حِسّ اللسان العربي وعراقة اللهجة العُمانية (3)
الخصوصية الصوتية والتيسير الفطري لأهل عُمان الداخل حمد الناصري ينأى متحدث العربية في ولاياتنا العُمانية العريقة عن صرامة التقنين المدرسي والأكاديمي والقواعد الصرفية الجافة أثناء معاملاته اليومية المعتادة. وهذا الانحياز الطبيعي ليس انسلاخًا عن الأصل، بل هو حراسة واعية لباطن اللغة العربية الأم، وحفظ لوقارها الشفاهي؛ فاللسان هنا كائن حي ممتد، يستبدل عسر المخارج المعقدة بيسر النغم الفصيح والسلس، ويؤسس الهوية الصوتية الفطرية الكامنة في الوجدان. وهي رغبة تنزع نحو العفوية السلوكية وتطويع النطق، ليظل صك الترابط بين الأجيال مخزنًا فخمًا لهوية التاريخ، التي لا تبددها الحداثة في محيط النطاق الجغرافي، ولا يزعزعها تفكيك البنى السوسيو-لغوية. وهذا الميزان اللغوي امتداد لصمود قواعد اللغة؛ إذ يتأثر المنظور اللساني والمحكيات المحلية تأثرًا عميقًا بناتج التفاعلات المجتمعية وإملاءات البيئة المعاشة؛ فاللغة طاقة تتحرك بتموجات الجسد والحالة النفسية للفرد. ومن رحم هذه التصاريف الحياتية والبيئية، تولد المتغيرات اللسانية التي تحدد طبيعة النطق والتراكيب، وتهندس نشأة اللهجات؛ حيث تتصدر البيئة، بمكوناتها الجبلية والسهلية والساحلية والصحراوية الجافة، بوصفها عاملًا حاسمًا في هذا التشكيل. وفي السياق ذاته، ترتقي اللغة وتتخفف أبعادها اللسانية وفقًا لأربعة مستويات معيشية متكاملة، تتوزع بين الموطن الجغرافي، والمستوى المعاش، والمحيط الطبيعي الملائم، والارتقاء المعرفي والتعليمي. وقد يتسق هذا الانحياز الفطري والتيسير العفوي اتساقًا تامًا مع الأطروحة اللسانية الرائدة للمؤسس السويسري فرديناند دي سوسير، في كتابه «محاضرات في الألسنية العامة»، الصادر عام 1916م؛ إذ يوضح في مصنفه أن «الكلام اليومي الممارس» (Parole)، الذي يعني الأداء الشفهي الفعلي والمنطوق للبشر، هو الكائن الحي والمحرك الفعلي للغة، وأن مرونة المحكيات في تذويب الصرامة الجافة هي التي تحمي عروق اللغة الأم وتبقيها نابضة بالبيان. وهو ما تؤكده، بحسب ما يورده الكاتب، أوراق عمل «ندوة اللغات واللهجات المحكية في عُمان» الصادرة عن مجلس البحث العلمي، من خلال كشفها الأنثروبولوجي عن أن سيكولوجية التيسير الصوتي لدى سكان ولايات الداخل العُماني تمثل حصنًا فطريًا واعيًا يصون جينات الحرف العربي صلبة ونقية، عابرة لتقلبات العصور الكاسحة. وهنا تتكشف أمام البصيرة علاقة وثيقة بين مهابة الطبيعة ورنين الصوت الموروث لداخلية عُمان؛ فالبيئة المرتفعة ومجاورة السلاسل الجبلية التاريخية فرضتا على قاطنيها طابعًا من الحزم النطقي وحصر النفس اللفظي، بوصفهما آلية بدنية فطرية تهدف إلى حماية جوهر الحرف ومنع ذوبانه السريع في الفضاء. غير أن هذا الانغلاق الظاهري لا يعني الجمود، بل يمثل حركية لسانية تبتكر الحلول لتسهيل النطق اليومي. ويتطابق هذا الاقتصاد الصوتي العفوي، تاريخيًا وبنيويًا، مع ما أصّله إمام لغويي العربية وابن عُمان البار، الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 170هـ)، في مقدمة مصنفه الخالد «كتاب العين»؛ إذ يُنسب إليه قوله: «واستثقلوا الجمع بين المتجانسة والمتقاربة، فرارًا من الثقل إلى الخفة، وطلبًا للتيسير في النطق»، مؤصلًا بذلك التسهيل بوصفه نزوعًا بنيويًا أصيلًا لحماية جوهر اللسان العربي من عناء التعقيد العضلي. وعلى هدي هذا القياس، يطوّع أهل ولايات الداخل العُماني، مثل نزوى وبهلاء وسمائل وإزكي، هذا النظام الصوتي؛ فالمتحدث هناك يتخفف من صوت القاف، ويعوضه في النطق بكاف رصينة، كما في قولهم: «الطريك» بدلًا من «الطريق». كذلك يظهر اتحاد لفظي وثيق في بعض السياقات، وهي سياقات جمعية تختزل بعض الخصائص الصوتية لدى المجتمع العُماني؛ إذ يميل اللسان بطبعه إلى إسقاط الهمزة الأخيرة عند الوقف تخفيفًا، فيقول المتحدث في بهلاء: «بهلا»، مخففًا الهمزة المتطرفة. وعلى النسق التيسيري ذاته، تُنطق لفظة «سمائل» في لسان بعض المتحدثين «سمايل»، بقلب الهمزة ياءً لينة. ولهذا النزوع التيسيري، المتمثل في إسقاط الهمزة والتخلص التلقائي من ثقلها، أصل متواتر في أمهات كتب القراءات والتاريخ اللغوي؛ إذ يتقاطع مع مذهب أهل الحجاز وقراء مكة المكرمة، ومنهم الإمام ابن كثير، في تيسير الهمزات وتخفيفها، مما يطرح احتمال احتفاظ بعض المحكيات العُمانية بآثار من الخصائص الصوتية المعروفة في العربية القديمة. وعلى الصعيد التطبيقي الميداني، يبرز اللسان في ولايات نزوى وبهلاء والجبل الأخضر وسمائل وإزكي شاهدًا على هذا التنوع الصوتي؛ إذ يحتفظ أهل هذه الولايات بمتانة التراث العربي الأصيل، ويطوعون النطق في تداولهم المألوف من خلال ظاهرة الإبدال الصوتي، حيث تُنطق القاف كافًا في بعض المفردات والتعبيرات المحلية. ويتضح هذا التباين اللفظي جليًا في سؤالهم المعتاد، كقولهم: «من كالك؟»، أي: «من قال لك؟»، أو «هذا حكك؟» بدلًا من «هذا حقك؟»، أو حين يدلونك على مسلك معين، فيقول المتحدث: «ذاك هو الطريك» بدلًا من «الطريق». وتُظهر هذه الأمثلة خصائص صوتية محلية تتجلى في طريقة نطق بعض الحروف، وتمنح اللهجة جرسًا مميزًا يتدفق بخفة وسلاسة. ويتصل هذا الإبدال في غايته اللغوية بظواهر التخفيف المعروفة في فقه اللغة العربية، ومنها ظاهرة «الكشكشة» المأثورة عن بعض القبائل العربية القديمة، والتي تتصل بأنماط التغيير الصوتي في اللهجات. وهنا وجب التأكيد أن لفظة «الاستخفاف» تُستخدم
المصدر: الرؤية