إسرائيل تفقد الإجماع في واشنطن... هل يصبح الدعم الأميركي مشروطاً؟
في اليوم الذي توجّه فيه الأميركيون إلى صناديق الاقتراع، فاجأ الرئيس دونالد ترامب إسرائيل بإعلان وقف المساعدات العسكرية السنوية المقدّمة لها بحلول نهاية 2026. وبعد ظهور نتائج الانتخابات النصفية، جاء موقف نائبه جي دي فانس ليكشف حجم الاستياء داخل القاعدة الجمهورية من الحرب مع إيران والعلاقة مع تل أبيب.
تضع هذه التطورات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام معادلة معقّدة، بعدما قدّم علاقته الوثيقة بترامب إحدى أبرز أوراقه الانتخابية، فيما يخوض معركة البقاء في السلطة.
وتصف "وول ستريت جورنال" ما يواجهه التحالف الأميركي الإسرائيلي بأنه أحد أصعب اختباراته منذ عقود. فهل تكفي مغادرة نتنياهو لترميم العلاقة، أم أن التحوّلات داخل الولايات المتحدة تنذر بإعادة صياغة شروط الدعم العسكري والغطاء الديبلوماسي؟
اعتراضات من الحزبين
بحسب الصحيفة، عزّزت الانتخابات حضور الديموقراطيين المطالبين بتقييد إمدادات الأسلحة أو فرض شروط على المساعدات، رغم احتفاظ إسرائيل بدعم واسع داخل الكونغرس.
وتتجاوز التحوّلات الانقسام التقليدي بين الحزبين. فترامب أعلن وقف المساعدات العسكرية التي تبلغ نحو 3.8 مليارات دولار سنوياً، مع أن الاتفاق القائم يمتدّ حتى عام 2028، ما يجعل تنفيذ الإعلان مرتبطاً بإجراءات إضافية ودور الكونغرس. أما فانس، فربط الهزيمة الجمهورية باستياء الناخبين من حرب إيران وكلفتها، ورغبتهم في تغيير طبيعة العلاقة الأميركية مع إسرائيل.
ويشير الخبير في الشؤون الإسرائيلية ياسر مناع، في حديث لـ"النهار"، إلى اختلاف دوافع الاعتراض، موضحاً أن انتقادات الديموقراطيين ترتبط بالحرب على غزة والاستيطان وحقوق الفلسطينيين واستخدام الأسلحة الأميركية، بينما تنطلق اعتراضات تيارات جمهورية من حسابات المصلحة الأميركية وكلفة الدعم العسكري ومخاطر الانخراط في الحروب الإقليمية.
ويرى أن هذا التباين يكشف تراجع الإجماع التقليدي الذي استفادت منه إسرائيل، مع استمرار المصالح العسكرية والاستخبارية والاستراتيجية التي تحمي التحالف من التفكك.

هل تكفي مغادرة نتنياهو؟
أمضى نتنياهو سنوات في توثيق علاقته بالجمهوريين، فيما يتهمه منتقدوه بإهمال العلاقة مع الديموقراطيين. واليوم، يعد منافسه غادي آيزنكوت بترميم الشراكة وإعادة بناء الدعم من الحزبين.
لكن الكاتب والباحث السياسي الدكتور مراد حرفوش يرى، في حديث لـ"النهار"، أن التحوّل أعمق من أزمة مرتبطة بشخص نتنياهو.
ويعتبر أن تداعيات ما يصفه بحرب الإبادة الجماعية في غزة وسياسات التطهير العرقي في الضفة الغربية، إلى جانب تصاعد نفوذ التيار التقدمي داخل الحزب الديموقراطي ومكاسبه الانتخابية، قد تؤثر مستقبلاً في مستويات الدعم العسكري الأميركي.
ويربط حرفوش هذا المسار بإعادة تشكّل الرأي العام الأميركي، خصوصاً بين الشباب والقواعد الديموقراطية، حيث يتزايد الاقتناع، بحسب قراءته، بأن إسرائيل ارتكبت انتهاكات جسيمة للقانون الدولي والإنساني.
كما يلفت إلى تنامي المطالب بتوجيه الضرائب والإنفاق العسكري نحو الأولويات الداخلية الأميركية، بالتوازي مع تراجع نسبي في نفوذ اللوبي المؤيد لإسرائيل.
الدعم تحت الاختبار
يبقى التحدي الأساسي في انتقال الاعتراضات السياسية والشعبية إلى قرارات ملزمة، وسط شبكة من المصالح المشتركة والالتزامات العسكرية طويلة الأمد.
وفي هذا السياق، يرجّح مناع أن يتركّز التحوّل المقبل على شروط المساعدات وحدودها، عبر تشديد الرقابة على صفقات الأسلحة وربط بعضها بالسياسات الإسرائيلية، مع احتمال تراجع استعداد واشنطن لتوفير غطاء ديبلوماسي غير مشروط في المؤسسات الدولية.
ويؤكد أن انتقال هذه المواقف إلى إجراءات فعلية سيعتمد على موازين القوى داخل الكونغرس والبيت الأبيض، معتبراً أن رحيل نتنياهو قد يساعد على ترميم العلاقات الحزبية والديبلوماسية، لكنه لن يستعيد وحده الإجماع الأميركي السابق ما دامت السياسات الإسرائيلية المثيرة للاعتراض مستمرة.
أما حرفوش، فيخلص إلى أن التغيير يتّخذ طابعاً تراكمياً، ويحتاج إلى وقت وجهود ممتدة حتى يتحوّل إلى تعديل هيكلي في جوهر العلاقات الأميركية الإسرائيلية.
وبين إعلان ترامب وخلافات الكونغرس وتغيّر المزاج الانتخابي، تواجه إسرائيل اختباراً قد تتجاوز تداعياته مستقبل المساعدات العسكرية، وصولاً إلى طبيعة الالتزام الأميركي تجاهها، وحدود الدعم الذي تستطيع الاعتماد عليه في أي مواجهة إقليمية مقبلة.
المصدر: النهار