مسرح “القباني” يعود إلى الحياة بعد ترميمه.. و”طباخ روحه” أول عروضه
افتتحت وزارة الثقافة مساء اليوم، مسرح “القباني” في دمشق، بعد الانتهاء من أعمال تجديده وإعادة تأهيله، وذلك بحضور رسمي وجماهيري واسع، في خطوة تعيد أحد أبرز المسارح السورية إلى النشاط الثقافي والفني، وتلا مراسم الافتتاح تقديم العرض المسرحي “طباخ روحو” للمخرجة إيناس حقي، عن فكرة وكتابة فارس الذهبي، وبطولة آلاء عفاش. وفي كلمة الافتتاح توجّه وزير الثقافة محمد ياسين صالح بالشكر إلى مديرية المسارح والموسيقا على جهودها في ترميم المسرح والوصول به إلى صورته الحالية، واصفاً عملية الترميم بأنها جهد كبير وعمل شاق، مشيداً بحالة الانسجام والإصرار التي رافقت إنجاز المشروع. وأكد صالح أن الوزارة تنظر إلى المسرح باعتباره واحداً من الحصون الثقافية، مشيراً إلى أن قيمة المسرح تكمن في الأسئلة التي يطرحها بعد كل عرض، وفي قدرته على تحويل أوجاع الشارع إلى مادة للحوار، ومن ثم البحث عن حلول ومسارات للتعافي. واستحضر الوزير في كلمته تجربة أبي خليل القباني، الذي ارتبط اسمه بتجربة مسرحية اجتماعية وسياسية فريدة في زمانها، وقوبلت في بداياتها بالرفض والمواجهة والتنفير المجتمعي، قبل أن يثبت التاريخ لاحقاً أن ما قد يلفظه المجتمع في لحظة ما، يمكن أن يتحوّل في المستقبل إلى جزء من ذاكرته الإبداعية. وفي تصريح لـ”الوطن”، أكدت مديرة مسرح “القباني” أسيمة يوسف أن لهذا المسرح مكانة استثنائية في ذاكرة المسرحيين، بوصفه جزءاً من تاريخهم وشاهداً على مسيرة طويلة من الحلم والإبداع، وفضاءً يحمل حكايات أجيال متعاقبة من الفنانين والمبدعين. وبيّنت أن إعادة افتتاح المسرح بعد ترميمه تجعله اليوم أكثر قدرة على استقبال المبدعين واحتضان مشاريعهم، معربة عن تطلعها إلى أن يتحوّل إلى مساحة للعمل المسرحي الجاد، ويحتضن الفنانين والمسرحيين، ويستقبل الجمهور الذي وُجد المسرح من أجله أساساً. وتوقفت يوسف عند التحديات التي تواجه الفنان، مشيرة إلى أن مخيلة المبدع لا حدود لها، لكن الفقر يقيّدها، ولا يمكن أن يكون الممثل مبدعاً وهو يبحث عن الخبز، لتطرح في هذا السياق جملة من التساؤلات حول إمكانية إشراك الفنان في عائد شباك التذاكر، واستمرار النشاط المسرحي على مدار العام، وإحياء المهرجانات المسرحية، إلى جانب فتح أبواب المسرح أمام المنتجين والفنيين. وأشارت إلى أن هذه المناسبة أعادتها إلى مقاعد الدراسة، حيث جمعتها سنوات الدراسة بالمسرحي نوار بلبل، وكانا يحملان آنذاك أحلاماً ومشاريع كبيرة لا تحدّها الإمكانات المتاحة، قبل أن تأخذ الحياة كل واحد منهما في طريقه. وأضافت: إن تلك الأحلام عادت لتطرق أبواب الذاكرة عندما تسلّم نوار بلبل إدارة المسارح والموسيقا، ثم هاتفها ليخبرها بتكليفها بإدارة مسرح “القباني”، طالباً منها الوقوف إلى جانبه في هذه المهمة، معتبرة أن الفرصة شكّلت بالنسبة إليها عودة إلى الأحلام الأولى ومنحتها إمكانية تحويلها إلى واقع، مؤكدة أننا نستطيع أن نقول إن الحلم لم يبقَ حديث الذاكرة. العرض الأول عقب افتتاح المسرح، قدّمت المخرجة إيناس حقي عرض “طباخ روحه”، الذي حافظ على بنيته المونودرامية، في نسخته الثالثة، بعد عروض سابقة قدمت في فرنسا. وتدور أحداث العرض حول “سلمى”، المرأة التي تحب الطبيعة والسلام وتتقن إعداد الطبق السوري التقليدي الذي يحمل اسم العرض، قبل أن يتحول هذا الطبق إلى وسيلة للانتقام بعدما تتعرض للظلم والاضطهاد والتعذيب والسجن ظلماً، على حين يضحّي والدها بحياته لإنقاذها، لتجد نفسها أمام رحلة لاستعادة حقها وقوتها في مواجهة ما تعرضت له من قسوة وانتهاك. وأوضحت حقي في تصريح ل”الوطن” أنها وافقت على خوض التجربة، بعد أن وجدت في النص حكاية امرأة تتراكم عليها أشكال الظلم، وتبحث عن وسيلة وآلية لاستعادة حقها وقوتها، مشيرةً إلى أن النص أثّر فيها بقوة وجذبها لما استطاع الذهبي تقديمه من تمثيل حقيقي لحالة المرأة السورية، الأمر الذي دفعها إلى خوض تجربتها المسرحية الأولى كمخرجة، واصفة التجربة بأنها كانت ممتلئة بالحب والحميمية والمشاعر الصادقة مع فريق العمل. وعبّرت حقي عن سعادتها بعودة العرض في نسخته الثالثة إلى مكانه الطبيعي في دمشق، معتبرة أن ذلك يمنحه قيمة مختلفة عن النسختين السابقتين، وقالت إن «نسخة دمشق هي الأكمل والأقرب إلى قلبي». ولفتت إلى أن نص فارس الذهبي راهن ومعاصر، ويحمل تفاصيل عديدة جرى تطويرها في كل نسخة وفق الظرف السياسي والمكان والجمهور الذي قدّم أمامه العرض، موضحة أن النسخة الحالية تختلف بشكل كبير عن العرض الأول والثاني اللذين قدما أمام الجمهور الفرنسي. ورأت حقي أن العمل المسرحي يمنح المخرج مساحة واسعة للتفاصيل، إذ يتيح له العمل بهدوء ونسج العرض بكل عناصره من دون أن يطارده الوقت، خلافاً لبعض الأنواع الفنية الأخرى، معتبرة أن صعوبة المسرح تشكل في الوقت نفسه تحدياً ممتعاً للمخرج، ولا سيما عندما يكون النص عميقاً ودافئاً ومتقشفاً في آن واحد، كما هي الحال في “طباخ روحو”. بدورها، أعربت الممثلة آلاء عفاش عن سعادتها بالمشاركة في المسرحية بعد أن عرضت عليها إيناس حقي الدور، مشيرة إلى وجود تقاطعات عديدة بين العمل وبعض مراحل طفولتها وتجاربها الشخصية، ولا سيما في التفاصيل التي تجسد معاناة المرأة التي تجد نفسها رهينة ظروف اجتماعية قاسية.٠ وأعربت عفاش عن أملها في أن يحظى العرض باستحسان الجمهور وإعجابه، وأن تصل حكايته ورسائله إلى المتلقي. يذكر أن “القباني” هو المسرح الثاني الذي قامت مديرية المسارح والموسيقا بتجديده وإعادة تأهيله بعد مسرح “الحمراء”، معلنة التوجّه قريباً لإعادة افتتاح مسرح طرطوس بعد تجديده أيضاً. تصوير: طارق السعدوني
المصدر: الوطن