كرّ الفكر.. وفرّ الإحساس
ماجد بن علي الهادي كثيرًا ما يحاورني عقلي، ولولا هذا الحوار لاضمحلت أفكاري. الروابط الذهنية والمثيرات الحسية يتمحور بها الذهن ويفعلها بعملياته العقلية، وفق طريقة التخزين التي تماهى معها في حينه. ومن خلالها تستدعى الشخصيات المصنفة حسب المجالات التي ارتأى بأنها تتناسب معها؛ أي المصفوفات المصنفة بأنواعها (الأدبية، العلمية، الفنية،... الخ). هذه الروابط والمثيرات يتم من خلالها استدعاء الشخصيات. ودعونا هنا نخص بالشخصيات الأدبية المخزنة في الذاكرة. قد تكون كاتبا يحاور الذات وتبادله النقاش والتقمص، يتبادل معها الأدوار وتتبادل معه الاحاسيس والمشاعر الأدبية والحسية. يمنحها الكثير من المساحات والآفاق التصويرية، وتعطيها الكثير من الحيزات والقوالب الفنية. علاقات متكافئة ومتوازنة ومتماهية ومتنامية، مع كل مردود فكري، ومع كل استشعار أدبي. ولا يستبعد أن تكون الشخصيات رسمت للتو، رسمها الذهن وخطها العقل، وصاغتها المخيلة بحروف من خيال جميل. وقد تكون قارئا نهما تستدعيك الشخصيات التي كانت يوما ما حبيسة الأوراق، فتلبي دعوتها بأن تعيد قراءتها من جديد، وتتعايش مع آفاق مكوثها الرزين بين دفات الروائح الأدبية الجميلة. استدعاء فكري وذهني يطور ذاته من تلقاء نفسه، وفق المعطيات التي يعيشها بحضوره القوي، من خلال القراءة والاطلاع المستمر، المنضبط بتقنية التفكير الرزين. المشاعر والأحاسيس تعد أنجع بوابة فكرية حسية لمخزنات الشخصيات، فتلك الشخصية أغضبتني، والثانية أسعدتني، والثالثة أحبطتني. وهكذا هي المثيرات تنتشلني من سبات عقلي وتفكيري العميق، تنتشلني وتلفني في أحضان بوتقة متلاطمة الأحاسيس، ومتباينة التفاعلات، تستفزني لأتذكرها وأستدعيها، تلهمني لأطوقها بناقلاتي العصبية، وألقي بها أرض واقعي وخيالي على حد سواء. إذن كانت بيننا علاقة عاطفية يوما، هل هو حبا من طرف واحد؟! ومن هو الواقع في هذا الحب حتى النخاع؟ الشخصية المخزنة أم الخلية العصبية واقع التخزين؟ أي كانت التفسيرات والتعليلات والتحليلات فالعلاقة متشكلة أساسا بين كر الفكر وفر الإحساس، العلاقة مبنية على حلقة قابلة للانفتاح والانغلاق. الانفتاح على كل شيء جديد معرفي، والانغلاق على التأثير الحسي والنفسي للشخصية المؤثرة. الاستدعاءات للشخصيات من بواطن التفاعلات والمشاعر المختلطة، تتم بحرفنة التقنية الفكرية ولا يستوطن التأثير إلا بعد اقتناع الذهن بأن المثير مرتهن بقابلية الطمأنينة. هذا يقودنا إلى سلسلة من الاستثارات التي تتماوج مع روح الذاكرة، وليست بالضرورة أن تكون مفرحة، فهناك من الاستثارات والمثيرات ما هو متلون بألوان العقد، تلك التي تتبلور من خلال الانتقام، البحث عن الهوية، الفقر. فهذه قد تأثيراتها أقوى من نقائضها، ليس لشيء وإنما لأن الإنسان مجبول وبقوة على الجانب الحزين. المؤثرات الصادمة دائما ما تترك انطباعا يستمر تأثيره على المدى البعيد. وهذا ما ذكرناه في البداية بأن الروابط الذهنية والمثيرات الحسية يتمحور بها الذهن ويفعلها بعملياته العقلية، وفق طريقة التخزين التي تماهى معها في حينه. الطريقة مؤلمة والتأثير أشد إيلاما والتخزين فوق طاقته، ماذا سينتج عنه.. تفكك عصبي، صخب فكري، فوضى حسية، تراكمات مؤلمة، كلها تتعنون بشخصية ما أو موقف معين. ستتنوع الاستدعاءات وبتنوعها تتفجر ينابيع الإلهام، فهذا سيكتب في الجانب السياسي، والثاني في الاقتصادي، والثالث في الأدبي، تتسلسل التصنيفات من واقع الميول، وستسترسل الإلهامات من مواطن الانقضاض على واقع الشخصيات (الملهمة) المخزنة. صراع كبير ومستفحل سيدور في المساحة الضيقة (الشاسعة) بين الإلهام وتحقيقه على صفحة الإبداع. نعم بالتأكيد سيكون إبداعا بصرف النظر عن كُنهه ونوعه ومبدعه.
المصدر: الرؤية