شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

حين تصبح المحافظة مختبرًا للتنمية

حين تصبح المحافظة مختبرًا للتنمية

الطليعة الشحرية في المقال الأول من هذه السلسلة، تناولنا إحدى المفارقات الأساسية في التجربة الصينية؛ دولة تحتفظ بمركز قوي في رسم السياسات والاتجاهات الاستراتيجية، لكنها استطاعت، خلال مراحل مختلفة من مسيرتها الإصلاحية، أن تتيح للمستويات المحلية مساحة لاختبار الوسائل المناسبة لتحقيق الأهداف الوطنية، وهي مفارقة تفتح بابًا أوسع لفهم العلاقة بين السلطة المركزية والتنمية المحلية، وتدفع إلى التساؤل عما إذا كانت كفاءة الإدارة تقاس بقدرتها على توحيد القرارات والإجراءات، أم بقدرتها على بناء منظومة تسمح باكتشاف الحلول واختبارها وتطويرها وفق اختلاف الظروف والموارد بين المناطق. في الأدبيات الأكاديمية التي تناولت الإصلاح وصنع السياسات العامة في الصين، برز مفهوم "التجريب تحت الهرمية" بوصفه أحد الأطر التفسيرية لفهم هذا النمط من الإدارة. ويشير المفهوم إلى إمكانية اختبار سياسات أو ترتيبات اقتصادية وإدارية في نطاقات محلية محددة، ضمن نظام سياسي وإداري يحتفظ فيه المركز بسلطته العليا. ولا يعني ذلك استقلال الحكومات المحلية عن الدولة، أو أن جميع السياسات الصينية تنشأ من تجارب محلية، وإنما يعكس نمطًا من التفاعل بين التوجيه المركزي والمبادرة المحلية، تُختبر من خلاله بعض الحلول قبل توسيع نطاق تطبيقها أو إدماجها في سياسات أشمل. وتكمن أهمية هذا المنهج في أنه يعيد النظر في إحدى المسلمات التقليدية لصنع القرار الإداري، وهي افتراض أن الحل ينبغي أن يكون مكتملًا قبل بدء التنفيذ. فالتخطيط المركزي يميل بطبيعته إلى وضع الأهداف وتحديد الأدوات والإجراءات اللازمة لتحقيقها، بينما يضيف التجريب المحلي بُعدًا معرفيًا إلى العملية التنموية، إذ تصبح الممارسة نفسها وسيلة لاختبار الافتراضات والكشف عن المشكلات التي قد لا تظهر في مرحلة التخطيط. وبهذا المعنى، لا يعود التنفيذ مجرد المرحلة الأخيرة من القرار، بل يتحول إلى مصدر للمعلومات والخبرة التي يمكن أن تؤثر في صياغة القرارات اللاحقة. وقد اكتسب هذا النهج أهمية خاصة في الصين بالنظر إلى اتساعها الجغرافي وتفاوت مستويات التنمية بين أقاليمها. فالمقاطعات الساحلية ذات الاقتصادات الصناعية والتجارية المتقدمة تختلف في مواردها وتحدياتها عن المناطق الداخلية التي تعتمد بدرجات متفاوتة على الزراعة أو الصناعات التقليدية، كما تختلف المدن الكبرى في احتياجاتها وقدراتها المؤسسية عن المحافظات والبلدات الريفية. ومن ثم، فإن تطبيق نموذج تنموي موحد على جميع المناطق قد يحقق قدرًا من الاتساق الإداري، لكنه لا يضمن بالضرورة الكفاءة الاقتصادية أو الاستجابة الفعلية لخصوصية المكان. وقد أتاح التجريب المحلي، في بعض مراحل الإصلاح، التعامل مع هذا التفاوت بوصفه فرصة لاختبار مسارات متعددة لتحقيق أهداف وطنية مشتركة. ومن أبرز الأمثلة التاريخية التي تساعد على فهم هذا المنطق تجربة المناطق الاقتصادية الخاصة التي ارتبطت ببدايات سياسة الإصلاح والانفتاح الصينية. ففي عام 1980، أُنشئت أربع مناطق اقتصادية خاصة، من بينها شنتشن، بهدف اختبار ترتيبات اقتصادية أكثر انفتاحًا على الاستثمار والتجارة والتكنولوجيا، ضمن نطاقات جغرافية محددة وبسياسات تختلف عن تلك السائدة آنذاك في أجزاء واسعة من البلاد. ولم تكن أهمية هذه المناطق مقتصرة على ما حققته لاحقًا من نمو اقتصادي، وإنما امتدت إلى دورها في اختبار أدوات جديدة للإدارة الاقتصادية والتعامل مع الأسواق والاستثمارات الأجنبية، قبل أن تتوسع الصين تدريجيًا في تبني إصلاحات وانفتاحات اقتصادية في مناطق أخرى. غير أن قراءة تجربة شنتشن باعتبارها نتيجة مباشرة لقرار إداري واحد ستكون اختزالًا لمسار تاريخي أكثر تعقيدًا. فقد تداخلت في تطورها عوامل الموقع الجغرافي والقرب من هونغ كونغ، وتدفقات الاستثمار، والتحولات الصناعية، والسياسات الاقتصادية، والقدرة على استقطاب العمالة والمهارات. ولذلك فإن القيمة التحليلية لهذه التجربة لا تكمن في اعتبارها نموذجًا قابلًا للاستنساخ، وإنما في فهم الكيفية التي استُخدم بها النطاق الجغرافي المحدد لاختبار ترتيبات إصلاحية، ثم الاستفادة من بعض نتائجها في تطوير السياسات الاقتصادية الأوسع. ولم يقتصر التجريب الصيني على المناطق الاقتصادية الخاصة، بل اتخذ صورًا مختلفة في الإصلاحات الزراعية والتنظيمية والإدارية والتنمية الحضرية والريفية. كما لم تكن العلاقة بين المركز والمحليات تسير دائمًا في اتجاه واحد؛ ففي بعض الحالات جاءت المبادرة من السلطات المركزية التي حددت مناطق للتجريب، بينما نشأت ممارسات أخرى على المستوى المحلي قبل أن تحظى بالاعتراف أو الدعم أو التوسع. ويكشف هذا التفاعل عن جانب مهم في بنية صنع السياسات الصينية، حيث يمكن أن تتشكل المعرفة الإدارية والتنموية من خلال العلاقة بين التوجيه من الأعلى والخبرة المتولدة من التطبيق في المستويات الأدنى. ومن هنا تكتسب فكرة المحافظة بوصفها مختبرًا للتنمية معناها المؤسسي. فالمختبر، في هذا السياق، لا يعني منح الإدارة المحلية حرية مطلقة في اتخاذ القرارات، وإنما إتاحة مساحة منظمة لاختبار حلول محددة ضمن أهداف وطنية واضحة، مع وجود آليات للمتابعة والتقييم وتصحيح المسار. ويختلف هذا المنهج عن العشوائية الإدارية؛ لأن التجربة لا تكتسب مشروعيتها من مجرد اختلافها عن المألوف، وإنما من قدرتها على معالجة مشكلة محددة، وإنتاج نتائج يمكن قياسها، وتقديم معرفة تساعد على تحسين السياسات العامة. ومع ذلك، فإن تعدد التجارب المحلية لا يمثل في ذاته دليلًا على نجاح النظام الإداري، فقد تمتلك بعض الحكومات المحلية معرفة دقيقة بمواردها واحتياجات سكانها، لكنها تفتقر إلى الكفاءات الفنية أو البيانات أو القدرة التمويلية اللازمة لتحويل هذه المعرفة إلى سياسات فعالة. وقد تنجح تجربة في منطقة معينة نتيجة ظروف اقتصادية أو جغرافية استثنائية لا تتوافر في مناطق أخرى، كما قد تؤدي المنافسة بين الوحدات المحلية إلى تكرار الاستثمارات أو توجيه الموارد نحو مشروعات تحقق نتائج سريعة على حساب الاستدامة الطويلة. ولهذا فإن تقييم التجريب المحلي يقتضي النظر إلى نتائجه الفعلية، لا إلى عدد المبادرات التي أُطلقت باسمه. وتشير هذه الإشكالية إلى فرق جوهري بين المشروع الناجح والنموذج القابل للتعلم. فقد تنجح قرية في تطوير نشاط سياحي اعتمادًا على موقع طبيعي متميز أو إرث ثقافي فريد، لكن نقل المشروع نفسه إلى قرى أخرى لا تمتلك المقومات ذاتها قد يؤدي إلى نتائج محدودة. أما القيمة الحقيقية للتجربة فتظهر عندما تستطيع المؤسسات المعنية تحديد العوامل التي صنعت النجاح، والتمييز بين العناصر المرتبطة بخصوصية المكان وتلك التي يمكن الاستفادة منها في بيئات مختلفة. وعندئذ لا يصبح المطلوب تكرار المشروع، بل تطوير القدرة المؤسسية على اكتشاف المشروع المناسب لكل منطقة. وهذا التمييز يقود إلى مسألة أكثر عمقًا تتعلق بطبيعة المعرفة التي تنتجها الإدارة المحلية؛ فالمشروع الذي يحقق نتائج إيجابية لا يتحول تلقائيًا إلى خبرة قابلة للنقل ما لم تخضع تجربته للتحليل والتقييم، كما أن المشروع الذي يتعثر قد يقدم معرفة مهمة إذا جرى تحديد أسباب تعثره بصورة موضوعية. ومن ثم، فإن كفاءة التجريب لا تقاس فقط بنسبة المشروعات الناجحة، وإنما بقدرة النظام الإداري على تحويل نتائج التطبيق إلى معرفة مؤسسية متراكمة، تمنع تكرار الأخطاء وتساعد على تحسين القرارات وتوجيه الموارد نحو الاستخدام الأكثر جدوى. وتتطلب هذه العملية تحولًا في الثقافة الإدارية نفسها، بحيث لا يصبح الإعلان عن المشروع التزامًا ضمنيًا بإثبات نجاحه مهما كانت النتائج، ولا يُنظر إلى تعديل السياسات أو إيقاف المبادرات غير المجدية باعتباره إخفاقًا بالضرورة. فالتجريب المؤسسي يفترض وجود قدر من عدم اليقين عند البداية، ويستمد قيمته من القدرة على التعامل مع هذا الغموض من خلال البيانات والتقييم والمراجعة. وإذا كانت جميع المشروعات مطالبة بالنجاح مسبقًا، فإن مساحة التعلم تضيق، وقد تتحول أدوات التقييم إلى وسائل لتبرير القرارات السابقة بدل أن تكون أدوات لتحسين القرارات المقبلة. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عند الانتقال من قراءة التجربة الصينية إلى التفكير في مستقبل التنمية المحلية في سلطنة عُمان. فقد شهدت السلطنة خلال السنوات الأخيرة توجهًا نحو تعزيز أدوار المحافظات وتوسيع اختصاصاتها في إطار التحولات الإدارية والتنموية المرتبطة برؤية «عُمان 2040». ويطرح هذا التوجه سؤالًا يتجاوز حدود نقل الاختصاصات والموارد المالية، ويتعلق بمدى قدرة المحافظات على تطوير منظومات محلية للتخطيط والابتكار الاقتصادي، تستند إلى خصائصها الجغرافية والبشرية والاقتصادية، وتتكامل في الوقت نفسه مع الأولويات الوطنية. واللامركزية الإدارية، مهما بلغت أهميتها في تقريب الخدمات وتسريع الإجراءات، لا تتحول بالضرورة إلى لامركزية تنموية ما لم تقترن بقدرة فعلية على تحديد الفرص الاقتصادية واختبار جدواها وإدارة المخاطر المرتبطة بها. وقد تستطيع المحافظة تنفيذ مشروعات عديدة ضمن موازناتها المعتمدة، لكن كثرة المشروعات لا تعني بالضرورة نشوء اقتصاد محلي أكثر تنوعًا أو قدرة على توليد الدخل وفرص العمل. ويصبح التحدي هنا مرتبطًا بنوعية القرارات التنموية، ومدى استنادها إلى قراءة واقعية لموارد المكان واحتياجات السوق وإمكانات المجتمع المحلي. وفي الحالة العُمانية، تبدو أهمية هذا المنهج أكثر وضوحًا عند النظر إلى التباين بين المحافظات والولايات؛ فالمقومات الاقتصادية في محافظة ظفار تختلف عن تلك المتوافرة في شمال الباطنة أو الوسطى أو مسندم أو الداخلية، كما أن الاختلافات قد تكون كبيرة بين ولايات المحافظة الواحدة. وتملك بعض المناطق فرصًا في السياحة والتراث، بينما تتمتع أخرى بإمكانات زراعية أو بحرية أو صناعية أو لوجستية. ومن غير المنطقي أن يقود الهدف الوطني المشترك المتمثل في تنويع الاقتصاد إلى استنساخ الأدوات والمشروعات ذاتها في جميع هذه المناطق؛ لأن العدالة التنموية لا تتحقق بالضرورة من خلال تشابه المشروعات، وإنما من خلال إتاحة فرص متكافئة للمناطق لاستثمار مواردها وميزاتها النسبية. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى التجريب المحلي باعتباره أحد المسارات التي تستحق الدراسة ضمن تطوير الإدارة التنموية للمحافظات. فقد تبدأ التجربة بمبادرة اقتصادية محدودة في ولاية أو قرية، تُبنى على دراسة للموارد المحلية والطلب المتوقع والجدوى الاقتصادية، وتُحدد لها مؤشرات واضحة لقياس النتائج خلال فترة زمنية معلومة. فإذا أثبتت قدرتها على خلق قيمة اقتصادية وفرص عمل واستقطاب الاستثمار، أمكن توسيعها أو تطويرها، أما إذا كشفت النتائج عن ضعف الجدوى، فإن تعديلها أو إنهاءها مبكرًا قد يكون أكثر كفاءة من الاستمرار في تمويلها لمجرد أنها أصبحت مشروعًا قائمًا. ولا يعني ذلك تحويل المحافظات إلى وحدات اقتصادية مستقلة أو تقليص دور التخطيط الوطني، وإنما تطوير العلاقة بين المركز والمستويات المحلية على أساس تكامل الأدوار؛ فالحكومة المركزية تحتفظ بمسؤوليتها عن السياسات العامة والمعايير الوطنية والتوازن التنموي بين المناطق، بينما تتعزز قدرة المحافظات على تحديد الفرص واختبار المبادرات وتقديم الحلول التي تستجيب لخصوصية المكان. وفي مثل هذه العلاقة، لا تكون المرونة المحلية نقيضًا لوحدة الدولة أو التخطيط الاستراتيجي، بل أداة لتحسين كفاءة التنفيذ وتعزيز الاستفادة من الموارد. غير أن نجاح هذا التوجه يظل مشروطًا بوجود قدرات مؤسسية تتجاوز الصلاحيات الإدارية والتمويل. فالمحافظة التي تسعى إلى اختبار نموذج اقتصادي تحتاج إلى بيانات موثوقة عن مواردها وأسواقها وسكانها، وإلى كوادر قادرة على إعداد الدراسات وتقييم المخاطر، وإلى شراكات مع القطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية والمجتمع المحلي. كما تحتاج إلى آليات للمساءلة وقياس الأثر، تميز بين الإنفاق على المشروع والعائد الاقتصادي والاجتماعي المتحقق منه. ومن دون هذه المقومات، قد تتحول الدعوة إلى التجريب إلى مجرد توسع في المبادرات، بدل أن تكون منهجًا مؤسسيًا لإنتاج المعرفة وتحسين التنمية. وهنا تبرز إحدى النتائج المهمة التي يمكن استخلاصها من التجربة الصينية؛ وهي أن القيمة الحقيقية للإدارة المحلية لا تتحدد فقط بمقدار الصلاحيات التي تمتلكها، وإنما بقدرتها على استخدام تلك الصلاحيات في اكتشاف الفرص وتحويلها إلى نشاط اقتصادي واجتماعي قابل للاستمرار. فالمحافظة لا تصبح مختبرًا للتنمية لمجرد أنها تطلق مشروعات مختلفة، بل عندما تمتلك منظومة تسمح لها بفهم المشكلات، واختبار الحلول، وقياس النتائج، وتطوير التجارب الناجحة، والتعلم من تلك التي لم تحقق أهدافها. وعند هذه النقطة يتجاوز النقاش حدود الإدارة وصنع السياسات إلى سؤال أكثر ارتباطًا بالنتائج التي ينبغي أن تحققها التنمية المحلية. فالتجريب الإداري لا يمثل غاية مستقلة، وإنما يستمد أهميته من قدرته على تحسين حياة السكان وتوسيع الفرص الاقتصادية وتعزيز استدامة المجتمعات المحلية. وقد امتدت بعض التحولات الاقتصادية الصينية إلى الريف، حيث أعادت قرى وبلدات تعريف أدوارها الإنتاجية، وانتقلت من الاعتماد الأساسي على الأنشطة الزراعية التقليدية إلى اقتصادات أكثر تنوعًا، تتداخل فيها الصناعات الصغيرة والسياحة والحرف والتجارة الإلكترونية والخدمات المرتبطة بالأسواق الحضرية. ولم يكن هذا التحول مجرد تغيير في نوع المشروعات القائمة داخل القرية، بل ارتبط بإعادة النظر في موقع الريف داخل الاقتصاد الوطني، وفي العلاقة بين البنية الأساسية والإنتاج المحلي، وبين الموارد البشرية وفرص العمل، وبين الهوية الثقافية للمكان وقدرته على خلق قيمة اقتصادية. وهنا تتضح أهمية الانتقال من دراسة آليات الإدارة المحلية إلى دراسة نتائجها على مستوى المجتمع؛ لأن نجاح المحافظة في إدارة التنمية ينبغي أن ينعكس في نهاية المطاف على قدرة مدنها وبلداتها وقراها على إنتاج الدخل واستقطاب النشاط الاقتصادي وتحسين نوعية الحياة. ومن ثم، فإن السؤال الذي تقود إليه هذه القراءة لم يعد مقتصرًا على كيفية إدارة التنمية محليًا، وإنما يتصل بكيفية تحول المكان نفسه إلى عنصر منتج في العملية التنموية. فهناك فرق بين قرية تحتضن مشروعًا ناجحًا، وقرية تمتلك اقتصادًا محليًا قادرًا على الاستمرار؛ كما أن تحسين الخدمات والبنية الأساسية، على ضرورته، لا يكفي وحده لضمان بقاء السكان أو توفير فرص اقتصادية للأجيال المقبلة. وهذا التمييز يفتح المجال أمام مستوى آخر من قراءة التجربة الصينية، ينتقل من المحافظة بوصفها مساحة للتجريب الإداري إلى القرية بوصفها وحدة اقتصادية واجتماعية يمكن إعادة بناء دورها في التنمية. ففي عدد من التجارب الريفية الصينية، لم تعد المسألة تتعلق بما ينبغي أن يصل إلى القرية من خدمات واستثمارات فحسب، بل بما تستطيع القرية نفسها أن تنتجه، وكيف يمكن ربط هذا الإنتاج بالأسواق، وتحويل مواردها المحلية إلى مصادر دخل وفرص عمل، وبناء منظومة اقتصادية لا تتوقف بمجرد انتهاء التمويل الأولي. وبذلك تتشكل الحلقة التالية في العلاقة بين اللامركزية والتنمية المستدامة؛ إذ لا تكتمل قيمة التجريب المحلي بمجرد تطوير أساليب الإدارة، وإنما عندما يصبح وسيلة لاكتشاف الإمكانات الاقتصادية الكامنة في المكان. ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين التنمية التي تُنفذ داخل القرية والتنمية التي تنشأ من قدراتها ومواردها، وبين مشروع يحقق نجاحًا مرحليًا واقتصاد محلي يمتلك مقومات الاستمرار. فإذا كانت المحافظة تمثل مساحة لاختبار السياسات واكتشاف الفرص، فإن القرية تمثل أحد أهم الاختبارات العملية لجدوى تلك السياسات؛ لأن نجاح التنمية لا يُقاس فقط بما يُنجز على أرض المكان، بل بما يصبح المكان قادرًا على إنتاجه واستدامته. وهنا يبدأ التحول من القرية المستهلكة إلى القرية المنتجة. ************** من الصين إلى عُمان.. سلسلة فكرية وتحليلية أسبوعية، تتناول التجربة الصينية في الإدارة المحلية والتنمية الريفية، وتبحث في إمكانات الاستفادة من مناهجها لبناء نموذج تنموي ينطلق من خصوصية المحافظات والولايات والقرى العُمانية.

المصدر: الرؤية