شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

«صفقة الديزل» وانتخابات أوكرانيا... هل يحصد بوتين مكاسب جديدة؟

«صفقة الديزل» وانتخابات أوكرانيا... هل يحصد بوتين مكاسب جديدة؟

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسية المنخرطة بشكل مباشر أو غير مباشر، على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة. ومع أن الصفقة أثارت جدلاً صاخباً داخل الولايات المتحدة، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني، كان ملاحظاً أن الكرملين لم يتسرع في إعلان مواقف رسمية حيالها، واكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها؛ كونها تقوض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا. وهو ما دفع وزير الطاقة، ألكسندر نوفاك، إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضر باحتياجات المستهلكين المحليين». علماً بأن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل. وسارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراط رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة. لكن البعد الأهم هنا، جاء مع الانعكاس السياسي للصفقة وعودة الحديث الأميركي عن ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا، بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب» وتعهد مواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية طالما تواصل موسكو استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده. طرح هذا التطور معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالانتخابات المؤجلة منذ سنتين لا يمكن إجراؤها كما يقول الأوكرانيون تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي. وهو أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، خصوصاً أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، وتواصلت الضربات المتبادلة بين موسكو وكييف على هذا القطاع حتى بعد الإعلان عن صفقة الديزل، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟ قد يكون هذا واحداً من أبرز الملفات المطروحة على طاولة الحوارات الأميركية - الأوروبية، التي دفعت مستشاري ترمب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى إلغاء زيارتهما المتوقعة إلى موسكو وكييف للتفرغ للحوار مع الأوروبيين. لكن الشروط لا تبدو ملائمة لإطلاق هدنة واسعة والتحضير لانتخابات أوكرانية، على الأقل هذا ما اتضح مباشرة بعد رد الكرملين الصارم على مطلب هدنة الشهرين، بإعلانه استعداد بوتين لوقف القصف يوم توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع فقط إذا أظهرت كييف جدية في إجراء الانتخابات. وأعلن الكرملين، رداً على سؤال حول موقفه من استعداد زيلينسكي لإجراء انتخابات في أوكرانيا في حال التوصل إلى وقف إطلاق نار لمدة 60 يوماً مع روسيا: «لقد أكد الكرملين مراراً وتكراراً - سواء من الرئيس بوتين أو على مستويات أخرى - أننا لا نريد وقف إطلاق نار، بل نريد سلاماً طويل الأمد، ونحن على استعداد لبذل كل ما في وسعنا لتحقيق ذلك». وبين مطالب زيلينسكي وشروط الكرملين بدا أن مناورة «صفقة الديزل» وما تبعها حملت مكاسب جديدة لبوتين، فقد أعادت طرح ملف شرعية الرئاسة الأوكرانية بقوة، من دون أن تلزم موسكو بتقديم تنازلات أو وقف الحرب. كما أن الكرملين بات مقتنعاً بأن ملف العقوبات الأميركية على قطاع النفط في طريقه نحو التفكيك تدريجياً. وهذا ما دفع المتحدث باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف، إلى الإعلان عن «امتنان موسكو» لجهود المفاوضين الأميركيين لحل الأزمة في أوكرانيا، في مقابل شن حملة قوية على الأوروبيين واتهامهم مجدداً بأنهم جزء من المشكلة وليس من الحل. وقال بيسكوف، إن أوروبا تواصل بذل كل ما في وسعها لمنع تسوية النزاع في أوكرانيا، مضيفاً أن الأوروبيين يميلون أكثر إلى الحرب، ويسعون إلى إطالة أمد النزاع. مكرراً موقف بلاده بأن الأوروبيين «ليسوا جزءاً من حزب السلام؛ بل هم أقرب إلى حزب الحرب». هذا الحديث استبق جولات جديدة من المحادثات الأميركية - الأوروبية لبلورة موقف حيال ملفَي الصفقة والانتخابات الأوكرانية. وكانت مدينة ميامي قد استضافت قبل أيام، محادثات بين ممثلي الولايات المتحدة وأوكرانيا ومجموعة «الترويكا الأوروبية» التي تضم بريطانيا وألمانيا وفرنسا، إلى جانب المفوضية الأوروبية وحلف شمال الأطلسي (ناتو). وفي صباح اليوم التالي أُعلن انتهاء المحادثات قبل موعدها، وإلغاء اليوم الثاني الذي كان مقرراً لها. وأفادت مصادر إعلامية بأن المحادثات كانت تهدف إلى بحث مقترح شامل جديد لإنهاء الصراع الأوكراني، مشيرة إلى أنها توقفت مبكراً بعدما أعلن الرئيس الأميركي عقب اتصال هاتفي مع نظيره الروسي، التوصل إلى اتفاق مع روسيا بشأن وقود الديزل. وحسب مصادر نقل عنها «أكسيوس»، أبلغ ويتكوف وكوشنر الجانب الأوكراني خلال الاجتماع أن واشنطن قد تحرم كييف من الوصول إلى معلوماتها الاستخباراتية إذا لم تقدم تنازلات. وبعد التطورات الأخيرة، بدا أن الأطراف تستعد لاستئناف المحادثات لبحث آليات معالجة الموقف الجديد. وذكر موقع «أكسيوس» أن ويتكوف وكوشنر أجلا زيارتهما إلى موسكو لحين وضوح مدى استعداد كييف والدول الأوروبية لدعم مقترح سلام موحد جديد قبل عرضه على روسيا. وكان «أكسيوس» قد أفاد سابقاً بأن ويتكوف وكوشنر يعتزمان زيارة العاصمة الروسية قبل نهاية الشهر الحالي. بينما أشار بيسكوف إلى أن موسكو ليس لديها معلومات حول ما إذا كانت زيارة ويتكوف وكوشنر إلى موسكو ستجري خلال الشهر الحالي. وريثما يتضح الموقف على صعيد التفاهمات المحتملة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، برزت تساؤلات حول قدرة ترمب على فرض هدنة الطاقة التي أعلنها من دون أن يستشير الطرفين الروسي والأوكراني. وقد اتهم زيلينسكي روسيا، الأحد، باستهداف منشآت للطاقة في أوكرانيا بعد الإعلان المفاجئ لترمب. وقال زيلينسكي عقب محادثة مع رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لايين: «لقد ضرب الروس محطة لتوليد الكهرباء في كييف، ولاحقاً، استهدفت ضربات منشآت للطاقة في منطقة خاركيف. حصل كل ذلك بعدما أدلى الرئيس الأميركي بتصريحه بشأن وقف إطلاق النار في قطاع الطاقة». وبُعيد ذلك، أشار إلى وقوع ضربة استهدفت محطة «CHP-5» للطاقة في مدينة خاركيف (شرق البلاد)، مضيفاً أن «الأجواء الأوكرانية كانت تعجّ بطائرات (شاهد) طوال اليوم»، في إشارة إلى مسيَّرات إيرانية التصميم. وحذّر الرئيس الأوكراني من أن بلاده سترد على روسيا إذا رفضت موسكو الموافقة على هدنة للطاقة خلال فصل الشتاء، وقال، الاثنين، خلال كلمة أمام «منتدى وارسو الأمني»، إن إعلان الرئيس الأميركي بشأن هدنة الطاقة أثار اهتماماً حقيقياً وأملاً في إمكانية نجاح المبادرة، مؤكداً أن أوكرانيا أبدت دعمها للفكرة فور طرحها. وأضاف: «إذا لم توافق روسيا على هدنة للطاقة هذا الشتاء، فسنرد». وفي سياق متصل، دعت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، إلى توسيع نطاق هدنة الطاقة بحيث لا تقتصر على مصافي النفط، بما يعزز فرص حماية مزيد من المنشآت الحيوية من الهجمات. كما أشارت إلى إعداد الاتحاد الأوروبي عقوبات تستهدف 1600 كيان مرتبط بالصناعات الدفاعية الروسية، في إطار الجهود الرامية إلى زيادة الضغط على موسكو بسبب الحرب. ويبقى نجاح هدنة الطاقة مرهوناً بموافقة روسيا والتزام الطرفين بوقف الهجمات على المنشآت المستهدفة. وأكدت كالاس، الاثنين، على منصة «إكس» أن «هذا أكبر توسيع لقائمة عقوباتنا منذ أن بدأت روسيا حربها. وتُظهر أوروبا مجدداً وحدة صفّها»، مشيرة إلى أن «أكثر من نصف المشمولين بالعقوبات على ارتباط بسلسلة إنتاج الصواريخ البالستية». وإلى جانب القائمة السوداء التي تشمل أفراداً وكيانات، فرض الاتحاد الأوروبي مجموعات عدة من العقوبات طالت قطاعات واسعة من الاقتصاد الروسي، إلا أن ثمة مخاوف متزايدة من تراجع الزخم نحو فرض عقوبات جديدة واسعة النطاق، مع تزايد الصعوبات التي تواجهها دول الاتحاد الأوروبي في الاتفاق على إجراءات لا تلحق ضرراً كبيراً باقتصاداتها.

المصدر: الشرق الأوسط