شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الهروب الصائب

الهروب الصائب

ريمون مرهج

أجلس وحيداً هارباً من ضجيج العالم وبشره وعقدهم ونواياهم. أبتعد عن أهدافهم المادية وسباقهم نحو المراكز والسلطة وجشعهم إلى المادة والرغبة الأنانية المفرطة في جمع المال حتى لو كان هذا الأمر مستحيلاً للأكثرية منهم!
أهرول مسرعاً إلى المكان الهادئ لأستعيد الإنسان وقيمه، لألتقي بالخالق في السكون وأرى جمال ما خلقه لأجلي، فأتأمل جمال الطبيعة، وأشعر بروعة الأمان والسلام في أعماقي. هناك أجد ذاتي، وأكتفي بما لديّ، فلا معنى للكنوز المادية والنفس متعبة مرهقة دائمة القلق مع إدراكي التام بأنها غنائم موقتة وفانية؛ فالذي سيبقى للأبد هو رضى الخالق ومحبته العظيمة لروحي، فلولا وجوده في قلبي لكنت مجرد مخلوق لا قيمة لوجوده.
خلقني الله لأساهم في حماية جمال ما خلقه في الأرض. أساهم في تظهير رونقه وأكون ساعياً للخير بين الناس، فلاحاً ينثر بذور المحبة في القلوب، شاعراً أديباً يبدع في إنارة شعلة الأحاسيس الراقية العطشى للنور في الأعماق المظلمة الجافة. خلقني الله لأكون صدى صوته بين التلال والجبال وفي المنازل وعلى الدروب، صدى ينساب إلى مسامع الأطفال والشباب والشيوخ ويدهش فكرهم وأفئدتهم بين صفحات الكتب وفي لوحات الرسامين الخلاقين الفذين.
أهرب كي ألقى نفسي التي تكاد تضيع في همجية هذا العالم، لولا لجوئي إلى السكون وتأمل السماء والأرض، والعودة إلى حقيقة ذاتي الحسنة البريئة التي اكتسبتها منذ طفولتي، ومحادثة ربي والبوح له بكل أوجاعي وألامي فأرتمي بين أحضانه ويغمرني إلى قلبه، فأرتاح ويعمني السلام الطمأنينة.
نعم، أختلي بذاتي في بحر الهدوء، ولكن لفترة وجيزة فأستعيد طاقتي وقوتي وأعود فارساً شجاعاً سعيداً يجول في مجتمعه بثبات قيمه ومبادئه، يبذر عطر قلبه، وينثر حقيقة وجود الإنسان بين البشر بفرح وعزم كبيرين، وبإرادة صلبة في مواصلة الحياة بالأمل والنجاح حتى آخر خطوة من رحلة العمر في هذا العالم.


المصدر: النهار