شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

اقتصاد إثيوبيا تحت ضغط الاضطرابات... لماذا لا يصل النمو إلى الجميع؟

اقتصاد إثيوبيا تحت ضغط الاضطرابات... لماذا لا يصل النمو إلى الجميع؟

تحسنت مؤشرات اقتصادية في إثيوبيا مع تقدم الإصلاحات، لكن الضغوط المعيشية وتفاوت الفرص وتجدد القتال تهدد بتحويل التعافي إلى مكاسب يصعب على كثير من الأسر الشعور بها.

بالنسبة إلى أسرة إثيوبية تواجه ارتفاع تكلفة الطعام والنقل، لا يكفي أن تتحسن احتياطيات البلاد أو تزيد صادراتها. ما يهمها هو ما يستطيع دخلها شراءه، وقدرتها على الوصول إلى العمل والمدرسة والخدمات. وهنا تظهر إحدى معضلات الاقتصاد الإثيوبي: تحسن المؤشرات العامة لا يعني بالضرورة تحسن المعيشة بالسرعة نفسها.

وتزداد هذه الفجوة خطورة مع تجدد القتال في تيغراي الواقعة في شمال البلاد في أواخر أيلول/سبتمبر، وتصاعد التوتر مع إريتريا. وتتهم أديس أبابا أسمرة بدعم المتمردين هناك، وهو ما تنفيه إريتريا. هذه التطورات تضع التعافي أمام اختبار أمني يتجاوز قدرة السياسات الاقتصادية وحدها على معالجته.

إصلاحات ضرورية وتكلفة على الأسر

بدأت إثيوبيا في تموز/يوليو 2024 برنامجاً واسعاً لإصلاح الاقتصاد، شمل تحرير سوق الصرف بدرجة أكبر، ومعالجة نقص العملات الأجنبية، وتشجيع الاستثمار ودور القطاع الخاص.

وبحسب مراجعة صندوق النقد الدولي المنشورة في تموز 2026، تحسنت الصادرات والاحتياطيات والإيرادات، وتراجع معدل التضخم مقارنة بمستوياته السابقة. لكن هذه المؤشرات تعكس مرحلة سبقت تجدد القتال، ولا تقدم حصيلة كاملة لأثره الاقتصادي.

أما على مستوى الأسر، لا يعيد تباطؤ التضخم الأسعار إلى مستوياتها القديمة. وانخفاض قيمة العملة، على الرغم من دوره في معالجة اختلالات سوق الصرف، يزيد تكلفة المستوردات ويضغط على أصحاب الرواتب الذين لا ترتفع مداخيلهم بالوتيرة نفسها.

#Quote#

وتبرز حساسية الوقود خصوصاً، لأن تكلفته تنتقل إلى النقل والإنتاج وأسعار السلع. ويوصي صندوق النقد بالتدرج في إنهاء دعمه مع حماية الفئات الهشة، وهي توصية ينبغي تمييزها عن الإجراءات المنفذة فعلياً. كذلك أشار الصندوق في تموز إلى تقدم إعادة هيكلة الديون، مع استمرار الحاجة إلى استكمالها.

الزراعة والصادرات... مكاسب معرضة إلى صدمات

لا يعتمد التعافي على الإصلاحات وحدها. ساعدت محاصيل زراعية جيدة وارتفاع الأسعار العالمية للقهوة والذهب في تحسين الأداء الاقتصادي، وفق دراسة للوكالة الفرنسية للتنمية نُشرت في نيسان/أبريل 2026.

لكن الاعتماد المتزايد على إيرادات الذهب يحمل مخاطره: قد يضعف انخفاض السعر أو الإنتاج تدفق العملات الأجنبية. وتبقى الزراعة عرضة إلى الاضطرابات المناخية والأمنية، ما يجعل استمرار المكاسب مرهوناً بعوامل يصعب التحكم فيها.

وبالنسبة إلى المزارع والتاجر، قد يسبب تعطل الطرق والأسواق صعوبات في بيع المحصول أو الحصول على المدخلات. أما الشركات، فتحتاج إلى أمن واستقرار في الخدمات لكي تستثمر وتوفر وظائف، خصوصاً للشباب. لذلك، ينبغي قياس نجاح النمو بقدرته على توسيع فرص العمل والدخل، إلى جانب زيادة الإنتاج.

"سد النهضة"... وعد اقتصادي وخلاف إقليمي

يمثل "سد النهضة" الواقع على النيل الأزرق، أحد روافد النيل، رهاناً من أبرز رهانات إثيوبيا الاقتصادية. افتُتِح رسمياً في أيلول 2025، بقدرة توليد مركبة تبلغ نحو خمسة آلاف و150 ميغاواط. وتراهن أديس أبابا عليه لتوسيع إمدادات الكهرباء ودعم الصناعة وتصدير الطاقة إلى بلدان الجوار، بما يتيح إيرادات بالعملات الأجنبية. لكن تحويل هذه القدرة إلى مكاسب للأسر والمصانع يتطلب تطوير شبكات النقل والتوزيع، فالقدرة المركبة لا تعني إنتاجاً متواصلاً بالمستوى نفسه أو وصول الكهرباء إلى الجميع.

وفي المقابل، يبقى السد محور خلاف مع مصر والسودان في شأن إدارة مياه النيل. وتطالب القاهرة والخرطوم باتفاق ملزم ينظم الملء والتشغيل، خصوصاً خلال الجفاف، بينما تؤكد إثيوبيا حقها في التنمية وعدم اعتزامها الإضرار ببلدان المصب. وهكذا يرتبط مشروع تعدّه إثيوبيا بوابة للنمو بمخاوف مائية لدى جيرانها، ما يجعل التعاون الإقليمي عاملاً مهماً في تحقيق منافعه.

كيف تتداخل المعيشة مع النزاع؟

للاضطرابات جذور سياسية وأمنية تتعلق بالسلطة والتمثيل والأراضي وترتيبات السلام. ومن المستبعد أن يكون الغلاء تسبب مباشرة في الجولة الحالية من القتال. لكن تفاوت الفرص وضعف المؤسسات وعدم شمول التنمية مناطق وفئات واسعة يزيد هشاشة المجتمع أمام الأزمات.

وفي الاتجاه المقابل، يعمّق النزاع الضيق الاقتصادي. تشير تغطية حديثة لوكالة "الأسوشيتد برس" إلى حالات جوع ونقص في الرعاية الطبية وإغلاق للمصارف في تيغراي، بما يوضح كيف تصبح الخدمات والدخل والقدرة على شراء الضروريات جزءاً من تكلفة الحرب.

وتضيف الجغرافيا الخاصة بإثيوبيا غير المطلة على أي بحر حساسية أخرى: يُعَد الوصول إلى موانئ الجوار ضرورة للتجارة، بينما تحول التوترات الإقليمية هذه الحاجة الاقتصادية إلى ملف سياسي وأمني معقد.

يشير البنك الدولي إلى توسيع مدفوعات الحماية الاجتماعية لتخفيف تكلفة الإصلاح على الأسر. لكن استدامة التعافي تتطلب أيضاً خدمات وفرصاً موزعة في صورة أوسع وتسوية سياسية تحمي النشاط الاقتصادي. يستطيع النمو المساعدة في بناء الاستقرار حين يلمسه الناس، بينما قد تلتهم الحرب مكاسبه قبل أن تصل إليهم.

المصدر: النهار