إيران وأمريكا والمنطقة: لا خيار للجميع غير التفاوض
تحليل ورأيإيران وأمريكا والمنطقة: لا خيار للجميع غير التفاوض٨ نوفمبر ٢٠٢٦ | 4:38 مساءً الركابي حسن يعقوبكاتب وصحفي سودانيإيران وأمريكاأثير- الركابي حسن يعقوبتتسارع خطى دول الوساطة وتتكثف جهودها ومساعيها الرامية إلى إنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والحيلولة دون حدوث المزيد من التصعيد، حيث يتوقع وبحسب ما تواتر من تصريحات عديدة صدرت عن الرئيس ترامب قبل الانتخابات النصفية أن تستأنف أمريكا ضرباتها بشكل واسع و”قاسِ" بعد انتهاء الانتخابات، ورغم أن هذه التصريحات الأمريكية لم تربط بين نتيجة الانتخابات وحجم ومستوى ونطاق الضربات التي تنوي الإدارة الأمريكية توجيهها لإيران، إلا أنه وبعد ظهور النتيجة التي جاءت في صورة هزيمة ساحقة ومهينة للحزب الجمهوري تزداد المخاوف من أن رد الرئيس ترامب سيكون بأكبر مما يتوقع ويأخذ منحى انتقامي، وربما يلجأ إلى ”خيار شمشون“ في الأسطورة الإغريقية القديمة بعد أن فقد كل شيء وأصبح يواجه خصمين لدودين، أحدهما داخلي وهو الحزب الديمقراطي والرفض الشعبي للحرب، والثاني خارجي وهو إيران. ويقوم خيار شمشون كما هو معلوم على فكرة التدمير المتبادل، تدمير النفس وتدمير الخصم حين يستحيل تحقيق النصر المطلق من الطرف الأقوى على الطرف الأضعف وهو خيار يتفق الجميع على أنه خيار يقوم على اليأس و الحماقة والتهور، ولا يأخذ في حسبانه أي اعتبارات أو قواعد منطقية.ومن مساوئ الصدف أن هذه ”المقومات“ متوفرة بحذافيرها لدى كل من نتنياهو وترامب اللذين تقاسما شن الحرب على إيران، وكل منهما الآن يواجه مأزقاََ داخلياََ وعزلة يزداد نطاقها ضيقاََ كل يوم، لا سبيل للخروج منها إلا بعمل عسكري خارجي يعلو ضجيجه على أصوات المعارك السياسية الداخلية وتلك التي تنادي بالتهدئة تحت لافتة عريضة تقول لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. ومأزق ترامب في الوقت الراهن لا يتمثل فقط في ارتفاع فاتورة التصعيد والعودة إلى الحرب، وإنما في الارتفاع المماثل لفاتورة التهدئة والعودة للمسار التفاوضي والتي كانت إلى وقت قريب مجانية وهي مذكرة التفاهم التي وقع عليها ترامب وألزم بها نفسه ثم عاد ونقضها من بعد قوة. أصبح أمام ترامب الآن أن يختار بين أمرين أحلاهما، فإما أن يواصل في مسار الحرب الذي لم يوصله إلى تحقيق هدفه من الحرب، وإما أن يجنح إلى السلم والتفاوض ولكن بالإذعان للشروط الإيرانية التي رفضها قبلاََ وسخر منها، وما تزال طهران تصر عليها وتستمسك بها خاصة بعد هزيمة الحزب الجمهوري في الانتخابات. وهناك طريق ثالث أبعد مسافة، قد يلجأ إليه ترامب كخيار يجنبه الوقوع في شراك خياري الحرب والتفاوض، وهو تشديد العقوبات الاقتصادية مع إحكام الحصار البحري الحالي على الموانئ الإيرانية وتضييق الخناق على الاقتصاد الإيراني على أمل أن يتمخض عن هذا التضييق أحد أمرين، حدوث تململ شعبي داخلي وانتفاضة ضد النظام تقوم بدعمه حتى ينهار، وإما استسلام النظام طوعاََ تحت ضغط التدهور الاقتصادي والقبول بالتفاوض على الشروط الأمريكية. ومشكلة هذا الخيا غير أنه طويل الأمد وقد يستغرق بقية ولاية الرئيس ترامب، فهو غير مضمون النتائج بالنظر إلى خبرة إيران الطويلة في مقاومة العقوبات الاقتصادية وقدرة النظام على التكيف وامتصاص الضغوط الداخلية وتجاوزها، خاصة في ظل المهددات الأمنية الخارجية والعدوان الإسرائيلي الأمريكي الذي يصعب على القوى الوطنية المؤثرة في الداخل التصالح معه أو القبول به. وبالنسبة لإيران فإن الخيار الأمثل لها هو خيار التفاوض على خلفية الشروط السبعة حتى وإن أبدت مرونة حيال بعضها، فالخيار العسكري بالنسبة لها وإن كانت ترى أنه يمكن مقاومته وبالتالي رفع كلفته على أمريكا، إلا أنه بلا شك سيؤدي إلى إنهاكها حيث من الصعب على دولة ظلت عقوداََ تحت وطأة عقوبات اقتصادية مشددة أن تتحمل ضربات عسكرية مكثفة ومتتالية وحصار بحري في غضون ما يقرب من العام. وكذلك الحال بالنسبة للعقوبات الاقتصادية وأثرها السالب المباشر على المواطن ومعيشته اليومية. أما بالنسبة لدول المنطقة، فإن الخيار المثالي والنموذجي لها هو خيار الحل السلمي عبر التفاوض ولا خيار آخر غير هذا الخيار، فالتصعيد العسكري يضر بمصالحها وبأمنها بصورة مباشرة ، ذلك أن المنطق الإيراني في الاستجابة والتعاطي مع العدوان الأمريكي الإسرائيلي يقوم على الرد بضربات على أهداف في عدد من دول المنطقة ودول الخليج بزعم وجود مواقع ومصالح أمريكية فيها ، هذا فضلاً عما رشح من أنباء مؤخراً تم تداولها على نطاق واسع بأن الحرس الثوري أعلن رسمياََ عن رفع القيود على مديات الصواريخ الباليستية بما قد يصل إلى أكثر من ألفي كيلومتر، ويقول خبراء أن لدى طهران المقدرة على تطوير صواريخ عابرة للقارات ، وهذا التطور يوسع من النطاق الجغرافي الذي قد يشمله الرد الإيراني فيما لو شنت أمريكا هجوماََ جديداََ يعادل أو يفوق ما سبقه من هجمات منذ الثامن والعشرين من فبراير الماضي. لكل هذه المعطيات يجب أن تكرس دول المنطقة جهودها ومساعيها وترمي بثقلها لإنجاح جهود الوساطة التي تقوم بها سلطنة عُمان وقطر وباكستان لجعل خيار التفاوض هو الخيار الأوحد بالضغط على الجانبين لتليين مواقفهما والقبول بتسوية مرضية للطرفين، ولا بد كذلك من دور يقوم به الديمقراطيون لإثناء الرئيس ترامب عن المضي في اتجاه التصعيد والحرب حتى قبل مباشرة الكونغرس الجديد لمهامه رسمياََ في يناير المقبل، ويبدو هذا الدور مهم ومنطقي ومنسجم مع توجهات الحزب الديمقراطي الرافضة للحرب والمنادية بالتفاوض. وقد سبق أن أبرم الرئيس الديمقراطي أوباما اتفاقاََ مع إيران في العام 2015 بعد مفاوضات شاقة تحلل منه ترامب في ولايته الأولى في العام 2018، ووصفه بالسيء. وفي خضم هذا الوضع الحالي وما آلت إليه تداعيات الحرب التي بدأها ترامب على إيران فإنه من المرجح أن تكون فرص الوصول إلى اتفاق مثيل لاتفاق 2015، ضيقة إن لم تكن منعدمة بسبب المنهج الخاطئ الذي اتبعه ترامب للتعاطي مع قضية البرنامج النووي الإيراني وتعميقه لهوة عدم الثقة لدى الجانب الإيراني في التزام الإدارة الأمريكية بتعهداتها. وهنا تكمن أزمة ترامب الذي سيجد نفسه لاهثاََ وراء سراب اتفاق لفظه ووصفه بالسيء ولا يستطيع إبرام اتفاق مثله وفي نفس الوقت لم يستطع تحقيق هدفه الرئيسي المعلن بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي بالقوة العسكرية. لذلك من مصلحة الجميع أن تتضامن الجهود لجعل التفاوض هو المخرج الوحيد.الأولىشارك هذا الخبر
المصدر: أثر