«جهاز أمن العاصمة» في دمشق لإحباط أي زعزعة استقرار قبل وقوعها
قال مسؤول عسكري سوري رفيع لـ«الشرق الأوسط» إن استحداث «جهاز أمن العاصمة» وتعيين العميد عبد العزيز هلال الأحمد مديراً له يهدف إلى «حماية أمن دمشق بشكل أكبر، ومركّز، وكشف أي خلايا نائمة تحاول العبث بأمنها». وأعرب المسؤول العسكري عن اعتقاده «بعدم وجود خطر على دمشق»، لكنه «لفت إلى أنه لا تزال هناك بؤر تخريبية تحاول العبث بأمن دمشق، ولها أجندات وارتباطات خارجية، إضافة إلى استمرار دول كإسرائيل وإيران العبث بأمن سوريا عبر مجموعات تخريبية محلية منتشرة في أكثر من محافظة، ومنطقة». ولفت المسؤول إلى «وجود سفارات، وبعثات دبلوماسية، ومقرات هيئات ومنظمات دولية وأممية في العاصمة دمشق التي تعد مركزاً سيادياً مهماً جداً، والعبث بأمنها سيؤدي إلى فقدان الدولة لمصداقيتها، وهيبتها، وبالتالي فإن تشكيل هذا الجهاز من شأنه كبح محاولات العبث بالعاصمة». وكان العميد عبد العزيز هلال الأحمد يشغل منصب قائد الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية، وأبلى فيها بلاء حسناً منذ 25 مايو (أيار) 2025. وشهدت فترة قيادته الإعلان عن عمليات أمنية استهدفت مجموعات مسلحة، وشخصيات عسكرية وأمنية سابقة مرتبطة بنظام بشار الأسد. اللافت أنه لم يصدر أي قرار رسمي في التعيين، لكن المصادر الأمنية والعسكرية أمدت عدداً من وسائل الإعلام -وبينها «الشرق الأوسط»- بخبر التعيين، كما أعلنت وزارة الداخلية السورية تعيين العميد نايف الإبراهيم قائداً للأمن الداخلي في محافظة اللاذقية، السبت الماضي، خلفاً للعميد عبد العزيز هلال الأحمد. تجدر الإشارة إلى أنه منذ الإطاحة بالنظام السابق تبذل السلطات الجديدة جهوداً كبيرة لبناء القطاع الأمني، وتطويره، مدعومة بشراكات إقليمية، ودولية. لكن خلال نحو العامين من تسلمها مقاليد الحكم في البلاد، شهدت دمشق العديد من الحوادث الأمنية، ما جعل خبراء يرون أن المشهد الأمني في سوريا لا يزال غير مستقر، وأن هناك خللاً أمنياً يسمح بحدوث تفجيرات بين فترة وأخرى، وأن البلاد تحتاج إلى الكثير من العمل لمعالجة هذا الخلل. أما أبرز تلك الحوادث، فكان تفجير كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة يوم 22 يونيو (حزيران) 2025 عبر هجوم انتحاري أسفر عن مقتل 25 شخصاً، وإصابة أكثر من 60 آخرين، وتعرض حي المزة الراقي بداية العام الجاري وأواخر العام الماضي للاستهداف بقذائف صاروخية ثلاث مرات، إضافة إلى حدوث انفجارين يوم 7 يوليو (تموز) الماضي وسط العاصمة، بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، وسبقهما بنحو أسبوع تفجير داخل مقهى قرب القصر العدلي. المدير التنفيذي في «مركز جسور للدراسات» وائل علوان، أوضح أن السلطات تقوم بخطوات كبيرة على مستوى جميع المحافظات من أجل بسط الأمن، والاستقرار، لكن حسب المعلومات التي ترصدها الحكومة عبر أجهزة الاستخبارات، والأمن، هناك تحركات من قبل «حزب الله» اللبناني الموالي لإيران، ومجموعات محلية تابعة له وممولة منه، وكذلك من قبل تنظيم «داعش» تتركز على دمشق. وذكر علوان لـ«الشرق الأوسط» أن التحركات السابقة لخلايا «داعش» و«الفلول» كانت تستهدف إحداث «حالة إعلامية» أكثر من كونها استهداف لمواقع على المستوى الأمني، أو السياسي، أو العسكري، كما حصل عندما أُطلقت مقذوفات صاروخية باتجاه منطقة المزة، وكذلك التفجيرات التي حصلت خلال زيارة الرئيس الفرنسي. وتهدف العناصر التابعة لإيران و«داعش» وكذلك التدخلات الإسرائيلية، حسب علوان، إلى إظهار سوريا بأنها بلاد غير مستقرة، والحكومة السورية لا تمسك بالمفاصل الأمنية، الأمر الذي يعطل عملية التعافي بشكل كبير، لأنه يسهم في تأخير إقبال المستثمرين، ويحد من السياحة، ما يعني ازدياد الضغوطات الاجتماعية، والاقتصادية، وبالتالي ازدياد الضغط على الحكومة. كما أن إيران تريد من وراء هذه التحركات إيجاد فرصة للميليشيات التابعة لها ولـ«الفلول» للعودة إلى سوريا، وهذا لا يتحقق إلا بالفوضى، وفق علوان الذي أوضح أنه «كلما ذهبت سوريا إلى الاستقرار تضاءلت فرص عودة إيران ونفوذها، وكلما ازدادت الفوضى والضغوط على الحكومة، وتأخر التعافي والاستقرار وجدت إيران فرصتها لإعادة عمليات التجنيد، وتحريك ميليشياتها». علوان عدّ استحداث «جهاز أمن العاصمة» أنه يأتي في إطار «موقف الحكومة الحذر، والحريص جداً على استباق وقوع الأحداث الأمنية، والذهاب بعيداً في تطوير أدوات المراقبة، والحس الأمني، وما تتطلبه عملية ملاحقة الفلول، وخلايا «(داعش)، والعناصر التابعة لإيران، وإحباط كل العمليات قبل وقوعها». وقال: «اليوم سياسة الحكومة تقوم على إحباط أي محاولة لزعزعة أمن واستقرار العاصمة دمشق قبل وقوعها، لأن العاصمة مستهدفة بشكل رئيس من أجل إظهار عدم الاستقرار في سوريا من خلالها، بحكم أن أي استهداف لدمشق يكون له أثر سلبي أكبر بأضعاف من استهدافات قد تحصل في أماكن أخرى، ولذلك حرص الحكومة على أمن العاصمة هو امتداد لحرصها على المشهد الأمني العام للبلاد، وعلى مشهد الاستقرار فيها». ورأى علوان أن اختيار العميد الأحمد لمنصب مدير «جهاز أمن العاصمة»، لكونه من القيادات المشهود لها بالحس الأمني العالي جداً، إضافة إلى أن أداءه المميز في اللاذقية جعله مؤهلاً لتدريب كوادر فيها، والانتقال إلى دمشق لتدريب كوادر، والإشراف بشكل مباشر على العمل الأمني فيها». أما الباحث السياسي والأمني السوري ضياء قدور، فاعتبر تعيين مسؤول أمني بارز لأمن دمشق يأتي ضمن سلسلة إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية بعد سقوط النظام السابق، لافتاً إلى أن ذلك يعد «تركيزاً متخصصاً على أمن العاصمة». وقال قدور لـ«الشرق الأوسط» إن التركيز على العاصمة يعكس أولوية حماية المركز قبل الأطراف، لا سيما ضد التهديدات الموجهة من تنظيم «داعش» والخلايا الإيرانية الإرهابية النائمة الأخرى، وهو نمط شائع في مراحل ما بعد الصراع لفرض هيبة الدولة، ومنع الفوضى. ولفت إلى أن هذه التعيينات تهدف إلى وضع كوادر موثوقة ومنضبطة في المواقع الحساسة، وتقليل الولاءات الفصائلية السابقة، ودعم جهود الاستقرار لجذب المزيد من الاعتراف الدولي بسوريا، وإعادة الإعمار، وفق قدور الذي اعتبر أن هذه الخطوات هي جزء من جهود أوسع لإعادة بناء مؤسسات أمنية وطنية بدلاً من الأجهزة القمعية المتعددة والمتنافسة التي ميزت عهد الأسد، كمل يتزامن مع تعيينات أخرى في المحافظات، ومع إعادة تنظيم قوى الأمن الداخلي، وجهاز الاستخبارات العامة، ومكتب الأمن الوطني تحت إشراف وزارة الداخلية، والقيادة السياسية. وقال: «دمشق هي قلب سوريا السياسي، والتاريخي، والاقتصادي، والثقافي، ومركز ثقلها الجيوسياسي، وحمايتها أمر استراتيجي لأسباب متعددة، وهي مقر الحكومة، والمؤسسات السيادية، وأي خلل أمني فيها يهدد استقرار المرحلة الانتقالية بأكملها، أما استقرارها، فإنه يرسل رسالة استقرار وثبات داخلياً، وخارجياً». تجدر الإشارة إلى أنه منذ إطاحة النظام السابق تبذل السلطات الجديدة جهوداً كبيرة لبناء القطاع الأمني وتطويره، مدعومة بشراكات إقليمية، ودولية. لكن خلال نحو العامين من تسلمها مقاليد الحكم في البلاد حصلت في دمشق العديد من الحوادث الأمنية، ما جعل خبراء يرون أن المشهد الأمني في سوريا لا يزال غير مستقر، وأن هناك ثغرات وخللاً أمنياً يسمحان بحدوث تفجيرات بين فترة وأخرى، وأن البلاد تحتاج إلى الكثير من العمل لمعالجة هذا الخلل. أبرز تلك الحوادث تفجير كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة يوم 22 يونيو 2025 عبر هجوم انتحاري أسفر عن مقتل 25 شخصاً، وإصابة أكثر من 60 آخرين، وتعرض حي المزة الراقي بداية العام الجاري وأواخر العام الماضي ثلاث مرات للاستهداف بقذائف صاروخية، إضافة إلى حصول انفجارين يوم 7 يوليو الماضي بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، واللذين سبقهما بنحو أسبوع تفجير داخل مقهى قرب القصر العدلي.
المصدر: الشرق الأوسط