المتحف المصري في «التحرير»... حكاية تاريخية بثوب عصري
تسعى مصر لإعادة تقديم المتحف المصري في ميدان التحرير للعالم بحُلَّة جديدة وثوب عصري عبر خطة لتطويره تهدف إلى تحديث سيناريو العرض المتحفي وتحسين تجربة الزيارة به، بما يُسهم في إبراز هوية المتحف التاريخية والأثرية بصورة تليق بمكانته كأحد أبرز المتاحف العالمية. وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، أهمية الحفاظ على القيمة الاستثنائية للمتحف، وصون هويته وطابعه المعماري المُميز، مع تحقيق التكامل بين المقتنيات الأثرية وبيئة عرضها، بما يُبرز جمال القطع الأثرية والعناصر المعمارية الفريدة للمبنى العريق، ويضمن تقديم تجربة متحفية متكاملة للزائرين. وأضاف، وفق بيان للوزارة بعد جولة تفقدية لمستجدات أعمال التطوير بالمتحف، أن «المتحف المصري بالتحرير سيقدم تجربة متحفية متجددة تتيح للزائرين الاستمتاع بروائع أثرية نادرة تجسِّد عظمة الحضارة المصرية العريقة، مما يُعزز مكانته ويعيد تقديم هذا الصرح التاريخي للعالم بشكل يتناسب مع قيمته الاستثنائية وتاريخه الممتد». وتفقد الوزير جانباً من أعمال التطوير، شمل البنية التحتية للمتحف والمنظومة الأمنية وبوابات التفتيش، كما تابع الموقف التنفيذي لتحديث سيناريو العرض المتحفي وأساليب عرض القطع الأثرية. ووجه بمراعاة عدد من الملاحظات المتعلقة بأعمال التطوير وتنفيذها، لضمان التكامل بين مختلف عناصر التطوير وإبراز المقتنيات بصورة متميزة. ويرى عالم الآثار المصرية الدكتور حسين عبد البصير، إمكانية تحويل المتحف المصري إلى مشروع ثقافي وسياحي عالمي، بشرط ألا نتعامل مع المتحف بوصفه مكاناً يحتاج إلى تجديد شكله فقط، بل مؤسسة تاريخية تحتاج إلى إعادة اكتشاف رسالتها وصياغة مستقبلها. ويلفت عبد البصير إلى 5 نقاط أساسية يمكن أن تجعل خطة التطوير أكثر تميزاً، وفق تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» من بينها «الحفاظ على شخصية المتحف وهويته التاريخية. فالمتحف ليس مجرد مبنى قديم يضم آثاراً، بل شاهد على تاريخ علم المصريات، وعلى بدايات تشكل المتاحف المصرية الحديثة». وتابع: «لا يكفي أن يرى الزائر التمثال أو التابوت أو الحليّ؛ نريد أن يعرف مَن صنعها، وكيف عاش أصحابها، فالقصة الإنسانية هي التي تجعل الأثر قريباً من الأجيال الجديدة». كما أشار إلى ضرورة استخدام التكنولوجيا بذكاء، «حيث يمكن توظيف الوسائط الرقمية والواقع المعزز والجولات التفاعلية، لكن من دون أن تطغى على الآثار الأصلية أو تحوّل المتحف إلى مجرد عرض تقني»، كما أكد أهمية «بناء هوية عالمية مستقلة للمتحف. فبعد افتتاح المتحف المصري الكبير، لا ينبغي أن يدخل متحف التحرير في منافسة مباشرة معه، بل أن يقدم تجربة مختلفة ومكمِّلة»، إضافةً إلى تحويل ميدان التحرير إلى جزء من التجربة الثقافية. فالمتحف يقع في قلب مدينة حية، ويمكن ربط زيارته بتاريخ القاهرة الحديث وعمارتها وذاكرتها الثقافية. وأردف: «أعتقد أن أجمل ما يمكن أن يقدمه متحف التحرير للعالم هو أن يقول للزائر: هنا لا ترى مصر القديمة فحسب، بل ترى أيضا كيف اكتشف العالم هذه الحضارة، وكيف تطور فهمنا لها، وكيف ما زال المصريون يكتبون فصولاً جديدة من قصتها». ويعدّ المتحف المصري بميدان التحرير أقدم متحف أثري في الشرق الأوسط، ويضم أكبر مجموعة من الآثار المصرية القديمة في العالم. ويعرض المتحف مجموعة كبيرة تمتد من فترة ما قبل الأسرات إلى العصرين اليوناني والروماني، وفق وزارة السياحة والآثار. وافتتح الخديو عباس حلمي الثاني المتحف في عام 1902، وأصبح معلماً تاريخياً في وسط القاهرة، ومن بين مجموعات المتحف التي لا مثيل لها المجموعة الجنائزية ليويا وتويا، وبسوسينيس الأول وكنوز تانيس، ولوحة نارمر التي تخلد توحيد مصر العليا والسفلى تحت ملك واحد. ومن منظور إدارة المؤسسات الثقافية والتراثية، يرى المتخصص في تاريخ وفلسفة الفن المصري القديم، الدكتور عمر المعتز بالله، أنه «ينبغي أن تهدف إعادة تطوير المتحف المصري بالتحرير إلى ترسيخه بوصفه مؤسسة ثقافية مستدامة مالياً ومحفزاً للاقتصاد الإبداعي في مصر، بما يحقق التكامل مع المتحف المصري الكبير عبر مسارات زيارة مشتركة، ويجب أن تشكل إدارة التراث الأساس الذي يقوم عليه هذا النموذج الاقتصادي». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أنه «ينبغي أن تراعي الأنشطة التجارية متطلبات الحفاظ على الآثار، وأن تصون أصالة المتحف، وأن تخضع لحوكمة مالية شفافة. كما يجب أن تسهم الإيرادات في دعم نموذج تشغيلي مستدام، مع إعادة استثمار الموارد في الصيانة الوقائية، والبحث العلمي، وإتاحة الوصول للجميع، والتثقيف العام. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال تنويع مصادر دخله من خلال البرامج التعليمية، والجولات المتخصصة، والمنشورات العلمية، وكذلك المنتجات الثقافية، والمحتوى الرقمي، والرعاية، والفعاليات الثقافية المدارة بعناية».
المصدر: الشرق الأوسط