سرّ على مائدة الغداء.. وجبة واحدة تكشف ما تخفيه التقارير
في وقت يفضّل فيه كثير من الرؤساء التنفيذيين إدارة شركاتهم من مكاتب فاخرة ومعزولة، يختار بعض قادة كبرى المؤسسات نهجا مختلفا، يتمثل في الجلوس مع الموظفين على مائدة الغداء، والاستماع إليهم مباشرةً، بعيدا عن الاجتماعات الرسمية والتقارير الإدارية. ويتبنّى هوارد هوخهاوزر، الرئيس التنفيذي لشركة أنسيستري، المتخصصة في خدمات الأنساب والتاريخ العائلي، هذا النهج الذي اكتسبه خلال عمله في بنك الاستثمار الأمريكي بير ستيرنز في أواخر تسعينات القرن الماضي، حين لاحظ أن آيس غرينبرغ، الرئيس التنفيذي للبنك آنذاك ومؤسسه، كان يحرص على تناول الطعام مع الموظفين يوميا. وقال هوخهاوزر، في مقابلة مع مجلة "فورتشن"، إن هذا السلوك ترك أثرا واضحا فيه، موضحا أن جلوس المسؤول التنفيذي بين العاملين يبعث برسالة مفادها أنه شخص متاح للتواصل، ويمكن للموظفين التحدث إليه بحرية، بدلا من أن يبدو بعيدا عنهم خلف أبواب المكاتب المغلقة. وأضاف أن الوصول إلى المعلومات الصريحة وغير المنقّحة يمثل تحديا يواجه كثيرا من الرؤساء التنفيذيين، إذ قد تحيط بهم بيئة تعزلهم تدريجيا عن الواقع الفعلي داخل مؤسساتهم. ويرى أن تناول الغداء مع الموظفين بصورة عفوية يساعد على كسر هذه العزلة، ويتيح التعرف إلى آرائهم الحقيقية ومخاوفهم. ولا تقتصر أهمية هذا النهج على تعزيز العلاقات داخل بيئة العمل، بل تمتد إلى مساعدة القيادات على فهم انعكاسات القرارات الإدارية على الموظفين قبل تطبيقها أو أثناء تنفيذها. وضرب هوخهاوزر مثالا بسياسة الحضور الشخصي إلى المكتب، موضحا أنه طرح الفكرة بصورة غير رسمية على مجموعة من الموظفين قبل يومين تقريبا من الإعلان عنها رسميا، وخلال تلك المناقشات، عبّر العاملون عن مخاوف تتعلق بتأثير القرار على التزاماتهم الأسرية، بما في ذلك توصيل الأبناء إلى المدارس، وحضور مبارياتهم الرياضية، ومساعدتهم على الانتقال إلى الجامعات. وأكد أن الموظفين قدّروا صراحة الإدارة في توضيح التوقعات، كما أتيحت لهم فرصة التعبير عن تحفظاتهم بصورة مباشرة، وهو ما ساعد الشركة على مراعاة وجهات نظرهم عند التواصل بشأن السياسة الجديدة. وشدّد هوخهاوزر، في حديثه عن مسؤولية الموظفين في تنظيم شؤونهم، على أهمية منحهم مساحة من الثقة والاستقلالية، قائلا: "أنتم أشخاص بالغون، استخدموا حكمكم الشخصي". ولا ينفرد هوخهاوزر بهذا الأسلوب، إذ تلجأ قيادات شركات ومؤسسات دولية أخرى إلى اللقاءات غير الرسمية والوجبات المشتركة لتعزيز التواصل الداخلي، خصوصا في فترات التحولات التنظيمية الصعبة. ففي بنك "إيه بي إن أمرو" الهولندي، الذي تبلغ قيمته نحو 36 مليار دولار، لجأت الرئيسة التنفيذية مارغريت بيرار إلى عقد لقاءات غداء أسبوعية مع مجموعات صغيرة من الموظفين، في إطار جهودها لإدارة خطة إعادة هيكلة تتضمن الاستغناء عن نحو 5200 وظيفة خلال الفترة من 2024 إلى 2028. وتأتي هذه الخطوة في ظل تحديات واجهها البنك منذ الأزمة المالية العالمية، إلى جانب تسجيل صافي أرباح في الربع الرابع من عام 2025 دون توقعات السوق، وتهدف اللقاءات إلى الاستماع إلى وجهات نظر الموظفين بشأن مستقبل المؤسسة والتغيرات التي تمر بها. وقالت بيرار، بحسب ما نقلته صحيفة "فاينانشال تايمز"، إن بناء التوافق وتشكيل التحالفات يمثلان عنصرين مهمين في بيئة الأعمال الهولندية، مشيرةً إلى أن تحقيق ذلك ليس أمرا تتقنه جميع الثقافات الإدارية بالقدر نفسه. وفي شركة "أبل"، اعتاد الرئيس التنفيذي السابق تيم كوك أيضا تناول الغداء مع موظفين يلتقيهم بصورة عشوائية في مطعم الشركة، بدلا من الاقتصار على الاجتماعات مع كبار المسؤولين، في نهج يختلف عن أسلوب سلفه الراحل ستيف جوبز، الذي كان يتناول الطعام غالبا مع المسؤول التنفيذي عن التصميم جوناثان آيف. أما شركة "دولينغو" المتخصصة في تطبيقات تعلم اللغات، فتجعل وجبات الغداء الجماعية جزءا من ثقافتها المؤسسية. وقال سيفيرين هاكر، المدير التقني والشريك المؤسس للشركة، إن هذه اللقاءات اليومية، التي يشارك فيها الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لويس فون آن، تمثل عنصرا أساسيا في ثقافة العمل. ويرى هاكر أن التواصل المباشر مع الموظفين قد يكون أكثر فاعلية من استطلاعات قياس الاندماج الوظيفي، لأن اللقاءات العفوية تمنح العاملين مساحة أكبر للحديث بصراحة عن أوضاع الشركة. وكتب في منشور على "لينكدإن" أن وجبات الغداء تتيح لأشخاص من فرق مختلفة، بمن فيهم الموظفون الجدد، فرصة التحدث والتعارف بعيدا عن قيود العمل اليومية. ويتبع كريس توماسو، الرئيس التنفيذي لسلسلة مطاعم "فيرست ووتش"، نهجا مشابها، إذ يحرص على تناول الغداء مع العاملين في غرفة الاستراحة، كما يخصص وقتا شهريا لكتابة رسائل تهنئة إلى الطهاة والعاملين في غسل الأطباق الذين يحققون إنجازات مهنية داخل الشركة، التي تتجاوز إيراداتها السنوية مليار دولار. وقال توماسو لمجلة "فورتشن" إنه يحاول تقليل الحواجز المرتبطة بمنصبه التنفيذي عند التعامل مع الموظفين، مشيرا إلى أن جلوسه معهم وتناوله الطعام الذي يحضره بنفسه يفاجئ الموظفين الجدد أحيانا. وأضاف أن هذا الاستغراب يعكس، في رأيه، وجود تصور غير ضروري للمسافة التي ينبغي أن تفصل الرئيس التنفيذي عن بقية العاملين. وتكشف هذه التجارب عن أهمية التواصل المباشر بوصفه أداة إدارية تتجاوز المجاملات وبناء العلاقات الشخصية، فمائدة الغداء قد تتحول إلى مساحة لاكتشاف المشكلات مبكرا، واختبار ردود الفعل تجاه القرارات، وتعزيز الثقة بين الإدارة والموظفين. وفي مؤسسات تتعدد فيها المستويات الإدارية وتزداد فيها المسافة بين صانعي القرار والعاملين، قد تكون محادثة عفوية خلال وجبة الغداء وسيلة فعّالة لفهم ما لا تكشفه التقارير الرسمية، والوصول إلى صورة أكثر واقعية عمّا يجري داخل الشركة.
المصدر: البيان