شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

شريان غير مرئي تحت الأرض: لماذا لم تصل شبكات الغاز إلى المنازل في عُمان؟

شريان غير مرئي تحت الأرض: لماذا لم تصل شبكات الغاز إلى المنازل في عُمان؟

الملفاتشريان غير مرئي تحت الأرض: لماذا لم تصل شبكات الغاز إلى المنازل في عُمان؟٨ نوفمبر ٢٠٢٦ | 5:12 مساءً محمد العريميمحرر وكاتب صحفيشبكة الغاز المنزليةأثير - مـحـمـد الـعـريـمـيفي ساعات الصباح، يتكرر مشهد مألوف في الأحياء السكنية بمختلف محافظات سلطنة عُمان؛ شاحنات توزيع الغاز تجوب الشوارع، وأصوات اصطدام الأسطوانات المعدنية تتردد بين المنازل؛ يحمل عامل التوصيل أسطوانة قد يصل وزنها الإجمالي إلى نحو 30 كيلوغرامًا، لاستبدال أخرى نفدت، ربما في أثناء إعداد وجبة عائلية.ولا تقتصر المسألة على مشقة حمل الأسطوانات، فهناك جانب آخر يواجهه المستهلك عند الدفع؛ إذ تتفاوت رسوم التوصيل من موزع إلى آخر، وقد يطلب بعضهم مبلغًا إضافيًا بحجة بُعد المنزل أو موقعه أو وجوده في طابق مرتفع، وهكذا؛ يجد المستهلك نفسه أمام تكلفة لا تقتصر على سعر الأسطوانة، بل تمتد إلى رسوم خدمة يصعب أحيانًا معرفة أساس احتسابها.ويتجدد الجدل كلما ظهرت شكاوى من ارتفاع المبالغ التي يدفعها المستهلكون، في مقابل تأكيدات رسمية بأن سعر الأسطوانة لم يشهد زيادة -كما حدث مؤخرًا-، وبين السعر المعتمد ورسوم التوصيل، تتسع الفجوة التي تثير تساؤلات حول آليات تنظيم هذا القطاع وحماية المستهلك.اقرأ: ماذا تغير في سوق أسطوانات الغاز؟وتبدو هذه الصورة أكثر إثارة للتساؤل عند النظر إلى قطاع الطاقة في سلطنة عمان؛ فبلادنا من الدول المصدرة للغاز الطبيعي المسال، وتمتلك شبكة وطنية متطورة لنقل الغاز تغذي محطات الكهرباء وتحلية المياه والمجمعات الصناعية؛ لكن هذه البنية التحتية لا تمتد بالصورة نفسها إلى المنازل، التي لا تزال تعتمد على أسطوانات الغاز وآليات التوزيع التقليدية.وهنا يبرز السؤال: لماذا لم تنتقل خدمة الغاز المنزلي في عُمان إلى شبكات الأنابيب، على غرار الكهرباء والمياه والاتصالات، وما الذي يجعل إيصال الغاز مباشرة إلى المنازل أكثر تعقيدًا؟كيف انتقل الغاز من الشوارع إلى المنازل؟بدأت شبكات الغاز المنزلية بالانتشار مع توسع المدن والحاجة إلى توفير خدمات أكثر كفاءة وتنظيمًا، بدل الاعتماد على نقل الوقود وتخزينه بطرق تقليدية، ومع تطور مواد الأنابيب وأنظمة التحكم والعدادات، أصبحت هذه الشبكات جزءًا من البنية الأساسية للمدن الحديثة.وتقدم بعض الدول نماذج مختلفة في هذا المجال؛ ففي إيران، اعتمد التوسع في شبكات الغاز على الاستثمار الحكومي لإيصال الخدمة إلى المدن والقرى، بينما توسعت مصر في توصيل الغاز الطبيعي إلى المنازل، ليصل عدد الوحدات السكنية المرتبطة بالشبكة إلى نحو 16.2 مليون وحدة في عام 2026.أما في الإمارات، فتبرز تجربة أنظمة الغاز المركزي في المباني والتجمعات السكنية، حيث تُخزّن كميات الغاز في خزانات مخصصة، ثم توزّع عبر أنابيب إلى الوحدات السكنية، وفق اشتراطات فنية ومعايير للسلامة.وتكشف هذه التجارب أن توصيل الغاز إلى المنازل لا يقتصر على خيار واحد؛ فقد يكون عبر شبكة للغاز الطبيعي، أو من خلال أنظمة مركزية للغاز المسال، بحسب طبيعة المدن وكثافتها السكانية والبنية التحتية المتاحة.لماذا بقيت أسطوانات الغاز الخيار السائد في عُمان؟لا يرتبط استمرار الاعتماد على الأسطوانات بغياب الغاز أو عدم توافر التقنية اللازمة لمد الشبكات، بل بمجموعة من العوامل المرتبطة بطبيعة المدن وتكلفة إنشاء البنية الأساسية.أولًا: طبيعة التوسع العمرانياعتمد التخطيط السكني في سلطنة عُمان بدرجة كبيرة على الامتداد الأفقي والمنازل المستقلة، بدلًا من التجمعات السكنية الرأسية عالية الكثافة.وتنعكس هذه الطبيعة على تكلفة إنشاء شبكات الغاز؛ فإيصال الخدمة إلى منازل متباعدة يتطلب تمديدات أطول، وقد تزداد صعوبة التنفيذ في المواقع التي تتداخل فيها التضاريس والمرتفعات ومجاري الأودية.في المقابل، تستطيع الشبكة نفسها خدمة عدد أكبر من الوحدات السكنية في المدن التي تعتمد على المباني متعددة الطوابق والتجمعات المتقاربة، ما يخفض تكلفة التوصيل لكل وحدة ويجعل الاستثمار أكثر جدوى.ثانيًا: اختلاف نوع الغاز المستخدممن المهم التمييز بين نوعين من الغاز يختلفان في خصائصهما وطريقة نقلهما:غاز البترول المسال (LPG): يتكون أساسًا من البروبان والبيوتان، ويُخزن في أسطوانات تحت ضغط، ما يجعله مناسبًا للنقل والتخزين والاستخدام المنزلي، وهو أثقل من الهواء ويمكن أن يتجمع في المناطق المنخفضة عند حدوث تسرب.الغاز الطبيعي (Natural Gas): يتكون بصورة رئيسية من الميثان، وهو أخف من الهواء، وينقل عادة عبر شبكات الأنابيب من مصادر الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك.وهذا الاختلاف يعني أن توصيل الغاز الطبيعي إلى المنازل لا يتحقق بمجرد مد أنابيب من الشبكة الوطنية القائمة، بل يتطلب إنشاء شبكات توزيع حضرية ومحطات لتنظيم الضغط والتدفق وتوفير متطلبات السلامة. كما أن اعتماد نظام مركزي لغاز البترول المسال يحتاج إلى خزانات مخصصة وشبكات فرعية تراعي مسافات الأمان.ثالثًا: تكلفة الإنشاء وجدوى الاستثمارتمثل التكلفة التأسيسية أحد أبرز التحديات؛ فالمشروع لا يقتصر على مد الأنابيب، بل يشمل أعمال الحفر وإعادة رصف الطرق، وإنشاء محطات تخفيض الضغط، وتركيب المحابس وأنظمة المراقبة، وإيصال التمديدات إلى المباني.وقد تصل هذه الأعمال إلى تكاليف كبيرة، خصوصًا في المناطق المأهولة التي تتطلب تنفيذ الحفر دون التأثير في الخدمات القائمة.في المقابل، أسهم اعتماد أسطوانات الغاز المدعومة وتوزيعها عبر موزعين محليين في استمرار نموذج أقل تكلفة من ناحية البنية التحتية، لكنه أوجد تحديات تنظيمية، خصوصًا في الفصل بين سعر الأسطوانة ورسوم التوصيل، ومراقبة تفاوت هذه الرسوم بين المناطق والموزعين.هل شبكات الأنابيب أكثر أمانًا وكفاءة من الأسطوانات؟يرتبط جزء من التردد تجاه شبكات الغاز المنزلية بمخاوف التسرب والانفجار، لكن تقييم السلامة يعتمد على نوع الغاز المستخدم وتصميم الشبكة وجودة التركيب وأنظمة المراقبة والصيانة.فالغاز المستخدم في الأسطوانات أثقل من الهواء، ويمكن أن يتجمع في الأماكن المنخفضة عند حدوث تسرب، بينما يساعد اختلاف كثافة الغاز الطبيعي على صعوده وتشتته عند توفر التهوية المناسبة.وتتيح شبكات الأنابيب تركيب صمامات إغلاق وأنظمة استشعار للتسرب، إلى جانب عدادات تقيس استهلاك كل وحدة سكنية، كما توفر الخدمة بصورة مستمرة، وتقلل الحاجة إلى استبدال الأسطوانات ورسوم توصيلها المتكررة.ولا يعني ذلك أن الشبكات خالية من المخاطر، لكنها تتيح إدارة مركزية للمراقبة والتحكم، وتساعد على تنظيم الفوترة وفق الاستهلاك الفعلي، بدل تفاوت رسوم الخدمة من موزع إلى آخر.اقرأ: الغاز العُماني بين الكهرباء والصناعة والتصدير: من يربح من المورد الأكثر حساسية؟من خدمة تقليدية إلى بنية تحتية تواكب المدن الحديثةيكشف واقع الغاز المنزلي في سلطنة عمان أن استمرار الاعتماد على الأسطوانات لا يرتبط بعامل واحد، بل بطبيعة التوسع العمراني الأفقي، وتكلفة إنشاء شبكات التوزيع، وآلية دعم الغاز، فضلًا عن نموذج السوق الذي اعتمد على الموزعين المحليين لعقود.وفي الوقت الذي تطورت فيه شبكات نقل الغاز لخدمة القطاعات الصناعية ومحطات الطاقة، بقي توصيله إلى المنازل قائمًا على منظومة مختلفة لها حساباتها وتحدياتها الخاصة.الأولىشارك هذا الخبر

المصدر: أثر