شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

في الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى: معركة الوعي ونتائج لم تُحسم

في الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى: معركة الوعي ونتائج لم تُحسم

بعد ثلاث سنوات على عملية «طوفان الأقصى»، تتواصل تداعيات الحرب على قطاع غزة والمشهد الفلسطيني والإقليمي والدولي. وتتناول المدونة الفارق بين الخسائر الإنسانية الهائلة ونتائج المواجهة الاستراتيجية، وانعكاسات الحرب على نظرية الأمن الإسرائيلية وصورة الاحتلال دوليًا... في الذكرى السنوية الثالثة لعملية «طوفان الأقصى»، لا يبدو أن هناك ما هو أهم من مراجعة الوضع الفلسطيني عمومًا، وفي قطاع غزة على وجه الخصوص، وفي القلب منهما المقاومة والعملية التي غيّرت مسار المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي. فبعد ثلاثة أعوام من الحرب والدمار والتضحيات، تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة الحدث، وتثبيت دلالاته، وفهم آثاره المباشرة وغير المباشرة على المشروع الصهيوني والمنطقة بأكملها. والحديث هنا عن إعادة الاعتبار للعملية لا يعني تجاهل حجم الكارثة التي حلّت بالفلسطينيين، ولا التقليل من معاناتهم، بل يعني ضرورة الفصل بين الخسائر الهائلة التي تكبّدها قطاع غزة، وبين النتائج السياسية والاستراتيجية التي لا تزال تتفاعل حتى اليوم. فدولة الاحتلال عملت، منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بصورة ممنهجة على طمس دلالات العملية وتغييبها تحت وطأة الوحشية والدموية والدمار الواسع. وإذا كان الانتقام أحد الدوافع الأساسية للحرب التي شنّها الاحتلال على قطاع غزة، فإن محاولة كيّ الوعي الفلسطيني المرتبط بالمقاومة، ومحو أثر ما جرى في السابع من أكتوبر، يمثلان هدفًا آخر لا يقل أهمية. وإلى جانب ذلك، سعى الاحتلال إلى فرض واقع جديد في فلسطين والمنطقة، انطلاقًا من تعامله مع المواجهة بوصفها حربًا وجودية تستهدف مستقبله ومكانته. لكن اختزال المشهد في الدمار الذي حلّ بغزة، وتصوير عملية «طوفان الأقصى» باعتبارها خطيئة كبرى أو السبب الوحيد لكل ما جرى، لا يقتصر على الرواية الإسرائيلية، بل وصل، للأسف، إلى بعض الأطراف الفلسطينية والعربية التي تتعامل مع الحدث من زاوية الخصومة السياسية مع حركة حماس وفصائل المقاومة. وبذلك، تتقاطع هذه المواقف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مع رواية الاحتلال التي تجرّم الفعل المقاوم، بدلًا من وضع الجرائم الإسرائيلية في سياقها ومساءلة المسؤول عنها. وهنا لا بد من التمييز بين صرخات المكلومين وغضبهم، وهما أمران مفهومَان في ظل حجم المأساة، وبين المشاريع السياسية التي تستغل الدم الفلسطيني لتحقيق أهدافها الخاصة. كما ينبغي التأكيد أن الإبادة الجماعية ليست رد فعل طبيعيًا أو متوقعًا أو مقبولًا على أي عملية مقاومة، مهما كانت طبيعتها، ولا يجوز التسليم بالمنطق الإسرائيلي الذي يجعل الفلسطيني مسؤولًا عن الجرائم التي يرتكبها الاحتلال بحقه. تقوم الرواية الإسرائيلية على تقديم السابع من أكتوبر باعتباره نقطة البداية، وتصوير ما جرى فيه على أنه اعتداء فلسطيني منفصل عن كل ما سبقه. وهي رواية تسعى إلى عزل الحدث عن سياقه التاريخي والسياسي، بما يسمح بتجاهل عقود من الاحتلال والحصار والاستيطان، وتراجع فرص التسوية السياسية، واستمرار الاعتداءات على الفلسطينيين ومقدساتهم. ويتقاطع مع هذه الرواية بعض الخطاب الفلسطيني والعربي الذي يصوّر قطاع غزة، قبل العملية، وكأنه كان يعيش واقعًا مثاليًا، وأن ما جرى في السابع من أكتوبر كان قفزة في المجهول من دون أسباب أو مقدمات. غير أن قراءة الحدث تقتضي العودة إلى الظروف التي سبقته، وفهم المسارات التي وصلت إلى طريق مسدود، بدلًا من التعامل مع العملية باعتبارها حدثًا منفصلًا عن واقع الصراع. فمن وجهة نظر كاتب هذه السطور، جاءت العملية في سياق استنفاد خيارات سياسية وعسكرية وشعبية متعددة، بما في ذلك مسيرات العودة التي شهدها قطاع غزة، في ظل استمرار الحصار وتعثر المسارات السياسية. كما جاءت في لحظة إقليمية كانت تتجه فيها علاقات الاحتلال مع عدد من الدول العربية والإسلامية نحو مزيد من التطبيع، بما حمله ذلك من مخاوف فلسطينية من تراجع القضية عن جدول الأولويات الرسمية، وتحولها تدريجيًا إلى ملف يمكن تجاوزه أو تأجيله. وبهذا المعنى، يمكن قراءة «طوفان الأقصى» باعتبارها محاولة لوقف مسار إقليمي كان يهدد بتهميش القضية الفلسطينية، ووضعها مجددًا في قلب المشهد السياسي. فقد أعادت العملية القضية إلى واجهة الاهتمام العالمي، وفرضت على المنطقة إعادة النظر في حساباتها، وأظهرت أن تجاوز الفلسطينيين وحقوقهم لا يعني انتهاء الصراع أو اختفاء أسبابه. ومن هنا، فإن فهم دوافع العملية لا يعني إغلاق باب النقد أو المراجعة، بل يعني أن تكون المراجعة شاملة، تنطلق من قراءة الظروف التي سبقتها، وتتناول القرارات والتقديرات والنتائج، بدلًا من الاكتفاء بإدانة الحدث انطلاقًا من الكارثة التي أعقبته. ثمة جانب آخر يستحق التوقف عنده، يتعلق بالاستعدادات الإسرائيلية للمواجهة مع قوى المقاومة في فلسطين ولبنان. فقد أظهرت تطورات الحرب اللاحقة أن المواجهة لم تبقَ محصورة في قطاع غزة، بل امتدت إلى جبهات متعددة، وترافقت مع عمليات استهدفت قيادات وبنى عسكرية واتصالات، في سياق تصعيد إقليمي واسع. وقد استندت تقديرات فلسطينية إلى ما جرى لاحقًا للقول إن خططًا إسرائيلية لضرب قوى المقاومة كانت موجودة قبل السابع من أكتوبر، وإن تنفيذها ربما كان مسألة وقت، سواء وقعت العملية أم لم تقع. وفي هذا السياق، طُرحت عمليات استهداف حزب الله عبر أجهزة النداء والاتصالات، إلى جانب تصريحات سابقة لقيادات في المقاومة الفلسطينية واللبنانية، بوصفها مؤشرات على طبيعة الاستعدادات الإسرائيلية واتساع أهداف المواجهة. لكن تحديد ما إذا كانت الحرب ستقع بالشكل نفسه من دون العملية يبقى سؤالًا يحتاج إلى أدلة موثقة وقراءة دقيقة للخطط والقرارات الإسرائيلية. ومع ذلك، فإن ما لا يمكن تجاهله هو أن الاحتلال لا يستطيع اتخاذ جرائمه اللاحقة مبررًا لإعفاء نفسه من المسؤولية، أو تحويل الحرب إلى نتيجة حتمية يتحمل الفلسطينيون وحدهم تبعاتها. فالإبادة الجماعية لا تصبح مقبولة لأنها جاءت بعد عملية مقاومة، ولا تتحول الجرائم إلى أفعال مشروعة لمجرد أن الاحتلال يصفها بأنها رد على تهديد أمني. والمسؤولية عن استهداف المدنيين وتدمير مقومات الحياة وفرض الحصار والتجويع تقع على من يرتكب هذه الأفعال، ولا يجوز طمسها تحت عناوين الأمن أو الانتقام. لا يمكن لأي قراءة جادة لثلاث سنوات من الحرب أن تتجاوز حجم الخسائر التي تكبّدها الفلسطينيون في قطاع غزة. فالمأساة الإنسانية التي خلّفتها الحرب تتجاوز الوصف، بما شهدته من سقوط أعداد كبيرة من الشهداء والجرحى، وتدمير واسع للمنازل والبنية التحتية، وتهجير للسكان، وحصار وتجويع، واستهداف لمقومات الحياة الأساسية. كما أن استمرار المعاناة الإنسانية، حتى مع تراجع الاهتمام الإعلامي والسياسي بها في بعض المراحل، يكشف عن خطورة تطبيع التعامل مع المذبحة وكأنها واقع يمكن التعايش معه أو اعتباره جزءًا عاديًا من المشهد الإقليمي. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: هل تمثل هذه الخسائر وحدها نتائج عملية «طوفان الأقصى» والحرب التي أعقبتها؟ إن الخلط بين الخسائر والنتائج يفضي إلى استنتاجات متسرعة، ويجعل حجم الدمار معيارًا وحيدًا للحكم على الحدث. فثمة فرق بين الكلفة الإنسانية والمادية التي دفعها الفلسطينيون، وبين الآثار السياسية والأمنية والاستراتيجية التي أحدثتها العملية والحرب في إسرائيل والمنطقة والعالم. وتسعى الرواية الإسرائيلية، وفق هذا المنظور، إلى ترسيخ معادلة مفادها أن العملية هي السبب المباشر لكل ما حلّ بغزة، وأن ما جرى من شهداء وجرحى ودمار وحصار وتجويع ومخاطر تهجير هو النتيجة الوحيدة التي ينبغي أن تبقى في الوعي الفلسطيني. غير أن هذه القراءة تتجاهل أن الاحتلال هو الذي شنّ الحرب، واتخذ قراراته العسكرية، ونفذ هجماته، وفرض الحصار، وتسبب في تدمير واسع للحياة المدنية. ولا يعني ذلك التقليل من حجم الكارثة أو تجاهل ضرورة محاسبة المسؤولين عن القرارات التي سبقت الحرب وأثناءها، بل يعني رفض تحويل المأساة إلى أداة لإلغاء كل نقاش في النتائج الأخرى التي أفرزتها المواجهة، أو اعتبار الدمار دليلًا كافيًا للحكم النهائي على مآلات الصراع. فالنتائج السياسية والاستراتيجية لا تتشكل كلها في اللحظة نفسها، وقد تظهر بعض آثارها بعد سنوات من انتهاء المواجهة. ومن هنا، فإن تقييم «طوفان الأقصى» يحتاج إلى قراءة متعددة المستويات، تضع الخسائر الإنسانية في مكانها، وتتناول في الوقت نفسه ما أحدثته العملية من تحولات في التصورات الأمنية الإسرائيلية، وصورة الاحتلال دوليًا، وعلاقاته الإقليمية، وقدرته على تحقيق أهدافه. من أبرز الآثار المباشرة لعملية «طوفان الأقصى» أنها أظهرت إمكانية إلحاق اختراق أمني وعسكري كبير بإسرائيل، رغم تفوقها في التسليح والتكنولوجيا والقدرات الاستخبارية. وقد شكّل ذلك صدمة عميقة للمنظومة الأمنية الإسرائيلية، التي قامت لعقود على ترسيخ صورة القوة القادرة على ردع خصومها، ومنع أي تهديد كبير من الوصول إلى داخلها. ولم يكن هذا الاختراق تفصيلًا هامشيًا، بل أعاد فتح النقاش بشأن الأسس التي قامت عليها العقيدة الأمنية الإسرائيلية، ومدى قدرة الجيش وأجهزة الاستخبارات على حماية الجبهة الداخلية، ومنع تكرار أحداث مشابهة. كما وضع القيادة الإسرائيلية أمام أسئلة تتعلق بالجاهزية، وآليات اتخاذ القرار، وحدود الاعتماد على التكنولوجيا والاستخبارات في مواجهة قوى المقاومة. وقد تناولت نقاشات وتقارير إسرائيلية لاحقة جوانب من الإخفاق الأمني والعسكري، وأثارت أسئلة بشأن مستقبل نظرية الردع، وكلفة الحرب، والقدرة على استعادة الشعور بالأمن. وبذلك، لم تعد القضية مقتصرة على استعادة السيطرة الميدانية، بل امتدت إلى محاولة إعادة بناء الثقة بالمؤسسات العسكرية والأمنية. ومع ذلك، فإن تعرض النظرية الأمنية الإسرائيلية لصدمة لا يعني بالضرورة انهيارها أو زوال قدرة إسرائيل على التكيف. فالدول والمؤسسات العسكرية قد تعيد بناء قدراتها بعد الإخفاقات، لكن ما جرى في السابع من أكتوبر فرض على إسرائيل مراجعة افتراضات أساسية كانت تتعامل معها باعتبارها ضمانات ثابتة لأمنها. وتكمن أهمية هذا التحول في أن صورة القوة التي لا يمكن مفاجأتها أو تهديدها كانت جزءًا من الردع الإسرائيلي، كما شكّلت عاملًا مؤثرًا في حسابات الخصوم وفي تصورات أطراف إقليمية عديدة بشأن موازين القوى. وعندما تتعرض هذه الصورة للاهتزاز، فإن آثار ذلك قد تتجاوز المواجهة المباشرة لتصل إلى الحسابات السياسية والأمنية في المنطقة. لم تتوقف تداعيات السابع من أكتوبر عند الإخفاق الأمني، بل امتدت إلى الأسس التي عززت جاذبية إسرائيل بالنسبة إلى قطاعات من يهود العالم، وفي مقدمتها الشعور بالأمن والاستقرار والرفاه الاقتصادي. فالحرب الطويلة وما رافقها من تعبئة عسكرية واسعة، وتكاليف اقتصادية متزايدة، وتوترات أمنية متكررة، أعادت طرح أسئلة بشأن قدرة إسرائيل على توفير حياة مستقرة لسكانها، وعلى الحفاظ على بيئة اقتصادية واجتماعية جاذبة في ظل المواجهات الممتدة. كما برزت في النقاشات الإسرائيلية مخاوف تتعلق بالهجرة العكسية، واحتمالات انتقال بعض الكفاءات إلى الخارج، والآثار التي قد تتركها الحرب الطويلة على سوق العمل والاقتصاد والاستثمار. وهذه الملفات، وإن تفاوتت مؤشرات كل منها من مرحلة إلى أخرى، أصبحت جزءًا من النقاش حول مستقبل الدولة وقدرتها على الحفاظ على عناصر قوتها. وتتصل هذه المسائل بالتوازن الديمغرافي وبفكرة أن إسرائيل توفر لليهود في العالم ملاذًا آمنًا ومستقرًا. فإذا استمر الشعور بانعدام الأمن، وتزايدت كلفة الحياة في ظل الحروب، فقد تتأثر جاذبية الهجرة إليها لدى بعض الفئات، كما قد تتغير حسابات من يعيشون فيها بشأن مستقبلهم. لكن ينبغي التمييز بين المؤشرات المرحلية والاتجاهات طويلة الأمد؛ فإثبات تحول ديمغرافي أو اقتصادي عميق يحتاج إلى بيانات ممتدة زمنيًا، لا إلى الاستناد إلى حالات فردية أو تقارير منفردة. ومع ذلك، فإن مجرد عودة هذه الأسئلة إلى النقاش العام الإسرائيلي تعكس حجم التحديات التي فرضتها الحرب، وتوضح أن آثارها تتجاوز ساحات القتال إلى بنية المجتمع والاقتصاد. من التحولات المهمة التي رافقت الحرب تراجع صورة إسرائيل لدى قطاعات من الرأي العام العالمي، في ظل مشاهد الدمار والمعاناة الإنسانية في قطاع غزة، وتصاعد الانتقادات الموجهة إلى سياساتها العسكرية. وقد أظهرت الاحتجاجات الشعبية والتحركات الطلابية والحقوقية في عدد من الدول اتساع مساحة الاعتراض على الحرب، وارتفاع مستوى الاهتمام بالحقوق الفلسطينية. ولم تبقَ هذه التحولات محصورة في الشارع، بل امتد النقاش بشأنها إلى دوائر سياسية وأكاديمية وإعلامية، مع تصاعد الدعوات إلى مراجعة الدعم المقدم لإسرائيل، وربط العلاقات معها بمدى التزامها بالقانون الدولي وحماية المدنيين. وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى اعتماد إسرائيل على الدعم الخارجي، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، وفي مقدمته الدعم الأميركي. فالعلاقات الدولية لا تقوم على القدرات العسكرية وحدها، بل تتأثر أيضًا بشرعية السياسات، وصورة الدولة لدى الرأي العام، ومواقف الحكومات والبرلمانات، ومدى استعداد الحلفاء لتحمل الكلفة السياسية لاستمرار دعمها. ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين تراجع التأييد الشعبي وبين تغير السياسات الرسمية بصورة فورية. فقد يستمر الدعم الحكومي رغم اتساع الانتقادات، كما أن التحولات في الرأي العام لا تتحول بالضرورة إلى قرارات سياسية ما لم تتوافر عوامل مؤسسية وانتخابية ودبلوماسية تدفع في هذا الاتجاه. وتبرز هنا أهمية معركة الرواية؛ إذ لم يعد الصراع محصورًا في الميدان العسكري، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بكيفية تفسير ما يجري، وتحديد المسؤولية عن الجرائم والانتهاكات، وإبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في النقاش الدولي. وقد أتاحت الحرب مساحة أوسع لعرض الرواية الفلسطينية أمام جمهور عالمي، لكنها وضعت في الوقت نفسه مسؤولية مضاعفة على المؤسسات الفلسطينية والإعلامية والحقوقية لاستثمار هذا الاهتمام بصورة منظمة ومستدامة. أما الحديث عن تراجع قدرة اللوبيات المؤيدة لإسرائيل على التأثير في الانتخابات أو في مواقف المؤسسات السياسية، فيحتاج إلى قراءة كل حالة على حدة، بالاستناد إلى نتائج الانتخابات والبيانات الموثقة، بدلًا من تحويل مؤشرات سياسية جزئية إلى حكم عام ونهائي. ومع ذلك، فإن اتساع النقاش داخل المجتمعات الغربية بشأن طبيعة العلاقة مع إسرائيل يمثل تحولًا يستحق المتابعة، بالنظر إلى ارتباط مستقبل الدعم الخارجي بموازين السياسة الداخلية في الدول الحليفة. وهكذا، فإن خسارة الصورة الدولية، إن استمرت وتحوّلت إلى تغيرات سياسية فعلية، قد تصبح عامل ضغط طويل الأمد على إسرائيل. لكنها ليست نتيجة مكتملة بحد ذاتها، بل مسار مفتوح تتوقف مآلاته على التطورات الميدانية، وأداء الأطراف الفلسطينية، وقدرتها على الحفاظ على حضور القضية في المؤسسات الدولية وفي المجال العام. من الآثار غير المباشرة للعملية اتساع ساحات المواجهة في المنطقة، سواء عبر جبهات انخرطت في الصراع تضامنًا مع غزة، أو عبر عمليات عسكرية إسرائيلية وسّعت نطاق المواجهة. فقد امتدت تداعيات الحرب إلى لبنان وسوريا وإيران واليمن، وأصبحت المنطقة أمام شبكة متداخلة من التوترات والعمليات العسكرية والحسابات السياسية. وقد فرض تعدد الجبهات على إسرائيل التعامل مع تحديات مختلفة في وقت واحد، تتفاوت من حيث طبيعتها الجغرافية والعسكرية والسياسية. كما رفع من كلفة التعبئة العسكرية، وأبقى احتمالات التصعيد الإقليمي قائمة، حتى في الفترات التي تراجعت فيها حدة المواجهة في إحدى الساحات. ومن وجهة نظر تحليلية، فإن اتساع الجبهات يطرح سؤالًا حول قدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها في جميع الساحات، وحول الفارق بين تحقيق مكاسب عسكرية محدودة وبين الوصول إلى تسوية سياسية أو أمنية مستقرة. فقد تتمكن العمليات العسكرية من إلحاق خسائر بخصومها، لكنها لا تضمن بالضرورة إنهاء أسباب الصراع أو منع تجدده. وفي المقابل، لا يعني تعدد الجبهات تلقائيًا أن قوى المقاومة حققت أهدافها الاستراتيجية؛ فذلك يتطلب تقييم النتائج الفعلية لكل مواجهة، وحجم الخسائر التي لحقت بالأطراف المختلفة، ومدى انعكاس التطورات على حقوق الفلسطينيين وأمن شعوب المنطقة ومستقبلها. لكن المؤكد أن الحرب أعادت طرح حدود القوة العسكرية، ومدى قدرتها على إنتاج استقرار طويل الأمد في غياب معالجة الأسباب السياسية للصراع. فالتفوق العسكري قد يغيّر موازين ميدانية، لكنه لا يضمن وحده إغلاق الملفات التي نشأت عنها المواجهة، ولا يلغي الحقوق الوطنية للشعوب الواقعة تحت الاحتلال. إلى جانب التداعيات العسكرية والسياسية، عززت الحرب النقاش الإقليمي بشأن طبيعة الدور الإسرائيلي، وحدود التهديد الذي قد تمثله سياسات الاحتلال على استقرار المنطقة. فالمواجهات المتعددة، واتساع نطاق العمليات العسكرية، واستمرار الحرب في غزة، دفعت أطرافًا إقليمية إلى إعادة تقييم حساباتها الأمنية والسياسية. وقد أعادت هذه التطورات إلى الواجهة أسئلة بشأن مستقبل التطبيع، ومدى قدرة الاتفاقيات الثنائية على تحقيق استقرار حقيقي إذا بقيت القضية الفلسطينية من دون حل، واستمرت السياسات التي تقوض فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن المشروع الإسرائيلي في المنطقة لا يمكن تقييمه فقط من خلال الشعارات الانتخابية أو التصريحات السياسية، بل ينبغي النظر إلى السياسات الفعلية على الأرض، بما فيها التوسع الاستيطاني، والتهجير، ومحاولات فرض السيطرة على الأراضي الفلسطينية، وطبيعة التعامل مع الدول المحيطة. كما أن تصاعد المخاوف من اتساع نطاق الطموحات الإسرائيلية يثير تساؤلات حول قدرة الدول العربية والإسلامية على بناء مقاربة مشتركة لحماية مصالحها، ومنع فرض وقائع جديدة بالقوة. غير أن الحديث عن تشكل وعي رسمي موحد في المنطقة يظل بحاجة إلى متابعة مواقف الدول وسياساتها الفعلية، إذ تختلف حساباتها ومصالحها ودرجة استعدادها للانخراط في مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل. ومع ذلك، فإن الحرب أظهرت أن تهميش القضية الفلسطينية لا يضمن استقرار المنطقة، وأن تجاهل جذور الصراع قد يؤدي إلى انفجارات تتجاوز حدود الأراضي الفلسطينية. وهو ما يعيد التأكيد على أن أي ترتيبات إقليمية مستدامة لا يمكن أن تتجاهل الحقوق الفلسطينية أو تتعامل معها باعتبارها ملفًا ثانويًا. على المستوى الفلسطيني، تفرض الخسائر الهائلة التي لحقت بقطاع غزة، وما تعرضت له المقاومة من استهداف، ضرورة إجراء مراجعة جادة للتجربة، واستخلاص الدروس من القرارات والتقديرات التي سبقت العملية، ومن إدارة المواجهة خلال السنوات الثلاث الماضية. لكن المراجعة لا تعني بالضرورة التخلي عن فكرة المقاومة، كما أن استمرار الاحتلال وسياساته لا يلغي الحاجة إلى مراجعة الوسائل والأدوات والخيارات. فهناك فرق بين تقييم تجربة محددة بكل ما أحاط بها من قرارات ونتائج، وبين التعامل مع حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال باعتباره موضعًا للنقاش أو الإلغاء. وتستند استمرارية المقاومة، في هذا السياق، إلى استمرار الاحتلال وجرائمه، وإلى غياب مسار سياسي قادر على تحقيق الحقوق الفلسطينية، فضلًا عن السياسات الإسرائيلية التي تستهدف التهجير وتوسيع الاستيطان ورفض قيام دولة فلسطينية مستقلة. وهي عوامل تجعل مستقبل المواجهة مرتبطًا بطبيعة الواقع السياسي والميداني، وليس بحدث واحد فقط. كما أن التعامل مع المقاومة باعتبارها فكرة ومشروعًا لا يعفي القوى الفلسطينية من مسؤولية مراجعة أدائها، أو مناقشة خياراتها، أو تقدير آثار قراراتها على المجتمع الفلسطيني. بل إن المراجعة الجادة تقتضي الجمع بين التمسك بالحقوق الوطنية وبين تطوير الأدوات التي تحمي الشعب الفلسطيني، وتقلل الخسائر، وتوسع قدرته على التأثير السياسي والدبلوماسي والقانوني. وفي هذا الإطار، لا يمكن أن تكون المراجعات ساحة للتلاوم أو المزايدة، ولا أن تتحول إلى دفاع مطلق عن كل قرار أو تقدير. المطلوب هو قراءة موضوعية للتجربة، والاستماع إلى أصوات الفلسطينيين الذين دفعوا الثمن الأكبر، وتقييم ما تحقق وما أخفق، والبحث عن سبل تعظيم المكاسب وتقليل المخاطر. وتبقى الوحدة الوطنية أحد الشروط المهمة لأي مراجعة منتجة، إذ إن الانقسام وتبادل الاتهامات يضعفان القدرة على تحويل التضحيات إلى مكاسب سياسية، ويمنحان الاحتلال مساحة أوسع لفرض الوقائع على الأرض. كما أن تعزيز الحضور الفلسطيني في المؤسسات الدولية، ومواصلة العمل القانوني والإعلامي، وبناء مواقف سياسية قادرة على مواجهة مخططات التهجير وتصفية القضية، تمثل مسارات لا تقل أهمية عن إدارة المواجهة الميدانية. بعد ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر، لا تزال تداعيات العملية والحرب مفتوحة على احتمالات متعددة، فلسطينيًا وإقليميًا ودوليًا. فقد أعادت العملية القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي، وأحدثت صدمة في المنظومة الأمنية الإسرائيلية، وفتحت نقاشًا واسعًا بشأن مستقبل إسرائيل وعلاقاتها الخارجية، كما كشفت عن حدود الاعتماد على القوة العسكرية وحدها في إدارة الصراع. وفي المقابل، خلّفت الحرب كارثة إنسانية هائلة في قطاع غزة، وأوقعت خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات والبنية التحتية، ووضعت المجتمع الفلسطيني أمام تحديات غير مسبوقة تتعلق بالبقاء وإعادة الإعمار والحفاظ على الوجود الوطني. ولا يمكن لأي تقييم سياسي أو استراتيجي أن يكون منصفًا إذا تجاهل هذه الكلفة أو تعامل معها بوصفها تفصيلًا يمكن تجاوزه. إن النتائج الاستراتيجية لا تُقاس فقط بما يحدث في ساحات القتال، ولا تُحسم بالضرورة مع توقف العمليات العسكرية. فهناك آثار تتعلق بصورة الدولة وقدرتها على الردع، وأخرى ترتبط بعلاقاتها الخارجية ومكانتها الدولية، وثالثة تتصل بالتحولات الإقليمية ومستقبل القضية الفلسطينية. وهذه المسارات تحتاج إلى متابعة طويلة الأمد، وإلى الاستناد إلى وقائع قابلة للتحقق، بدلًا من إصدار أحكام نهائية قبل اتضاح مآلاتها. ومن هنا، فإن الحديث عن «طوفان الأقصى» بوصفها ضربة استراتيجية للمشروع الصهيوني هو تقدير تحليلي ينبغي قياسه على ضوء النتائج الفعلية التي ستتبلور خلال السنوات المقبلة، لا اعتباره حقيقة مكتملة لا تحتاج إلى مراجعة. فالحرب قد تفتح مسارات جديدة وتغيّر حسابات الأطراف، لكنها لا تضمن وحدها تحقق الأهداف السياسية أو زوال موازين القوة القائمة. وفي المقابل، فإن الدمار الواسع في غزة لا يكفي وحده للقول إن العملية لم تترك آثارًا استراتيجية، كما أن اهتزاز صورة إسرائيل لا يعني أن مشروعها انتهى أو أن تراجعها بات حتميًا. فالمشهد أكثر تعقيدًا من اختزاله في انتصار مطلق أو هزيمة مطلقة، وتحديد مآلاته يرتبط بقدرة الأطراف على تحويل التطورات إلى نتائج سياسية مستدامة. لقد كشفت السنوات الثلاث الماضية أن المعركة لا تدور على الأرض وحدها، بل تمتد إلى الوعي والرواية والشرعية الدولية ومستقبل العلاقات الإقليمية. كما أكدت أن القضية الفلسطينية لا يمكن تجاوزها بسهولة، وأن محاولات تهميشها لا تلغي أسباب الصراع ولا تنهي مطالب الفلسطينيين بالحرية وتقرير المصير. وفي النهاية، تبقى المراجعات ضرورة لا غنى عنها، لكن ليس على قاعدة التلاوم أو المزايدات، ولا من خلال الاستسلام للرواية الإسرائيلية، وإنما على قاعدة فهم التجربة واستخلاص دروسها، وتعظيم المكاسب الممكنة، وتقليل المخاطر والخسائر، ووضع حقوق الفلسطينيين وحماية وجودهم في قلب أي تقدير للمستقبل. أما دلالات السابع من أكتوبر، فإنها ستظل موضع نقاش وتقييم ما دامت نتائج الحرب لم تستقر، وما دامت آثارها السياسية والأمنية والإقليمية تتفاعل. وبين مأساة غزة والتحولات التي شهدتها المنطقة والعالم، تبقى الحقيقة أن مستقبل الصراع لن يتحدد بالدعاية وحدها، بل بما ستفضي إليه الوقائع، وبقدرة الفلسطينيين على حماية حقوقهم وتحويل التضحيات إلى مسار سياسي يضمن لهم الحرية والكرامة وتقرير المصير.

المصدر: وكالة القدس