شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الحب الحقيقي يظهر في النادر والقليل

الحب الحقيقي يظهر في النادر والقليل

أنيسة الهوتية شاهدت مُؤخرًا مقطعًا للمُمثل الإيطالي روبرتو بينيني، وكانت فكرته عن الحب بسيطة في كلماتها، لكنها عميقة في معناها: حين تعطي شخصًا وقتك وأنت مشغول، فهذا دليل على الحب الحقيقي. وأظن أنَّ سر هذه الفكرة يكمن في كلمة واحدة: النادر. فالإنسان المشغول الوقت عملة نادرة لديه، ولذلك حين يمنحك منه، ولو قليلًا، فإن هذا القليل يحمل قيمة كبيرة. عشر دقائق من إنسان مزدحم قد تقول عن مكانتك عنده أكثر مما تقوله ساعات طويلة من إنسان لا يشغله شيء فيقضي وقته معك دون الملل والفضاوة. ومن هنا بدأت أفكر في العطاء كله بالطريقة نفسها. لو كان مع شخص 100 ريال وأعطاك خمسينًا، ومع شخص آخر مليون ريال فأعطاك مئة، فمن أعطاك أكثر؟ الرقم يقول إنَّ الثاني أعطاك مئة والمئة أكثر من الخمسين، لكن الحقيقة تقول إن الأول أعطاك نصف ما يملك، بينما الثاني أعطاك جزءًا ضئيلًا جدًا مما لديه. لذلك لا يمكن أن نقيس قيمة العطاء بحجمه فقط؛ علينا أن نسأل: هل كان هذا الشيء نادرًا عند صاحبه؟ ثم رأيت وجها آخر للحب: القبول. فكما أننا نعطي من نحب، فإننا نقبل منهم كذلك وإن كان قليلا. ومن نحبهم لا نحتاج منهم دائمًا إلى الكثير. القليل منهم يُصبح كافيًا، لأن قيمته ليست في الشيء نفسه، وإنما في الشخص الذي جاء منه. وقد اكتشفت ذلك بوضوح من خلال تجربة شخصية مع الهدايا. وخاصة في فصول دراستي لعلم النفس، كنت أعرف أنَّ ردود أفعال الإنسان تجاه المواقف البسيطة قد تكشف أحيانًا ما تخفيه العلاقات. وأنا بطبيعتي أحب تقديم الهدايا، لذلك جرّبت أن أقدم لبعض الأشخاص هدايا أبسط مما اعتادوا عليه، رغم قدرتي على تقديم ما هو أغلى. وهنا بدأت الأقنعة تسقط. بعضهم أخذ الهدية وفرح بها وإن لم تعجبه، ولكن لأنه يحبني لم يكن ينوي جرح مشاعري، وبعضهم رفضها بطريقة آلمتني وباستخدام مصطلحات مستفزة، وكأنَّ قيمتي أصبحت مرتبطة بسعر ما أقدمه. وفي تلك اللحظة فهمت شيئًا مهمًا: حين نحب الشخص، نقبل القليل منه؛ وحين نحب ما يملكه الشخص، لا يكفينا منه شيء. قد تكون أسباب رفض الهدية مُختلفة؛ ربما طمعًا، وربما مشاعر أخرى لا تظهر بسهولة إلا أنها تنفست حين وجدت نافذة. ولربما غيرة مثل أمّ بعض الأطفال فجأة رفضت الهدايا التي أقدمها لأطفالها ولم تشعر بأذى كلماتها على مشاعري، إلا أنها غيرة لم تتحمل، رؤية أطفالها ينتظرون قدومي بشوق، وربما يُقارنون بينها وبيني حين تغضب منهم. لم أُرد أن أحكم على نيتها، لكن الموقف جعلني أرى كيف يمكن للهدايا أحيانًا أن تكشف مشاعر أعمق من الهدية نفسها. أما أنا، فلو أهداني شخص مليونير هدية قيمتها ريال واحد، قد أستغرب، لكنني سأقبلها وأشكره لأنه تذكرني. لن أرميها في وجهه، ولن أجرحه بسبب بساطتها. لأنني إن كنت أحبه، فسأرى قيمة التذكر قبل قيمة الهدية. وبعد تلك التجربة، أعطيت علاقاتي أسماء جديدة في داخلي. فأصبحت أنا الشمس، والأشخاص من حولي كواكب في مداراتي؛ بعضهم بقي قريبًا، وبعضهم ابتعد، وبعضهم أخرجته من مجموعتي الشمسية كاملة. لم يكن ذلك انتقامًا، بل إعادة ترتيب لما اكتشفته عن قيمة كل علاقة. وربما هذه هي فلسفة الحب في أبسط صورها: أن تُعطي من الشيء النادر لمن تُحب، وأن تقبل الشيء القليل ممن تحب. فالقليل من وقت المشغول قد يكون حبًا كبيرًا، والقليل من هدية من نحب قد يكون أكثر قيمة من الكثير. لأنَّ الحب لا ينظر إلى حجم ما في اليد، بل إلى ما الذي كان نادرًا فيها، ولمن اختارت أن تمنحه.

المصدر: الرؤية