شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

زيادة مضاعفة في إيرادات عدن تعيد فتح ملف الفساد وأزمة الخدمات

زيادة مضاعفة في إيرادات عدن تعيد فتح ملف الفساد وأزمة الخدمات

أثارت الإصلاحات المالية والإدارية التي شهدتها العاصمة المؤقتة عدن خلال العام الجاري، وحققت زيادة مضاعفة في الإيرادات، سجالا واسعا في أوساط المراقبين والمهتمين بالشأن المحلي، بين من يراها خطوة شجاعة لإنقاذ المؤسسات، ومن يقلل من قيمتها لانعدام أثرها التنموي والخدمي. وعلى الرغم من التباين اللافت في نسب التحصيل التي عكستها البيانات المالية الأخيرة مدفوعة بضبط أوعية ضريبية كانت تشهد تهرباً واسعاً، يشدد خبراء ومراقبون على أن المعركة الحقيقية للمالية العامة في عدن تكمن فيما هو أبعد من مجرد "زيادة الموارد"، لتتحول إلى اختبار تنموي شامل يعيد الاعتبار للعاصمة المؤقتة للدولة ولدورها الريادي. وكانت السلطة المحلية في عدن قد أعلنت تحقيق إيرادات تجاوزت 20 مليار ريال يمني خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026، بنمو بلغ 156% للإيرادات المشتركة، و99.63% للإيرادات المحلية، مقارنة بالفترة نفسها من 2025. وبحسب وكالة الأنباء الحكومية، فقد تجاوزت الإيرادات المشتركة حاجز (13.7 مليار ريال) حتى نهاية الربع الثالث من العام الجاري، في حين سجلت الإيرادات المحلية المحصلة عبر المديريات والمكاتب الخدمية (6.3 مليار ريال) خلال الفترة ذاتها. وسجلت بعض الأوعية الضريبية نمواً تجاوز 200% (وفي مقدمتها ضريبة القات)، كاشفة عن حجم الهدر المالي والتسرب الذي يلتهم نحو نصف الإيرادات المفترضة سنوياً. وطبقا لتقارير رسمية، تدرجت إيرادات "ضرائب القات" خلال العام الجاري، من 15 مليون ريال يومياً إلى 33 مليوناً، ثم إلى 46 مليوناً، وصولاً إلى 70 مليون ريال يومياً في الربع الثالث (بإجمالي يتجاوز 2 مليار ريال شهرياً)، بعد أن كانت لا تتجاوز مليار ريال سنوياً في فترات سابقة. كما شملت خطة تحسين الإيرادات إدخال أوعية جديدة في قطاع المولات والمراكز التجارية التي سجلت سابقاً أعلى نسب تهرب ضريبي، طبقا لتصريحات منسوبة للسلطة المحلية. ومع استمرار تراجع وتوقف صادرات النفط والغاز، أصبحت المؤسسات الإيرادية في عدن المصدر الأساسي والحيوي لتمويل الموازنة العامة. وأظهرت التقارير الرسمية لعام 2025 أن المنافذ الجمركية والمؤسسات الإيرادية في عدن رفدت الخزانة العامة بنحو 47% من إجمالي الدخل الجمركي للمناطق المحررة، متصدرة المشهد المالي والخدمي كأبرز مركز إيرادي للدولة في الوقت الراهن. وتعزو السلطة المحلية ومصلحة الضرائب التحسن الإيرادي إلى حزمة من إجراءات ضبط الحوكمة، في حين تُرجع التقارير الفنية النزيف المالي السابق إلى إخفاء الأرباح عبر فواتير وهمية، وضعف قاعدة البيانات، بالإضافة إلى وجود قنوات تحصيل غير رسمية أضعفت قدرة الخزينة العامة. في المقابل، قوبلت هذه الأرقام المعلنة بموجة من التشكيك والجدل في الأوساط الاقتصادية وشبكات التواصل الاجتماعي؛ حيث اعتبر رواد المنصات أن هذه الزيادات هي نوع من "التضخم المالي" الناجم عن رفع الرسوم والجباية، ولا تعكس تنمية حقيقية بقدر ما تشير إلى خلل تراكمي في آليات الإدارة والتقييم. وفي تفنيد آليات التحصيل والربط المالي، أوضح الناشط الإعلامي "صالح الحنشي" أن الآلية الاعتيادية المتبعة في ربط الإيرادات تُعد "هندسة للفشل وتسويقاً للوهم"، كونها تُبنى على المبالغ المحصلة سابقاً بدلاً من احتساب المستهدف الفعلي وما يجب تحصيله قانوناً. وأشار "الحنشي" في تغريدة على منصة فيس بوك إلى أن العاصمة عدن تستمر في نزيف مليارات الريالات شهرياً جراء استمرار الهدر الضريبي في أوعية رئيسية وفي مقدمتها "ضريبة القات"، مؤكداً بقاء آليات التحصيل السابقة تحت مظلة الشبهات نفسها، دون معالجة جذرية. من جانبه، اعتبر الناشط "فاضل راجح" أن تراجع القوة الشرائية وتدهور قيمة العملة المحلية يظلان المعيار الفعلي والفيصل في تقييم مدى حقيقة هذه الزيادات المالية. وفيما يتعلق بالشفافية وإدارة الموارد، قال الناشط "حمدان القعيطي" إن الإنجاز لا يُقاس بحجم الأرقام المعلنة بل بمدى انعكاسها الملموس على حياة المواطنين ومستوى الخدمات. وأشار "القعيطي" في تغريدة على فيس بوك إلى أن الطفرة المفاجئة في التحصيل خلال العام الجاري تطرح تساؤلات جادة وتفتح باباً واسعاً لمساءلة الإدارات السابقة عن مكامن الخلل والفساد الذي تسبب في ضياع تلك الموارد سابقاً، مطالباً بمزيد من الشفافية والمحاسبة وضمان وصول هذه الإيرادات إلى تحسين الواقع المعيشي. وتواجه آليات التحصيل الجبائي الجديدة اتهامات بفرض أعباء إضافية على كاهل التجار والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، مما أسهم في تراجع الحركة التجارية وارتفاع أسعار بعض السلع الاستهلاكية. وفي الوقت الذي يرى فيه مؤيدون أن هذه الإصلاحات تمثل خطوة ضرورية لإنقاذ المؤسسات المحلية من حالة الانكماش والعجز المالي وتعزيز كفاءة التحصيل، يذهب آخرون إلى العكس من ذلك، مشيرين إلى أن ارتفاع الأرقام في دفاتر الإيرادات لم ينعكس بشفافية على الأزمات الهيكلية المتجذرة، وفي مقدمتها تدهور خدمة الكهرباء وارتفاع كلفة المعيشة. وفي هذا السياق قال المدون الذي يعرف نفسه باسم "بن ردفان" إن التحسن الإيرادي ارتبط كلياً برفع الضرائب دون أن يلمس المواطن أي تحسن في الواقع الخدمي المتردي. وهو ما أيده الناشط "رضوان ياسين خان"، موضحاً أن زيادة الموارد عبر الضغط على التجار والمشاريع الصغرى في ظل اقتصاد هش يؤدي إلى تفاقم معدلات البطالة والتضخم وغياب الاستثمار الحقيقي. ولم تقتصر الانتقادات على الجباية والتحصيل، بل امتدت لتشمل أوجه الإنفاق؛ حيث انتقد الإعلامي "أحمد سعيد كرامة" غياب التوجيه الفعلي لتلك الإيرادات نحو القطاعات الحيوية مثل الكهرباء والصحة والتعليم. وأكد كرامة وجود "إهدار للمال العام في ظل غياب تام للأجهزة الرقابية"، ما حرم القطاعات الخدمية الأساسية من الدعم المستحق لإنعاشها. وتُقدّر حصة السلطة المحلية في عدن من الإيرادات السيادية بنحو 200 مليون ريال يومياً (ضمن نسبة 20% المقرة حكومياً)، ما يمثل 6 مليارات ريال شهرياً و72 مليار ريال سنوياً؛ وهي أرقام تضع تساؤلات ملحة حول أسباب تعثر منعكساتها على القطاعات الخدمية كالكهرباء والمياه. ويعكس المشهد الراهن واقعاً متأرجحاً بين محاولات حكومية ومحلية لضبط الأوعية الإيرادية كاشتراطات ملحة لاستمرار الدعم الخارجي والتعافي الاقتصادي، وبين تطلعات شعبية متزايدة لتلمس نتائج هذه الإصلاحات على الأرض، وسط مطالبات بتعزيز مبدأ الشفافية في الإنفاق، لضمان تحويل الإيرادات من مجرد أرقام في التقارير إلى مشاريع تنموية مستدامة تعيد لعدن استقرارها الخدمي والاقتصادي.

المصدر: المصدر أونلاين