حكومة الزيدي تفتح «جبهة الاقتصاد» مع الفصائل وسط ضغوط أميركية على حدود إيران
متابعة/المدى
دخلت العلاقة بين الحكومة العراقية والفصائل المسلحة مرحلة جديدة، بعد انتقال الخلاف من ملف حصر السلاح إلى النفوذ الاقتصادي والعقود الحكومية والمنافذ الحدودية، بالتزامن مع ضغوط أميركية متصاعدة على بغداد لتشديد الرقابة على الحدود مع إيران، ومساعٍ عراقية موازية للوساطة بين واشنطن وطهران ومنع اندلاع مواجهة إقليمية جديدة.
وكشف قرار رئيس الوزراء علي الزيدي بإلغاء عقود ثلاث شركات عاملة في مطار الموصل الدولي، على خلفية شبهات ارتباطها بجهات مسلحة، عن اعتماد الحكومة مساراً جديداً لتقليص نفوذ الفصائل داخل مؤسسات الدولة والمرافق الخدمية، من دون الذهاب إلى مواجهة أمنية مباشرة معها.
وذكر بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء، تابعته (المدى)، أن الزيدي وجّه بتسريع إجراءات تشغيل مطار الموصل الدولي والتعاقد مع شركات عالمية متخصصة، في خطوة قالت الحكومة إنها تهدف إلى تحسين الخدمات ومعالجة الخلل في إدارة المطار.
ويرى مراقبون أن القرار يتجاوز الجانب الإداري والخدمي إلى إعادة النظر في شبكة المصالح الاقتصادية المرتبطة بالقوى المسلحة، ولا سيما الشركات التي حصلت على عقود حكومية مستفيدة من النفوذ السياسي أو قوة السلاح.
«المواجهة الاقتصادية»
وقال أستاذ العلوم السياسية إياد العنبر، في حديث متلفز تابعته (المدى)، إن قرار إلغاء العقود يدشن مساراً ثالثاً في استراتيجية الحكومة للتعامل مع الجماعات المسلحة، يقوم على «المواجهة الاقتصادية وتضييق الخناق المالي».
وأوضح العنبر أن هذا المسار يأتي بعد طرح صيغتين سابقتين، تمثلت الأولى بمقترحات منح حقائب أو مواقع حكومية مقابل تنظيم السلاح، بينما اعتمدت الثانية الحوار الهادف إلى تحييد الفصائل عن الصراعات الإقليمية.
وبحسب العنبر، فإن عدم إعلان الحكومة أسماء الشركات والجهات التي تقف خلفها يعود إلى رغبتها في تفادي تحويل الإجراءات الإدارية إلى إعلان مواجهة مباشرة، والاكتفاء بإنهاء العقود وإتاحة بعض المعلومات عبر التسريبات.
بدوره، قال المحلل السياسي مجاشع التميمي، في حديث متلفز تابعته (المدى)، إن الإجراءات الحكومية استندت إلى تحقيقات تتعلق بشبهات فساد ورداءة في خدمات الطيران، مشيراً إلى أن استخدام نفوذ السلاح لحماية الشركات يلحق الضرر بالمنافسة ويؤثر في مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
وأضاف أن الفصائل لا يمكنها الجمع بين معارضة قرارات الدولة والاستفادة من عقودها وامتيازاتها، ولا سيما مع تصاعد الضغوط الدولية على بغداد بعد انتهاء مهام التحالف الدولي.
في المقابل، انتقد المحلل السياسي علي فضل الله، في حديث متلفز تابعته (المدى)، توجيه اتهامات عامة إلى شركات أو جهات مرتبطة بالفصائل من دون إعلان المسوغ القانوني أو الأدلة التي استندت إليها القرارات.
وأكد فضل الله أن الجهات أو الشخصيات القريبة من الفصائل تمتلك حق ممارسة النشاط التجاري ما دامت ملتزمة بالقوانين والضوابط، محذراً من تحول الإجراءات إلى استجابة لرغبة أميركية في دفع الحكومة نحو صدام داخلي يبعدها عن ملفات الكهرباء والبطالة واستقرار الرواتب.
كما أكد التزام الفصائل، بحسب قوله، بالاتفاق المبرم مع رئيس الوزراء برعاية اللجنة الرباعية التابعة للإطار التنسيقي، مستبعداً انزلاقها إلى مواجهة مسلحة مع القوات الأمنية، لضرورة اعتماد الحوار والاحتواء وتجنب إراقة الدم العراقي.
ضغط أميركي لإغلاق المعابر
ويأتي الخلاف بشأن عقود مطار الموصل بالتزامن مع كشف وزير الخارجية فؤاد حسين عن طلب أميركي رسمي بإغلاق معظم المعابر الحدودية بين العراق وإيران.
وقال حسين، في مقابلة متلفزة تابعتها (المدى)، إن وزارة الخزانة الأميركية طلبت رسمياً من العراق إغلاق جميع المعابر الحدودية مع إيران، باستثناء معبرين، ضمن سياسة واشنطن الرامية إلى زيادة الضغوط الاقتصادية على طهران.
وأثارت تصريحات وزير الخارجية ردود فعل غاضبة لدى قوى عراقية حليفة لإيران، وفي مقدمتها منظمة بدر بزعامة هادي العامري.
وعبّرت المنظمة، في موقف تابعته (المدى)، عن رفضها تصريحات حسين بشأن المنافذ البرية مع إيران، فيما لا يزال إغلاق منفذ الشيب الحدودي في محافظة ميسان يثير اعتراضات سياسية واقتصادية واحتجاجات من أصحاب الشاحنات.
وتتداخل في قضية المنفذ مصالح تجارية متعددة، تشمل أصحاب الشاحنات والتجار والعاملين في قطاع النقل، إلى جانب اتهامات باستغلال ضعف الرقابة والترتيبات الأمنية لتمرير مواد محظورة أو تفادي الإجراءات الرسمية.
ونظم عدد من أصحاب الشاحنات وقفات احتجاجية للمطالبة بإعادة فتح المنفذ، محذرين من خسائر مالية وتعطّل أعمالهم نتيجة استمرار الإغلاق.
ويضع الطلب الأميركي الحكومة العراقية أمام معادلة معقدة، إذ تسعى بغداد إلى حماية نظامها المالي وتجنب العقوبات الأميركية، لكنها تخشى في الوقت نفسه تداعيات إغلاق المنافذ على حركة التجارة والمحافظات الحدودية وعلاقات العراق السياسية والاقتصادية مع إيران.
سباق لحسم السلاح
تتزامن هذه التطورات مع اقتراب الاستحقاق المتعلق بحصر السلاح بيد الدولة، وسط حديث عن مهلة تمتد حتى حزيران المقبل للتوصل إلى ترتيبات نهائية بشأن الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيّرة والصواريخ التي تمتلكها بعض الجماعات المسلحة.
ويرى مراقبون أن الحكومة تحاول تفكيك الملف تدريجياً، عبر تنظيم السلاح من جهة، وتقليص مصادر التمويل والنفوذ الاقتصادي من جهة أخرى، مع تجنب اتخاذ خطوات متسارعة قد تؤدي إلى صدام مسلح.
لكن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطاً بقدرة الحكومة على تطبيق الإجراءات على جميع الجهات من دون انتقائية، وإعلان الأسس القانونية لإنهاء العقود، إلى جانب منع تحول مكافحة الفساد إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية.
بغداد تعرض الوساطة
وفي موازاة الضغوط المتصاعدة، تحاول بغداد تقديم نفسها وسيطاً لمنع تجدد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
وقال عضو ائتلاف دولة القانون صلاح بوشي، في تصريح تابعته (المدى)، إن المبادرة العراقية لتشكيل لجنة من وزراء خارجية دول المنطقة والتحرك باتجاه طهران وواشنطن تؤكد أن العراق لا يريد الاكتفاء بمراقبة التصعيد، بل يسعى إلى أداء دور دبلوماسي فاعل.
وأضاف أن المبادرة تهدف إلى تقريب وجهات النظر واستئناف الحوار ومعالجة الملفات الخلافية، بما يسهم في منع الحرب وحماية استقرار العراق والمنطقة.
ويرى بوشي أن الفرصة ما تزال متاحة أمام بغداد لنزع فتيل الأزمة، ولا سيما بعد تعثر الوساطة القطرية، مؤكداً أن العراق يستطيع التدخل لإنهاء التصعيد ودفع الطرفين نحو الحلول الدبلوماسية.
غير أن مساعي الوساطة تصطدم بحساسية الوضع الداخلي، إذ تطالب واشنطن بغداد بتشديد الخناق الاقتصادي والحدودي على إيران، بينما ترفض قوى عراقية حليفة لطهران تحويل البلاد إلى جزء من سياسة الضغط الأميركية.
The post حكومة الزيدي تفتح «جبهة الاقتصاد» مع الفصائل وسط ضغوط أميركية على حدود إيران appeared first on جريدة المدى.
المصدر: المدى