الطب الإسلامي والطب الحديث تكامل أم تصادم؟ (4)
هل انتهى عصر الطب الإسلامي؟! أ. د. حيدر أحمد اللواتي ** تحدثنا في مقالنا السابق عن انهيار نظرية الأخلاط الأربعة؛ وذلك بعد سقوط نظرية العناصر الأربعة، الماء والهواء والنار والتراب، واستبدالها بالكيمياء الحديثة القائمة على مبدأ العناصر الكيميائية المكونة للمواد، ومن ثم بدأنا الحديث عن اكتشاف المجهر وعالم الأحياء الدقيقة، الذي أبهر عقول البشر، وتساءلنا في ختام المقال عن سبب تأخر الربط بين الأسقام والأوبئة وبين هذه الكائنات الدقيقة، وهذا ما سنتحدث عنه في هذا المقال. كان العائق الأكبر الذي أخر ربط هذه الكائنات المجهرية بالأمراض هو رسوخ عقيدة فلسفية كبلت الفكر العلمي لقرون، عُرفت بنظرية "التولد الذاتي" (Spontaneous Generation) كانت هذه النظرية تزعم أن الحياة الدقيقة تنشأ تلقائيًا من المادة غير الحية الفاسدة؛ فالديدان تخرج من اللحم العفن بفعل الرطوبة، والميكروبات تظهر في الحساء المغلي كنتيجة للتحلل، وليس كسببٍ له، وظل هذا الوهم مسيطرًا حتى ظهر على مسرح العلم في القرن التاسع عشر كيميائي فرنسي فذ، وهو "لويس باستور". بدأ باستور أبحاثه بدراسة أسباب فساد النبيذ والجعة بطلبٍ من أصحاب المصانع الفرنسية، وبفراسته العلمية، أثبت أنَّ التخمر والتعفن ليسا تفاعلات كيميائية ميتة، بل هما عمليتان حيويتان تقودهما ميكروبات حية، ومن هذا المنطلق المعرفي، قرر باستور أن يوجه ضربته القاضية لنظرية التولد الذاتي عبر تجربة شهيرة قام بها عام ١٨٦١م، إذ قام فيها باستور بغلي خليط كيميائي في دورق مصنع بطريقة تسمح بدخول الهواء وتمنع الغبار والميكروبات الثقيلة من الوصول إلى الخليط الكيميائي؛ فبقي الخليط معقمًا ونقيًا لشهور، وحين كسر عنق الدورق وسمح للأحياء الدقيقة المحمولة في الهواء بالولوج، تعفن الخليط في أيام معدودات، وبهذا أثبت باستور أن "الحياة لا تأتي إلا من الحياة"، وأن الميكروبات لا تنشأ في الخليط، بل تغزوه من الخارج. لم يقف قطار باستور عند محطة التخمر والتعقيم (التي عُرفت لاحقًا بالبسترة)، بل قاده هذا الفهم إلى استنتاج تطبيقي ثوري: إذا كانت الميكروبات قادرة على تخريب السوائل العضوية وتعفينها، أليست قادرة على غزو الأجساد الحية وإمراضها؟ هكذا ولدت في فكره "نظرية جرثومية المرض" (Germ Theory of Disease) وتأكدت ظنونه عندما أنقذ صناعة الحرير الفرنسية بعزله للميكروبات الطفيلية المسببة لمرض دودة القز، وحين قرأ الجراح البريطاني "جوزيف ليستر" أبحاث باستور، أدرك فورًا أن تعفن الجروح وتفشي الحمى بعد العمليات الجراحية ينجمان عن جراثيم بيئية تتسلل لجسد المريض؛ فابتكر استخدام حمض الكربوليك كمطهر للأدوات والجروح، لينخفض معدل الوفيات الجراحية بشكل ملحوظ. بيد أنَّ نظرية الجراثيم، ورغم عبقرية باستور، كانت لا تزال بحاجة إلى أدلة أكثر حسما، والتي تربط ميكروبًا معينًا بمرضٍ مُعين لا يخطئه، وهنا جاء دور غريم باستور ومنافسه التاريخي؛ الطبيب الألماني الصارم "روبرت كوخ"، ففي عام ١٨٧٦م، نجح كوخ في فك شفرة مرض "الجمرة الخبيثة"، ثم صعق العالم في عام ١٨٨٢م باكتشافه للجرثومة المسببة لمرض السل القاتل الصامت الذي كان يحصد ثلث أرواح أوروبا. وبذلك، طويت صفحة أخرى من الأسس التي قام عليها الطب الإسلامي وريث الطب اليوناني، اذ تم الاستغناء عن فكرة الهواء الفاسد والأبخرة الخبيثة، وانفجرت ثورة طبية غيرت وجه البشرية؛ فصُنعت اللقاحات لتعطيل الجراثيم، وشُيدت شبكات الصرف الصحي والمياه النقية بناءً على معايير علم الوبائيات، وتهيأت الأرضية لاكتشاف المضادات الحيوية لاحقًا. وهكذا نجد أن الطب الحديث توصل إلى أن الداء إما ينجم عن خلل كيميائي يعتري الوظائف الحيوية لجسد الإنسان، وإما بسبب غزو خارجي لكائنات مجهرية مُمرِضة تحيط به في بيئته، وبهذا الكشف، تهاوت النظريات الغابرة؛ كنظرية "الأخلاط الأربعة" و"الأبخرة الفاسدة"، لتتحول إلى مجرد معروضات تاريخية في متاحف علوم الطب. إن سبر الأغوار العلمية التي قام عليها الطب الإسلامي القديم يمثل مفتاحًا أساسيًا لفهم النصوص التراثية المرتبطة بالطب وتحليلها، فعلى سبيل المثال، ساد الاعتقاد قديمًا بأن الكبد هو المنبع الرئيس لتوليد الأخلاط ومنها البلغم، بينما كان يُنظر إلى الدماغ بوصفه مستودعًا تتراكم فيه فضول هذا البلغم الزائد، وتذهب بعض النصوص التاريخية إلى أبعد من ذلك، فتصنف البلغم إلى نوعين: نوع ينحدر من الرأس، ونوع يرتفع من الصدر، بيد أن حقائق الطب وأحياء اليوم تدحض هذه التصورات؛ إذ تؤكد أن البلغم إفراز طبيعي يختص به الجهاز التنفسي، ولا صلة للدماغ بإنزاله مطلقًا. كما يتجلى في تلك النصوص التاريخية إهمال ملحوظ لمركزية الدماغ ووظائفه، مدفوعًا باعتقاد راسخ بأن القلب هو العضو المهيمن والمتحكم الأول في سائر أعضاء البدن؛ بل إن بعض الأدبيات الطبية القديمة ذهبت إلى تقديم الأطراف كاليدين في الأهمية على الدماغ! إن استيعاب هذه الأسس التي نهل منها الطب الإسلامي، ومقارنتها بمكتشفات الطب الحديث، يبرهن بوضوح على صعوبة الاعتماد على تلك النصوص الطبية الاسلامية في واقعنا المعاصر، بل إن تفصيل العمل بها اليوم ربما ينطوي على بعض المخاطر؛ فهي نصوص قامت في جوهرها على فهم مغاير لبنية الجسم وآلية عمل أعضائه، ومخرجاتها تتعارض بنيويًا مع ما يطرحه العلم الحديث. وبناءً على ذلك، فإن الدعوة تتجه إلى قصر الاستفادة من تراث الطب الإسلامي على بعده الإيماني والغيبي، والذي يمثل ركنًا أصيلًا في الفكر الإسلامي، أما من الناحية التطبيقية والعملية، فإن الطب الحديث قد طوى تلك الحقبة التاريخية، ودخل مرحلة معرفية جديدة كليًا، تقوم على أسس علمية مغايرة تمامًا. لكن يمكن الاستفادة من أمر آخر تميز بها الطب الإسلامي وانتبه لها الطب الحديث مؤخرا، وهذا ما سنتحدث عنه في مقالنا الأخير. ------------ ** سلسلة من المقالات تعرّف بالطب الإسلامي وتقارن أسسه مع أسس الطب الحديث ** كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس
المصدر: الرؤية