الأجيال القادمة بتاريخ العائلة وإرثها الاجتماعي. تاسعًا: استدامة المعمار التراثي؛ حيث يجب على ملاك البيت التعهد بالمحافظة على شكل البيت المعماري كما تم تشييده من قبل مؤسسيه ولا يجوز عمل اي تعديل الا بموافقة 90% من المساهمين في اجتماع جمعية عموميه غير عاديه هذا الاجراء يحد من اي تغييرات جذريه قد تجريها الاجيال المتعاقبة. عاشرًا: لا يجوز التعديل على هذا النظام إلا في أضيق الحدود وبموافقة 90% من عدد اصوات الجمعية العمومية. وأخيرًا.. إنَّ الهدف من هذا المقترح ليس تجميد أو تقييد الأجيال القادمة بامتلاكه وإنما إيجاد إطار قانوني حديث ومتوازن يضمن استمرار البيت والمحافظة عليه باعتباره رمزًا تاريخيًا واجتماعيًا وثقافيًا ممتدًا عبر الزمن لذلك يفضل ان يتنازل الملاك الحاليين بجزء من ملكيتهم للبيت لأبنائهم وأحفادهم عند تأسيس هذا النظام كي يزرعوا فيهم هذا التوجه منذ الان؛ فالبيت العائلي التراثي ليس مجرد بناءٍ من الحجر، بل هو ذاكرة متراكمة لعلاقات ومجالس وقصص وأجيال متعاقبة، والمحافظة عليه هي محافظة على جزء من الهوية التاريخية والاجتماعية للعائلة. أما المؤسسة المالكة؛ فهي بمثابة الكيان الحاضن للبيت وشؤون مُلَّاكه وهي الخيار العملي لتحقيق الأهداف المنشودة لاستدامته.

المصدر: الرؤية